لماذا يجب أن ندفن أنكيدو (الحلقة الرابعة)، عادل سمارة

مؤتمر التمويل الدولي، التنمية وتشكيل الحيز الفلسطيني.

(مركز دراسات التنمية/جامعة بير زيت، 27-28 أيلول 2010)

عادل سمارة

· الاقتصاد السياسي لتمفصل أنماط بلا إنتاج!

وصلنا في نهاية الحلقة السابقة إلى أهمية تجريد الفلاحين من الأرض في تحولات التشكيلات من هيمنة نمط إنتاج إلة هيمنة نط آخر، وتحديداً هيمنة نمط الإنتاج الراسمالي التي تسوجب تجريد الفلاحين من الارض..

ولكن في حالة الأرض المحتلة يحصل تجريد الشعب من الوطن. هذا ما يجعل نحت تسمية لنمط الإنتاج المهيمن وحتى لطبيعة التمفصل أمراً شاقاً وفي أفضل الأحوال أمراً مركَّباً.

ماذا يحصل في أوسلو- ستان؟ لم يتم نقل الفلاحين إلى مناجم ولا إلى زراعات موسعة كبرى رأسمالية الملكية، ولم تتم برتلة صناعية. حالة هجينة إذن هي التي حصلت. ما بين 1967-1993، تم إلحاق/تتبيع قطاعات اقتصاد الضفة والقطاع باقتصاد العدو وتم دمج الأسواق. وهنا الفارق الكبير بمعنى أن الاحتلال اختار الأكثر أربحية له والأقل كلفة من حيث احتمال التأثير على بنيته الاقتصادية في المستقبل أي تتبيع القطاعات وليس دمجها، مقابل دمج السوق لأن هذا الأفضل للتبادل اللامتكافىء ولا سيما المسلَّح. وتمت بالطبع مصادرة الأرض وتحويل إنتاج المحاصيل بما يتطابق مع مقتضيات ومتطلبات والتزامات اقتصاد العدو. وتم في هذا السياق كذلك إلحاق شرائح وطبقات اجتماعية بالاحتلال. فقد تم تبديل الكمبرادور/والتجار من عهد الأردن بشريحة كمبرادور جديدة وبلورة شريحة التعاقد من الباطن. وتحولت شريحة راس المال ذي النزعة الإنتاجية إلى وكلاء لخردوات المصانع الصهيونية التي غادرت طبقتها/شريحتها هذا القطاع الصناعي الكلاسيكي إلى صناعات أرقى. وحتى في الريف، فقد تبلورت شريحة العمال الفنيين الذين عملوا داخل الخط الأخضر لينتقل وضعها الطبقي لما هو أعلى من وضع الفلاحين المتوسطين وحتى أعلى قليلا مما خلخل هيمنة عائلات فلاحية ذات “نسب” على بقية القرية! فأخذ الجدد في التحدي لتكون لهم وجاهة القرية/القرى. هل هذا خليط بين إعادة الهندسة المجتمعية والتحول الاجتماعي؟

هذا إلى جانب استيعاب فائض قوة العمل من الريف، وممن كانوا قد تركوا/أو جُرِّدوا من الأرض وعملوا في مواقع إنتاج الاحتلال، وكذلك من طُردوا من الكويت بعد استعادة العراق له 1990، تم استيعاب كل هؤلاء في جهاز بيروقرطي ضخم مدنيا وأمنياً. وهذا لا يعبر عن تحول اجتماعي بالقطع. فهو جوهرياً عملية اقتصادية بسيطة فحواها تشكيل سلطة بيروقراطية هي قيادة م.ت.ف تعمل إدارياً بتمويل خارجي (سيولة مالية) وتوظف أعداداً كبيرة، تقوم هذه في نهاية كل شهر بتشغيل السوق لتبدأ قمة التحريك مع أول الشهر وتموت مع نهايته وهكذا. هل هذه أكثر من بنية طفيلية لعدة طبقات؟ وهي طفيلية مختلفة عن الدارج عالمياً بمعنى أن الطفيلية في بلد رخو مثل لبنان أو مصرـ تعيش الطبقة الطفيلية على فوائض إنتاج الطبقات الأخرى أو على الريوع المحلية في الغالب أو جزئياً من دور وظيفي لها لصالح المركز الرأسمالي المعولم. أما في الحالة الفلسطينية، فالأمر مختلف حيث تعيش مراتبية طبقية على ريع مالي يُهدف بضخه أو تحويله التوصل إلى انتزاع تنازلات سياسية وطنية. ألا تستحق هذا العلاقات والحراك الطبقي بحثا في مؤتمر عن التنمية[1]؟

وللمقارنة أيضاً، فإن تغلغل الإمبريالية في المحيط يأخذ اشكالا اقتصادية سياسية إيديولوجية لتأكيد هيمنة وسيطرة نمط الإنتاج الرأسمالي وبالطبع هيمنته الثقافية كذلك. كما يخلق الشكل المقيد واللامتكافىء للتطور الاقتصادي إلى جانب ضماناته الإيديولوجية والسياسية. وهذا يحصل كذلك في أوسلو-ستان ولكن على نطاق أشد خطورة بمعنى تحول طبقات وشرائح بأجمعها إلى ثقافة الاستهلاك، تقاسم الوطن مع العدو على اساس التساقط السياسي Trickle-down، بروز شرائح تعمل للأنجزة وتتمول كمثقفين ومتعلمين من الأجنبي الذي يحولهم/ن إلى فرق تخريب ثقافي تحت أغطية ووجاهة الأكاديميا!

في أية تشكيلة اجتماعية اقتصادية يحدد نمط الانتاج كل من الاستهلاك والتوزيع والتبادل المتعلقة به والعلاقة ما بين هذه جميعا. كما يتحدد الانتاج بدوره بمختلف هذه المستويات اي في عملية تغذية متبادلة. ولكن هنا في أوسلو-ستان المعادلة مقلوبة او مكسورة/ناقصة بمعنى أن الحلقة المركزية اي الإنتاج ضعيفة وتضعف وتتلاشى! وعليه، فإن معظم الاستهلاك والتوزيع والتبادل تتم خارج العملية الإنتاجية المحلية، تتم بضخ اموال من الخارج في شرايين الاقتصاد. هل هذا اقتصاد طفيلي أم ارتزاقي؟

يحيلنا هذا التشوه على مسألة أخرى. فإلى جانب كل ما ذكر، يهتم نمط الانتاج بالتنظير لتاريخه أو يتمظهر تاريخه في تطوراته ونقصد هنا نَسَبه Genealogy التاريخي أي نَسَبَه التاريخي وهو التأثير الموجود كنتيجة لإعادة إنتاج بنية نمط الانتاج التي يمكن تسميتها ديناميته. فتطورات تاريخ نمط الإنتاج الراسمالي تكمن اساساً في الميركنتيلية، ومن ثم في الانتقال إلى العمل المأجور وتجريد مالكي وسائل الإنتاج من وسائلهم. ويمكننا دفع نَسَب نمط الإنتاج الرأسمالي هذا إلى حقبة العولمة الحالية، بمعنى أن تخليص أو بزل فائض القيمة من العمل المأجور لم يعد على نطاق الوحدة القومية/الدولة بل اصبح على صعيد عالمي. هذا النسب هام لأنه يحمل على أكتافه طبقات اجتماعية تتحالف وتتصارع على المصالح المادية.

اين نصل في التحليل الأخير من هذه السلسلة؟ أو ماذا نريد؟ نريد الإيضاح بأن نمط الإنتاج معني في النهاية بإعادة إنتاج نفسه، اي الطبقة/ات التي تُكوِّن البنية الاجتماعية الاقتصادية لنمط الإنتاج في العملية الإنتاجية التي تشتمل على الاستغلال/الصراع الطبقي والاغتراب، هي التي تعيد إنتاج نفسها وتحاول ذلك دوماً عبر تجسيد وتابيد علاقات الإنتاج التي هي لصالحها، تأبيدها ما أمكن بالطبع.

بل تحاول كل طبقة أو تعمل على إعادة إنتاج نفسها البرجوازية من خلال تحقيق الربح المتطلع إلى اللامحدودية وبعلاقات الإنتاج التي تسخرها لصالحها، والطبقة العاملة/الطبقات الشعبية التي تعيد إنتاج نفسها عبر أجر الكفاف، تحسين الأجور، الفوردية…الخ وبغض النظر عن موقفها (وعيها السياسي كطبقة أو غياب هذا الوعي لتكون طبقة في ذاتها) لعلاقات الإنتاج.

أما التغيير فيكون عبر انكسار عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج وهي التي لا تتحق بشكل فعلي بدون العامل السياسي، اي الوعي السياسي للطبقة الواحدة نفسها حتى تكون جاهزة لتسمية طبقة. وإعادة إنتاج الطبقة لذاتها عبر إعادة إنتاج النمط لذاته لا يتم عمليا إلا في وعبر الإقتصاد الحقيقي وهذا ما كشفت عنه الأزمة المالية الحالية حيث تَبدَّى جوهرها في الاقتصاد الحقيقي على الأرض، بطالة، عشرات الملايين في الشوارع ملايين المنازل مغلقة والعشب يخيم على ابوابها[2].

مرة أخرى ماذا عن هنا؟ هل يعيد النمط إنتاج ذاته؟ هل هناك نمط إنتاج حقيقي؟ أم هناك نمطاً من الحقن المالية التي تُبقي على الاقتصاد مشتغلاً اعتماداً على آليات الدعم Supporting Machine?، أي كما أشرنا أعلاه، اقتصاد اضعف حلقة فيه هي الحلقة الأساسية أي الإنتاج!. يفيدنا الحديث هنا عن نفاق موظفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهم يمدحون رئيس وزراء الحكم الذاتي سلام فياض بطريقة أكثر ابتذالاً مما يفعل مثقفوا التطبيع المحلي المعتاشين منه. ما الذي يدفع موظفين دوليين لمديح رجل يتمول من مؤسساتهم، ولا يمولهم كما هو حال “مدَّاحي سيدهم”؟ إنه مشروع إعادة هندسة المواطنين ليروا مصيرهم في “نعيم النمو” وليس في عطاء المقاومة. يقول، موظفو البنك الدولي في تقريرهم لأيلول 2010:

” إن النمو في الضفة والقطاع (أوسلو-ستان -من: ع.س) وصل 8 بالمئة وأن معظمه من المساعدات الدولية! وأن النمو الحقيقي في غزة وصل 5,4 بالمئة وأن سبب هذا المساعدات الإنسانية والنشاط العالي للأنفاق رغم الحصار الإسرائيلي. ويرد التقرير ذلك النمو إلى المساعدات الخارجية التي تجلت في زيادة الإنفاق الحكومي وكانت حصة الأسد فيها للأجهزة الإدارية والأمنية (يسميها التقرير – الدفاع) وإذا اضيفت لها الصحة وخدمات التعليم يصل النمو فيها في الربع الأول من هذا العام إلى الثلث، كما وصل النمو في قطاعات البناء والوساطات المالية وتجارة الجملة والمفرق إلى 19، و 22 و8 بالمئة على التوالي، في حين أن النمو التصنيعي لم يتعدى 3 بالمئة وبقي أدنى من القمة التي وصل إليها عام 1999. وتشير التقديرات الأولية إلى أن قطاع الزراعة نما بنسبة 20 بالمئة ولكن بما أن مساهمته في الإنتاج الأهلي الإجمالي لم تتعدى 5 بالمئة فإن زيادته هذه هامشية التأثير…والمهم أن الإنفاق الحكومي هو القوة القائدة للنمو الذي يقود لزيادة الاستهلاك الذي يقود بدوره التجارة والخدمات والبناء”[3].

تجدر الإشارة هنا إلى ان النمو في الكيان الصهيوني الإشكنازي بلغ 5,1% عام 2006 اي عام العدوان على لبنان، عام حرب. فأية ظاهرة غريبة هذه أن يزداد النمو في غزة اثناء الحصار وفي الكيان اثناء الحرب. لعل المشترك هو التدفق المالي من الخارج، ففي الكيان لم تتوقف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر وخاصة منذ 1991 وحتى اليوم لتزيد عن 120 مليار دولار، أما المنح للحكم الذاتي فكانت ضخمة بمعيار صغر حجم وقلة إنتاجية أوسلو-ستان وليس بمعيار حجم الدفوقات بالمقارنة مع الدفوقات للكيان، فكان دعم الميزانية لعام 2008 هو 1,8 مليار دولار وفي 2009 هو 1,4 مليار دولار. هذا مع ضرورة التنبه إلى معنى النمو، فيمكن أن يكون نموا ما بنسبة 70 بالمئة في اقتصاد سنته الأساس تقارب الصفر مما يجعل الزيادة من اية حقنة ذات نسبة فلكية. هذا بالطبع دون أن نثير اسئلة حول توزيع المنح ومدى الفساد الذي يعتورها.

يبقى القول، أن كافة هذه النسب سواء بالموجب أو بالسالب تدفق من الاستثمار الأجنبي المباشر أو /و غير المباشر، بمعنى أن الأهم هو قرائتها من مقترب الاقتصاد السياسي، اي دور الإنتاج، المصالح الطبقية، كيفية توزيع الفائض، وباختصار، ما هو المبنى الاجتماعي لتراكم The Social Structure of Accumulationالقائم على هذه البنية الاقتصادية؟ وما مصير الفائض هل يُستثمر محليا أم ينزف إلى الخارج؟ وهل يسمح المانحون بتوسيع الاستثمار؟ هل تسمح الأنجزة بذلك؟ أم يفتح المانحون والأنجزة منافذ بطريقتهم وحسب مصالحهم لما يُحولونه من أموال، وما موقع الاحتلال الاستيطاني الاستعماري من مسألة الاستهلاك وانفتاح السوق المحلي…؟. وباختصار، يجب أن لا يكون تدريس الاقتصاد للطلبة حول النسب والأرقام بل توظيف هذه في قراءة العلاقات الطبقية. هذا ما لم نجده في أوراق كثيرة للمؤتمر!


سألت صديقاً هذا السؤال نفسه. فأجاب، نحن طرحنا الموضوع، ولكن هذه ثروة البلاد وهذا ما اتانا. فقلت: نعم يا صديقي هذا صحيحاً[1]

[2] كنت في العام الماضي في هكذا ايام في الولايات المتحدة، رأيت هذه البيوت فتذكرت أغنية فيروز: (لا تندهي ما في حدا، عتمة وطريق وطير طاير ع الهدا). هناك في ذلك الغرب الأبيض اللئيم سادني حزن شرقي، هذا هو الشعور الأممي لمن أراد أن يتذوقه!

[3] The Underpinnings of the Future of Palestinian State: Sustainable Growth and Institutions.

Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee September 21, 2010.