قراءة في كتاب: “ناج من المقصلة”

من تأليف مصطفى بودينة

ومراجعة الطيب ولد العروسي*

· ‘ناج من المقصلة’: كتاب يروي معاناة المجاهدين الجزائريين وهم في الانتظار في أروقة الموت

صدر في الجزائر عن منشورات ‘الشركة الوطنية للنشر والإشهار’ كتاب جديد باللغة الفرنسية تحت عنوان ‘ناج من المقصلة’ لمؤلفه مصطفى بودينة، يقع في 160 صفحة، ويحتوي على عشرة فصول مصحوبة بأربع قوائم، الأولى بأسماء المجاهدين الذين قضوا حتفهم بواسطة المقصلة، في سجن سركاجي في الجزائر، والثانية بأسماء المحكوم عليهم بالإعدام والذين تم قتلهم من سنة 1954 إلى سنة 1962 في السجن المدني لمدينة وهران، والقائمة الثالثة تحتوي على أسماء الذين نفذ فيهم الحكم بالإعدام في السجن العسكري في القصبة في قسنطينة، أما الرابعة فهي بأسماء المحكوم عليهم بالإعدام في ليون، وقائمة بأسماء الفدائيين في سجن ‘لا سنتي’ في باريس، وأخرى في سجن ‘ديجون’. والجدير بالذكر أن المناضل الجزائري علي هارون هو الذي قام بتقديم هذا الكتاب، وهو معروف بكتابه حول ثورة التحرير الجزائرية في فرنسا.

يصنف كتاب ‘ناج من المقصلة’ ضمن الشهادات والسير والمذكرات الصادرة في الجزائر، أو في فرنسا، أو في دول أخرى من العالم العربي والغربي، وهي في أغلبها تروي سنوات النضال والكفاح الجزائري من أجل إعادة السيادة الوطنية، بقلم مجاهدين ساهموا في هذه الثورة، وفي هذا الإطار نحن أمام شهادة مجاهد، ولد في الشرق الجزائري في 18 نيسان ( أبريل سنة) 1939، في ‘تكسانة’ بالقرب من مدينة جيجل. تربى في عائلة جد فقيرة، وبدأ العمل وهو بعد طفلا في بلدته ثم انتقل إلى مدينة الجزائر العاصمة، حيث تردد على مهن مختلفة، والتقى بأحد المناضلين حينما كان يعمل في مطعم ببلكور، حدثه عن الثورة، وعن الرسالة الكبرى التي تنتظر كل جزائري وجزائرية، وما فتئ الفتى أن اقتنع بالفكرة وراح إما يوزع المناشير أو يحمل الرسائل، أو الأمانات، معتبرا ذلك واجبا وطنيا مقدسا. هكذا يدخل ضمن صفوف الثوار وهو في ريعان شبابه، ثم يلتحق بفرنسا، ويستقر في مدينة ‘سانت إتيان’ حيث واصل العمل فيها من أجل إعانة أهله ومواصلة النضال، فقام بمجموعة عمليات تخريب وتدمير وشغب ليلفت انتباه العالم إلى ما تقوم به فرنسا من مجازر في الجزائر وكان ذلك ما بين سنتي 1956 و1958..

يؤكد السيد مصطفى بودينة من أن هذه العمليات لم تكن موجهة ضد الشعب الفرنسي، فهو ككل الشعوب يكره الحروب، ويحب السلام، لكنها موجهة ضد المستعمرين وأعوانهم، وبالتالي تعميم الوعي على أكبر شريحة اجتماعية إنسانية في العالم ليعرفوا الواقع المحرق الذي كان يعاني منه الجزائريون ومعاناتهم مدة 132 سنة من الغطرسة الاستعمارية، فالكاتب يروي حكايات مؤلمة عاشها في السجن وهو في دهاليز الموت أو ينتظر دوره لكي يتم إعدامه. ويصف معاناته ورفاقه وهم ينتظرون أدوارهم أيضا، وهي تعتبر فصول رائعة من الشجاعة والإقدام التي يتميز بها هؤلاء الفدائيون، الذين دخلوا ساحات المعركة عن قناعة، وكانوا وظلوا مستعدين للتضحية بكل ما يملكون، إذ يقول واصفا محاكمته هو ورفاقه من قبل قاضي المحكمة العسكرية: ‘عندما تم القبض علينا، كنا ستة عشر فدائيا، وبعد محاكمة سريعة وغير عادلة، حكم علينا بالسجن فرموا كل خمسة منا في زنزانة. رفضنا هذا الحكم الجائر، وطلبنا أن يكون القاضي معتمدا من طرف الحكومة الجزائرية المؤقتة’. ثم يواصل قائلا ً: ‘لكن رغم ذلك واصلوا حكمهم الجائر وعندما نطقوا به، رحنا كصوت واحد ننشد ( من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا للاستقلال، متحدّين بذلك جلادينا)’. وهكذا وبعد المحاكة راح يتكلم عن عزلتهم حيث لم يكن يسمح لهم بالالتقاء إلا عدة دقائق في اليوم، وكان السجان ينتظر مرور الجلاد أثناء الليل ليعدم الفدائيين. يصف دوامة السجن، وتحدي السجين لهذه الدوامة، إذ يقول ‘كنت عندما أدخل إلى زنزانتي أروح أتأمل سقفها الذي يبدو لي وكأنه يتحرك، أو يضايقني، فأدخن سيجارة تلو الأخرى، حتى أقضي على أربع علب أحيانا، وأمامي دائما إناء من الماء أستعمله للوضوء، وأتركه جانبا في حالة ما إذا أتى دوري، أتوضأ وأقرأ القرآن بصوت عال ثم أصلي قبل أن يتم إعدامي، وذات ليلة سمعت الجلادين وهم يفتحون الأبواب فهيأت نفسي، وتأملت السقف فإذ هو عاد لم يتحرك من مكانه، لكن الانتظار أوحى لي بأشياء كثيرة’.

كما راح ذات يوم يقرأ أسماء من مروا هنا، لأنهم نحتوها ‘فوجدت أن الرئيس الحبيب بورقيبة كان قد مر على هذه الزنزانة’. هكذا يتعايش المسجونون في كل لحظة مع الموت، وأي موت، مرور رأس الفدائي تحت المقصلة، إذ يثبت الشهادة التالية التي تبين التحدي الكبير والإيمان العميق لهؤلاء المجاهدين حينما يقول ‘عندما تم الحكم بالإعدام على الفدائيين كل من ميلود بوغندورة ومخلوف، وعندما تم إعدام مخلوف – طلب بوغندورة من جلاده، مهلة وراح يقبل جمجمة رفيقه وسجد أمامها ويضمها إلى صدره، ونادى الجلاد ليأمره فيما بعد بالقيام ( بعمله الذي يأكل منه قوته) ‘. فالمحكوم عليهم بالإعدام في حالة هؤلاء الفدائيين يروون فصولا من التحدي ومن الاتحاد، إذ كان كلما يأتي دور احد منهم والذهاب به إلى المقصلة يرفعون أصواتهم بالنشيد الوطني، كما يؤكد عدم احترام القانون الفرنسي قتل شباب في عمر الشهيد لخليفي الذي كان يبلغ من العمر 20 سنة فقط ـ ‘إذ كنا نفكر بأنه آخر واحد يعدم’ والذي ‘انخدع من الإنسانية المزعومة المفترضة لدى الرئيس الفرنسي ( دي غول) لأنه على الرغم من البرقيات التي بعث بها ملك المغرب محمد الخامس والرئيس السوفييتي خروتشوف وملكة انكلترا، أصرّ الجنرال ( دي غول) على تنفيذ حكم الإعدام’.

يقول السيد بودينة ‘عندما سيق المجاهد عبد الرحمن خليفة إلى المقصلة، كان يقول وبصوت عال: الله أكبر، الله أكبر’ ثم واصل قائلا ( قولوا للشباب الجزائري أن يأخذ لي الثأر من الفرنسيين، وأن يحبوا الجزائر بشكل عميق) ثم اتجه إلى العقيد المكلف بالإعدام، قائلا له بكثير من السخرية والإهانة: ( قم بعملك بسرعة، لي موعد الآن مع الشهداء في الجنة). أما أحمد فغلول، وهو شهيد آخر أعدموه، فقال لقاتله: ( أقتلني فهذه مهنتك التي تعيش منها)’.

مع توالي الأيام والأشهر نظم السجناء أنفسهم وقاموا بثلاثة إضرابات عن الطعام ( تراوحت بين أسبوعين وأربعة أسابيع) تكلمت عنها الصحافة العالمية والفرنسية، كما حركت المحامين لإعادة الحديث عن ملف المحكوم عليم بالإعدام، مما دفع بجلاديهم ( إدارة السجن) إلى إعطائهم قاعة للقراءة والمطالعة، تحولت هذه القاعة إلى مدرسة، بحيث كان المتعلمون يلقنون الذين لا يحسنون القراءة والكتابة، وكان السيد مصطفى يقوم بدور المعلم، واندفع الكل يحلم – رغم الواقع المر- بتحسين مستواه وبالقضاء على الجهل، كما كان البعض منهم يمر بفترات تردد ومرارة، لأنهم كانوا يصابون بنوع من الإحباط، لأنهم كانوا مقبلين على المقصلة، إلا أن هذه الإضرابات أعطت نتائجها بالنسبة لتحسين الأكل، وبوصول وكتابة الرسائل، والجرائد والمجلات، لأنهم كانوا من قبل منقطعين تماما عن العالم. ‘إنها طريقة عزل مدروسة لكي لا يعرف السجناء ماذا يجري في البلد من تحديات وموت وانتشار ثورة التحرير في كل القرى والمدن’.

جرت هذه الأحداث التي يرويها السيد مصطفى بودينة في أروقة الموت في سجن فورت مانتليك Fort Montluc ‘في مدينة ليون، حيث قضى الكاتب عدة سنوات، أي ما بين 1958 و1962، لكنه قضى قبل ذلك ثمانية أشهر من سنة 1958 في مدينة سانت إتيان قبل أن ينقل إلى ليون، حيث حكم عليه بالإعدام مرتين، وعندما أعلن عن إيقاف الحرب في 11 ايار ( مايو) 1962 تم تحريره هو والمجموعة الناجية من الموت لينظموا في دفعات ويلتحقوا بالجزائر، كل إلى مسقط رأسه أو المدينة التي كانت موجودة فيها أسرته.

تقلد السيد مصطفى بودينة بعد الاستقلال عدة مناصب، كمسؤول نقابي ثم محافظ في حزب جبهة التحرير الوطني، ويعمل حاليا عضوا في مجلس الشيوخ، ورئيسا لـ ‘الجمعية الوطنية للمحكوم عليهم بالإعدام’، هذه الجمعية التي أقرت أن تعمل من يوم 19 حزيران ( يونيو) يوما وطنيا للمحكوم عليهم بالإعدام، لأن هذا اليوم يتزامن مع تنفيذ أول حكم إعدام في الشهيدين أحمد زبانة وفرج، وهو يعتبر أنها مساهمة لإعادة الذاكرة للشعب الجزائري من خلال الاحتفاء بأيام مثل هذه ويشجع كل المجاهدين على كتابة ذكرياتهم لتكون ‘نبراسا للأجيال التي أتت بعدهم’. كما يرى أن عدد المحكومين بالإعدام والذين لا يزالون على قيد الحياة لا يتجاوز الألف شخص. ويقدر المؤلف مجموع الذين أعدموا بالمقصلة خلال حرب التحرير بـ 200 شهيد.

ويعتبر المؤلف كتابه هذا شهادة بل مساهمة في كتابة تاريخ الجزائر ‘وفي الوقت نفسه أتحدث عن رفاقي وما قاموا به إلى الأجيال القادمة’. سرد لنا المؤلف الأحداث بشكل ينقل القارئ إلى الجو الذي كان سائدا في دهاليز السجن، ويوميات السجناء المحكوم عليهم بالإعدام وهم ينتظرون الموت من أجل الدفاع عن كرامتهم وشرف بلدهم.

:::::
* كاتب من الجزائر يقيم في باريس