توظيف نوبل لاختراق حقوق الأمم

هل نوقف التطبيع الثقافي مع النرويج!

عادل سمارة

ما المطلوب من مثقف فلسطيني أو عربي أو أممي تجاه السياسات الخارجية لدول معادية للإنسانية حتى لو في ثوب حملْ؟

ما السبب الذي يدفع دولة عظمى للتخريب على صعيد عالمي؟ لا بأس: لنقل مصالحها كإمبراطورية وخاصة ضد المشروع الإشتراكي الإنساني (حالة أميركا مثلا).

ولكن، ما السبب الذي يدفع دولة صغيرة لتلعب دوراً عدوانيا استخباريا وعسكريا على صعيد عالمي. “إسرائيل مثلا؟ لأنها أداة لاحتجاز تطور المشروع القومي العربي؟ وكما يبدو حتى ضد الإسلام. فقبل ايام اشترت (والله أعلم إن لم تكن أُهديت) طائرت تطير حتى إيران ولا يلتقطها الرادار.

وما السبب الذي يدفع دولة صغيرة غنية ونائية لتكون اداة لتنفيذ سياسات معادية لأية أمة لا ترضى عنها دول المركز الراسمالي المعولم (وخاصة أميركا) ولتخدم “إسرائيل” بشكل خاص[1]! أقصد النرويج.

أطرح هذه الأسئلة ليس فقط لمعرفة رأي المواطن الفلسطيني في دولة ما، ولكن الأهم لكي نفهم جميعاً، بل كل مواطن أن واجبه متابعة المواقف والسياسات المتعلقة ببلاده بما أن ذلك واجب عليه، واجب اتخاذ موقف.

الدولة الصغيرة المقصودة هنا هي النرويج.

دولة صغيرة، نائية أوروبية باردة غنية ونفطية وغربية. حتى الآن الحديث ماشي!

لكن النرويج بلد تتمترس فيه مؤسسة جائزة نوبل للسلام؟ من ناحية ظاهرية لا مشكلة. ومن ناحية عملية فهذه المؤسسة تُقاد بقرارات الدول الغربية الرأسمالية بما يؤكد أن جوائزها سياسية مسيسة لصالح الغرب بحيث تذهب لمن يرشحهم الغرب وخاصة الولايات المتحدة.

لقد حصل السادات على نوبل وهو الذي أخرج مصر من المشروع القومي، وحصل عليها رابين الذي “كسر أيدي أطفال الحجارة” وحصل عليها يوسف عجنون الذي كتب بأن على إسرائيل أن تضم دمشق…سلسلة طويلة.

واليوم حصل عليها منشق صيني ” ليو تشاو بو” وهو ناشط في تخريب الصين الشعبية، اي ان الولايات المتحدة تستخدم عناصر خائنة لتخريب الصين ضمن سياستها الرامية إلى محاولة احتجاز تطور الصين اقتصاديا، وخاصة ضمن معركة حرب العملات على صعيد عالمي وهي الحرب التي ستناقش في واشنطن الأسبوع القادم.

والنرويج التي ليس بينها وبين العرب أية مشاحنات هي التي زودت الجيش الأميركي بنظارات للرؤية الليلية لقتل المقاومين العراقيين. لماذا؟؟؟؟؟؟؟

أما فلسطينياً، فإن النرويج تأتي في العداء للفلسطينيين بعد الكيان مباشرة. فهي التي تستنزف لاجئين فلسطينيين ليخرجوا من لبنان والأرض المحتلة كمساهمة في تصفية اصحاب حق العودة حتى ولو بنسبة متواضعة. والنرويج هي التي مولت منظمة “فافو” للأنجزة التي قامت بمسح للضفة والقطاع قبيل أوسلو مما شكل ارضية لاتفاقي أوسلو وباريس اللذين تضمنا الاعتراف بالكيان الصهيوني و”ساهما” في تصفية حق العودة، ناهيك عن الخراب المعنوي وإعادة هندسة المجتمع في “أوسلو- ستان”. والنرويج هي التي تستضيف باستمرار مؤتمرات للتطبيع الثقافي بين العرب ومنهم الفلسطينيون والكيان. سلسلة مؤتمرات. وبالطبع يذهب أكاديميون/ات فلسطينيون إلى هناك ويزعمون، كما زعمت إحداهن أنها قدمت ورقة “ضد إسرائيل”!!! وهي تعلم أن المعصية ليست في عدم تقديم ورقة كهذه بل في الجلوس إلى جانب الصهاينة كاعتراف بهم. فأن تعترف بوجود الكيان هو الجائزة الكبرى. أم أن تنتقده بهذا غزل لا عُذري. وكل هذا يندرج في إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني والعربي عبر إعادة هندسة الثقافة والأكاديميا.

النرويج تتحكم عبر التمويل بكليات ومعاهد في جامعاتنا، والنرويج تعطي منحا مشروطة لطلبة دكتوراة في موضوعات تستهدف معرفة تفاصيل الحياة في دول الممانعة، وعلاقتها بالمقاومة العراقية تحت غطاء الأكاديميا. هناك طلبة/طالبات يقبلون إجراء هذه البحوث!

قال المنشق الصيني الذي مُنح الجائزة إن الذي فتح عينيه على “حقوق الإنسان هو المنشق الروسي في فترة العهد السوفييتي سولجنيستسن الذي قال: ” لماذا يعتقلنا النظام كالخراف…الخ”.

والسؤال الأول: إذا كانت كل هذه الخروقات والعدوانات من النرويج على مختلف بلدان العالم والوطن العربي وخاصة فلسطين، لماذا لا تُعلن النرويج دولة مارقة ثقافيا وأخلاقيا وحتى عسكرياً.

والسؤال الثاني: هل يجرؤ المتموَّلون من النرويج على وقف التموُّل ونقدها؟ هل يجرؤ الذين يدرسون هناك، ولا ندري إلى ماذا يتعرضون، أن يتعففوا عن مشروع الاختراق الثقافي لهم/ن. ويُعلن رفض التطبيع مع النرويج!

وماذا سيحصل لمن يتوقف عن المال المسموم والعلم المسموم[2]؟ هل نهاية العالم في تمويل دائرة أو معهد جامعي يخرِّج مختلين ثقافيا؟ من يدري إن كان أحد يكتب أطروحات شكلا للعلن وتقاريراً في السرِّ لكي لا تنقطع المنحة؟ ومن يدري مَنْ مِنْ بينهم لا يستمر في ذلك فيما بعد؟

ــــــــــــ

[1] حينما زار النرويجي تيري رود لارسن مخيم جنين بعد المعركة البطولية للمقاومة وبالطبع تدمير المخيم، قال أن هذه جريمة حرب. فانبرى شمعون بيرس ليقول له: ولكننا ذات يوم أعطيناك رشوة!. هل يجرؤ فلسطيني تمول أو مُنح من النرويج أو غيرها بشروطها أن يعاندها؟ أم سيقول/تقول: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان!!!

[2] تحدث إلي صديق مؤخراً مبدياً قلقه من اعتماد المؤسسات اليسارية على التمويل الأجنبي وناقشنا فكرة التحول للاعتماد على المصادر المحلية. شكراً للصدمات. أعتقد أن هذا تجليس حقيقي للموقف. هذا ما أسميته في نموذجي التنموي “التنمية بالحماية الشعبية”، اقتصاد الحزب واقتصاد الطبقة، وأوضحته مجدداً في كتابي القادم قريبا: “التطبيع يسري في دمكِ” الذي سيصدر عن دار ابعاد في بيروت.