نجاة الأمة بنجاة ذاكرتها الجمعية

نصر شمالي

أن يحتلّ العدو وطناً من الأوطان، ويحاول امتلاكه وإخضاع شعبه، فتلك مأساة عظيمة. لكنّ مثل هذا الحدث، على هوله، لا يشكّل ذروة المأساة إن هو بقي في هذه الحدود. إنّ الذروة ليست في الاحتلال، ولا في ما يترتّب عليه من تضحيات جسيمة رهيبة تقتضيها مقاومته المستمرّة حتى دحره المؤكّد، فهذا حدث ويحدث في كلّ زمان ومكان، إنّما ذروة المأساة هي أن يتحوّل الوطن بعد احتلاله إلى ما يشبه الحظيرة المغلقة الخاضعة، وأن يتحوّل المواطنون تحت الاحتلال إلى ما يشبه الخراف المستسلمة غير المدركة، وأن يصبح العدو المحتل أشبه بجزّار طليق اليدّ في حظيرته وفي خرافه. أمّا ما يمكن أن يدفع بالشعب إلى مثل هذا المصير الفظيع فهو نجاح العدو في تدمير ذاكرته الجمعية!

على مدى العقود بل القرون الماضية، وفي جميع أقطارها المحتلة وشبه المحتلة، تعرّضت الأمة العربية إلى مختلف صنوف العدوان، وإلى أكثر أنواعها قسوة وعنفاً وإرهاباً وتدميراً. ولقد كانت ذاكرتها الجمعية التاريخية على رأس الأهداف التي عمل العدو على تدميرها، وكان الدفاع عنها أصعب المعارك التي خاضها العرب وأشدّها مرارة وتعقيداً، وذلك بسبب الاختراقات الفكرية لبعض أوساطها القيادية السياسية والتعليمية والثقافية. وإذا كان العدو قد فشل في تحقيق هذا الهدف الرئيس، الذي هو تدمير الذاكرة العربية الجمعية، فإنّه لا يزال مستمرّاً في محاولاته حتى يومنا هذا، معتقداً أنّ تدميرها أصبح ممكناً بعد التقدّم الذي أحرزه على عدد من الجبهات في عدد من الأقطار، وبخاصة بعد احتلال العراق.

لقد كان القرار المركزي الأوروبي/الأميركي المتخذ ضدّ الأمة العربية، الذي بدأ تنفيذه على الأرض منذ القرن التاسع عشر، أن يكون البحر الأبيض المتوسط بحيرة أوروبية/أميركية بعد تدمير العرب على ضلعيه الجنوبي والشرقي، بإبادتهم أو بإضعافهم وتمزيقهم واحتوائهم. ومثله كان القرار بصدد البحر الأحمر والخليج العربي ومحيطيهما. وبالفعل، رأينا كيف وضع القرار قيد التنفيذ في الجزائر على مدى حوالي مائة وثلاثين عاماً، حيث ظلّ القادة الفرنسيون يؤكّدون بالأقوال والأفعال تصميمهم على إبادة الشعب الجزائري. ثمّ رأينا الجنرال الإنكليزي اللنبي، قبل حوالي أربعين عاماً من انتصار الجزائريين، يقف في القدس، فور وصوله إليها بعد احتلالها، ويصرّح: اليوم انتهت الحروب الصليبية! وإنّه لممكن تصوّر الخيبة التي ستصيب اللنبي لو أنّه عاش ليشهد انتصار الجزائريين على المشروع الاستيطاني، حيث ما فشل تحقيقه في الجزائر لا يمكن أن يتحقّق في فلسطين.

كانت الذاكرة الجمعية التاريخية أصلب وأعظم جبهات المقاومة العربية. وهي كانت، من دون أدنى شكّ، العامل الحاسم الذي حفظ الجزائر من الضياع والهلاك، ومكّن الجزائريين من دحر السرطان الاستيطاني الإبادي ومن نيل الاستقلال في نهاية المطاف. وفي فلسطين، على الرغم من الفارق الهائل في موازين القوى المادية لصالح العدو، كان لهذه الذاكرة الفضل الأول في تعثّر المشروع الصهيوني الإبادي، وفي محاصرته وتحجيمه وإرغامه على أن لا يتجاوز حدوداً معينة، على خطورة وهول الحدود التي بلغها.

وعلى نطاق أوسع كان للذاكرة الجمعية التاريخية الفضل في إبقاء معركة الوجود العربي بمجمله مفتوحة، وإن على جميع الاحتمالات السلبية والإيجابية. فلو أنّ الجزائريين والفلسطينيين نسوا كونهم جزء من أمة عريقة، هي الأكبر في حوض المتوسط كلّه، ولو أنهم نسوا تاريخها المديد، وتراثها العظيم، ولغتها وثقافتها وآدابها وفنونها، ونسوا مكانتها الأممية في التأسيس للعلوم الحديثة، وفي تطوير العلاقات الإنسانية العالمية، لكانت الجزائر اليوم مجرّد حكاية أندلسية، ولكانت فلسطين جزءاً مغموراً من أجزاء المشروع الصهيوني الكبير (من الفرات إلى النيل!) بل لكانت الأمة كلّها اليوم مندثرة أو على وشك الاندثار. لكنّ الذاكرة الجمعية العربية بقيت سليمة بصورة كافية، وبفضلها نجت الأمة من خطر الزوال!

لقد حدث ذلك كلّه حقاً، واليوم، بعد أن ابيضّ سطح كوكب الأرض من عظام ضحاياها، تبدو الهجمة الاستعمارية الاستيطانية الشاملة وقد استنفدت زخمها العظيم الذي دام قروناً، والذي بلغ أوجه في الستين عاماً الماضية بقيادة واشنطن. إنّ نفوذ الولايات المتحدة، التي هي آخر احتياطي هائل لهجمة التدمير الشامل، يتراجع في معظم مناطق العالم. وإذا كان الحال في البلاد العربية يشير إلى عكس ذلك، حيث تبدو الهجمة كأنّما هي لا تزال بكامل زخمها وحيويتها وتقدّمها، وحيث تبدو أقطار عدّة كأنّما هي على وشك الانهيار والتفكك والضياع، فذلك يعود إلى موقع البلاد العربية الحاسم في بنية هذا النظام الدولي الفاسد. ففي هذه البلاد يخوض هذا النظام أشرس معاركه الدفاعية العالمية وآخرها.

:::::

ns_shamali@yahoo.com