قرغيزيا يهودية

أحمد حسين

ما هذا الهراء العنصري المجاني الذي لن يغير شيئا، سوى رفع وتيرة الصراع والمعاناة؟ لو أقسم العالم كله على يهودية الدولة فلن تصبحوا سكانا أصليين ولن نصبح غرباء. لن تصبحوا ” شعب الأرض ” لأن شعبها الحقيقي موجود في مكان ما على هذا الكوكب. من يعترف لكم منا بيهودية فلسطين فسوف ينسلخ تلقائيا عن شعبه، وإلى جهنم!

إنكم متورطون إلى العنق في تاريخكم الذي لا يمكن أن يكون إلا بالقوة. وحتى القوة مهما بلغت من العظمة والفجور، لا يمكنها أن تقلب قانون الكينونة رأسا على عقب. قانون يقره المحافظون الجدد بينكم، يستطيع أن ينقضه أي طفل فلسطيني بابتسامة مائلة على شاشة التلفزيون وإلى الأبد. أما التاريخ فليس من طبعه المزاح. ولا سند لكم فيما تحاولون وترتبون سوى التفكير العنصري المتأزم بالفشل، ونوع القوة التي تباع في اسواق السلاح. هذه القوة ينقصها المعنى وينقصها التزام الحقيقة، وهما الشيء الوحيد الذي لا يتأكسد في تقلبات الطقس. فدعوكم من هذه النشوة المحرمة التي تحاولون بلوغها بدون جسد فعلي.

نتنياهو وليبرمان والبقية المصابة، مشاريع للظاهرة الإنسانية المرضية، التي اعتادت أن تستخدم مصير البشر، لتملأ فراغات الذات بالعظمة الكاذبة. إنهم لا يريدون إعطائكم وعدا إلهيا جديدا، لم يستطع رغم سموه أن يجعل كنعان تفقد هويتها. إنهم أصلا لا يضعون الكيبوت على رؤوسهم. كل ما يريدونه هو مغامرة الذات التي فقدت علاقتها بالواقع، لكي يصبحوا عظماء. رغم كونهم يهودا فإنهم يسيرون في ذات الطريق الذي أدى إلى ظهور النازية. قد لا يهمهم ذلك في سبيل تحقيق أهوائهم، ولكن ماذا عن الناس العاديين؟ إن ظاهرة الرعاعية قد اختفت من المجتمعات المتقدمة، وأصبح الفرد السليم عقليا، صعب الإنقياد. أم أن العنصرية يمكن تمريرها منطقيا، حتى على هؤلاء بالديموقراطية.

لقد فقد الفلسطينيون كل أرضهم.فقدوا حتى عطف المتفرجين، انسياقا مع تأييد القوي، قياسا على حلبات المصارعة. فقدوا أيضا جزءا كبيرا من نسيجهم الإجتماعي، وفقد البعض منهم إنسانيته. فقدوا أي ميزان للقوة في المواجهة الميدانية. مات القسم الأكبر من جيل النكبة، وأتي جيل المعاناة من النكبة الممتدة. فلماذا تظنون أنهم لا يزالون يقاومون بدمهم وحريتهم؟ هل هم على غرار ليبرمان ونتنياهو يبحثون عن البطولة؟ إنهم ليسوا أبطالا مجانيين على غرار أولئك يقامرون بدماء غيرهم. إنهم يقاومون بأفدح ثمن يمكن أن يدفعه مقاوم. لماذا؟

أنتم مجتمع متطور وصاحب تجربة شمولية، وتستطيعون أن تدركوا الجواب. لا يوجد في جعبة العقل الطبيعي قانون يلغي الأمومة. ولا يوجد في جعبته أيضا قانون يحقق الأمومة المفتعلة. والفلسطينيون ليسوا شعبا غامض الهوية. إنكم حتى اليوم، وربما بعد عشرة ألاف سنة مرغمون على أكل الخيار والبنادورة التي تنبت من تراب الفلاح الكنعاني. لن تشموا زهرة واحدة لم تنبت من جسد فلاحة فلسطينية. فلم هذه المكابرة!

لم يعد بفضل الصهيونية، والمجرمين السلاليين للمحافظين الجدد في أمريكا، قانون واحد ملزم للعلاقات البشرية. ويهودية هذه البلاد نبتة وهمية لن تنبت تينا ولا برتقالا ولا عنبا. لن تنبت حتى أفرسيمون أو كيوي أو أفوكادو. واختلال الوجدان البشري، لم يفد في العراق وأفغانستان سوى الدمار والخراب والدم. لن يصنع أحد التاريخ خارج التاريخ، أو في مطابخ الوهم.

لقد حكم علينا أن نلتقي في ملابسة مأساوية فريدة دبرها رأسالمال العالمي. وبعد تجربة عينية امتدت اثنين وستين عاما من المعاناة، كان المنطق يقول أن الأمور يجب أن تأخذ منحى نحو الخروج من الورطة المشتركة، لا نحو آفاق الغيبية والعنصرية وأوهام القوة المستبيحة وتعميق التورط. إن المحافظين الجدد لديكم، وحكماء ما بعد الصهيونية، يتجاوزون حدود ما تسمح به القوة إلى حدود ما تسمح به الألوهية، أو حدود ما يريده ليبرمان الأقل تواضعا من الآلهة. هذا يعني أن على الفلسطينيين كلهم أن يصبحوا مسلمين أو عملاء مباشرين للصهيونية. وهذا لن يحدث. والتهويد تصعيد ديني وقومي مجاني للورطة لا لزوم له عمليا أو تاريخيا.

هذه المرة الأولى التي يصادف فيها العقل عصا بطرف واحد. إذا اعترفنا بيهودية فلسطين، وليس إسرائيل كما يظن مفكرونا الموهبون مثل عزمي بشارة، فقد خسرنا حقوق المواطنة بالقانون، وإذا لم نعترف خسرناها بالقانون أيضا. لذلك لا ضرورة للتوقيع. وماذا يعني بالنسبة لنا ما تسمونه حقوق المواطنة؟ أية حقوق؟ لعلكم تعنون ( حقوق المواطنة للعرب )؟ طز، أيها الزملاء المواطنون! متى كانت الحقوق الممنوحة لنا مصدرا لغير التعاسة والإهانة! خذوها واعتبرونا سجناء قيد الترحيل. فنحن نعرف أن هذا هو الهدف النهائي من القانون، وأن ما سيأتي أسوأ مما يحدث الأن؟ فالنتيجة واحدة بالنسبة لنا ولكم. حتى الحقوق التي دفعنا ثمنها من عملنا كالتأمينات، تقول أن المريض العربي مصيره مجهول يتعلق ” بكبسولة ” الموظف العنصرية المتعامل معها. وهكذا بالنسبة للتأمينات الأخرى. أعيدوا لنا ما دفعناه ولا نريد تأمينات خاسرة بالنسبة لنا، يستفيد منها غيرنا. فما هذا الهراء الذي تدبرونه بطريقة ملتوية؟

أطردونا من بيوتنا، وسنقاوم ونفشل. وينتهي الأمر، ولكن هل تنتهي الورطة! هذا كلام مباشر وبسيط وربما ساذج أيضا. ولكن الحقيقة هكذا دائما. مباشرة وبسيطة وساذجة. الأمر الذي يحتاج إلى مناورة وتلاعب وفذلكة هو الكذب. ونحن لا نكذب. لم يتضرر أحد من كذبة المواطنة كما تضررنا نحن. كلفنا ذلك حتى الآن أكثر من مائة عضو كنيست عربي، فقدوا صلاحيتهم الفلسطينية. وكلفتنا التنعم الدستوري بالقوانين العنصرية وقوانين نهب الأراضي. وكلفتنا مفكر قومي يفكر في قطر بعد تحويله ليبراليا. كلفتنا بناء تل أبيب وغيرها بأقل من نصف الثمن. كلفتنا دما أيضا. نحن لا نريد مواطنة ممنوحة في وطننا. نريد أن نبقى فيه ولو سجناء.

وهناك مشكلة إضافية! المطلوب الإعتراف بيهودية ” إسرائيل “. ولكن ما هو المضمون الجغرافي لهذا المصطلح؟ إسرائيل تسمية تساوي يهوديا بلدان المشرق العربي كلها. فكيف يحق لنا دستوريا كمواطنين إسرائيليين التوقيع على يهودية كل فلسطين والأردن والعراق وسوريا ومصر أو أجزاء منها؟ وإذا قامت إسرائيل الكبرى باحتلال قرغيزيا وضمها إلى إسرائيل فستصبح تلقائيا أرضا يهودية. فهل نساهم في تهويد قرغيزيا أيضا وهي ليست جزءا من إسرائيل التوراتية. نحن قانونيا ودينيا مخولون بالتوقيع على يهودية فلسطين، فكيف نكون مخولين بالتوقيع على يهودية قرغيزيا؟ ضميرنا لا يسمح لنا بالتوقيع على يهودية إسرائيل لهذا السبب!

إن تورطكم في التاريخ الصهيوني، لن يخرجكم منه ليبرمان أو براك أو نتنياهو. إنهم تورط إضافي في ما بعد الصهيونية. الذي يخرجكم ويخرجنا من الورطة، هو اندماجنا في دولة فلسطينية، يمنحكم ويمنحنا فيه الشعب الفلسطيني حق المواطنة الكاملة.