التيار الصدري بين الحس الطائفي ونقيضه!

جمال محمد تقي

لم يكن التيار الصدري الذي بزغ نجمه بعد احتلال العراق، من طينة الاحزاب والمنظمات والحركات السياسية المهاجرة، والتي دخلت العراق بحماية المحتلين، وتحت لواء تحرير العراق، وبرمجته بعملية سياسية مرسومة اجندتها سلفا في مؤتمرات المعارضة العراقية التي استوطنت الخارج والممولة اصلا من الدوائر الامريكية المسؤولة عن عولمة المشروع الامبراطوري الامريكي، والداعية لفرضه فرضا ان اقتضت الضرورة .

كان التيار الصدري عنوانا تعبويا للمسحوقين والمعدمين من سكان حواشي بغداد ” مدينة الثورة والشعلة والحرية ” والعديد من المدن المهملة في جنوب العراق، اي لم يتلوث التيار بجرثومة التقاسم المكوناتي التي جاءت بها احزاب الخارج، ولم يكن متعاطيا مع مشروع فدرلة العراق، الذي هندس امريكيا ليناسب المقاسات الطائفية والاثنية المدغمة في المكون الوطني العراقي، ولم يكن من طينة تلك المنظمات والاحزاب الشيعية التي ترعرعت في احضان ايران ” حزب الدعوة والمجلس الاسلامي ومنظمة بدر” والتي كانت لا تتحرك باي اتجاه كان الا اذا اذنت لها المخابرات الايرانية، والا اذا انسجمت اهداف تحركاتها تلك مع فلسفة ولاية الفقيه في ايران .

جاءت انطلاقة التيار الصدري كرد فعل تلقائي برايات وطنية وشعبوية، على الاحتلال وما ترتب عليه من تدمير لكل مؤسسات الدولة العراقية، فدخل منذ اللحظة الاولى بتصادمات عنيفة مع القوات الغازية ومع من روج للتخادم معها، ونستطيع ان نضع ما حدث لعبد المجيد الخوئي ضمن هذا الاعتبار، بنفس الوقت الذي نضع فيه جهود رموز التيار لايقاف عمليات السلب والنهب التي وقعت في بغداد بعيد احتلالها من قبل القوات الامريكية في السياق نفسه، والذي اتسق تماما مع دعوات هيئة علماء المسلمين ومع تعبئتها للناس باتجاه مقاومة الغزاة وعدم الانجرار الى حيلهم التي كانت تريد اظهار العراقيين وكانهم غير معنيين بالاحتلال نفسه، وانما هم معنيين بالثأر من دولتهم التي يجب ان تكون غنيمة مستباحة لكل قادر، وفي تلك الحالة فان المحتل هو القادر الاكبر الذي لا يمنع عن الناس فتات من بقايا تلك الدولة التي اطاح بها!

لم يدخل التيار الصدري مجلس الحكم، ولم يعترف به اصلا، ووقف مع اهالي الفلوجة في انتفاضتهم ومعاركهم مع المحتلين، مثلما وقف كل اهالي الانبار والموصل وديالى والبصرة مع انتفاضة النجف والصدريين الذين اشعلوها نارا بوجه الغزاة، كان التماثل الذي شكله ثنائي التيار وهيئة علماء المسلمين انموذجا للحمة الوطنية وكان كارثة على المشروع الطائفي والفدرلة التقسيمية التي جاء بها المحتلون واعوانهم، ومن هذا المنطلق حورب التيار وجرت عليه ضغوطات ومحاصرات متعددة ساهمت بها المرجعيات والاحزاب الطائفية وميليشياتها اضافة الى القوات الحكومية المؤتمرة بامرة المحتلين .

كانت محاولات احتواء التيار طائفيا من خلال قصقصة اجنحته وترويضه سياسيا وايديولوجيا، والتحايل على منطلقاته والاستفادة من قلة خبرة قادته، قد فشلت في القضاء على جذوته، لكنها نالت من حصانته وزرعت في داخله بذور التشرنق والانعزال الطائفي، فدخل التيار العملية السياسية وشارك بالانتخابات العامة الاولى، ودخل ممثلوه وزارة المالكي، التي وقعت مع المحتلين المعاهدة الامنية طويلة الامد مع اتفاقية اطارية للشراكة الدائمة، وهنا حاول الصدريون تمييز انفسهم عن باقي المتعاملين مع العملية السياسية التي يرعاها المحتل الامريكي، فاعلنوا في البرلمان رفضهم القاطع للمعاهدة وبنودها، وحاولوا الجمع بين الرقص على حبال المقاومة من جهة، ومن جهة اخرى على حبال المشاركة في العملية السياسية، ولم يكونوا منسجمين مع شعاراتهم في كلتا الحالتين، وساهموا في تشتيت القوى وترجيح كفة الطائفيين على حكم البلاد، والملفت ان هناك انعطافة باتجاه ايران قد تكرست لدى قيادات التيار منذ ان تشكل المجلس السياسي للقوى الشيعية الذي كان عرابه احمد الجلبي، ولم ينتبه التيار وقتها الى حقيقة ما يجري من تمهيدات معقدة لاصطفافات طائفية عميقة في غالبية المدن العراقية، بل ولم يحصن نفسه من الانغماس بها، فقد توجت تلك المساعي بالتفجيرات التهيجية لمراقد الائمة في سامراء وما تلاها من تداعيات دموية متعمدة وردود افعال كارثية .

منذ اكثر من سنتين وزعيم التيار يتنقل بين ايران والعراق، ومع تلك التنقلات تتزايد حمى الانعطافة الطائفية، فالتيار دخل في التحالف الوطني الذي يقوده عمار الحكيم، واخذ يتعامل مع جمهوره تعاملا مقفلا يعتبر الطائفة هي الهوية الاولى واتباع الحوزة الناطقة هم الاكثر قدرة على تمثيلهم .

الان يقلب التيار صفحة محاسبة المالكي، على ذنوب فترة حكمه المليئة بالدماء والفساد والسجون والتجاوزات والتبعية، الى صفحة التحالف معه ودعمه كاستجابة لضغوطات المرجعيات من خارج الحدود، بدعوى المصلحة العامة!

الان يتسائل الصدريون الاصلاء اين هي المباديء التي ضحى من اجلها الالاف منهم ؟ لماذا وبكل بساطة ينقلب التيار الصدري من حركة شعبية مقاومة للاحتلال وتداعياته، ومن داعية لتوحيد العراقيين باتجاه طرد المحتلين واقامة نظام وطني دستوري، الى حزب سياسي لا يختلف بجوهر سياسته عن اي حزب طائفي من احزاب السلطة في العراق ؟ ماذا حقق التيار لجمهوره غير الحاق الاذى بالاهداف الوطنية والمطلبية المستحقة لذلك الجمهور؟ الم يكن باستطاعة التيار سلوك طريق التحالفات الوطنية المقاومة التي لا تستجيب لطعم السلطة ونوازعها من اجل تحقيق كامل الاهداف الوطنية والشرعية، التي ستساهم حتما بسد طريق الذرائع على دعاة التقسيم والفدرلة ؟

متى كانت ايران حريصة على وحدة واستقرار وتقدم العراق، حتى لا ترد مطالبها المتدخلة بالشأن العراقي بالطول والعرض ؟