مراجعة كتاب: “أثر فقدان الأب في مفهوم الذات لدى الطلبة الفلسطينيين والتوافق المدرسي والتحصيل الدراسي”

تأليف: عدوية السوالمة

مراجعة: احلام الترك

(يحتاج الطفل كي ينمو بصورة متناغمة إلى جو عائلي مدموغ بالعطف والأمان والاستقرار الذي يخلّفه الوالدان المتّحدان) عبارة تختصر جهد أغلب الأبحاث النفسية التربوية، التي تؤكد أيضاً على أن وجود الأب عامل مهم للحدّ من تدنّي مفهوم الذات الأكاديمي لدى الطلبة. ففقد الأب يُشكِّل متغيِّراً كبيراً في المحيط العائلي لا يقتصر تأثيره على الناحية الوجدانية في حياة الطفل، بل يتجاوزها للتأثير على المسار السويِّ لنموه. لهذا نلحظ تزايداً بالاهتمام بالطفل عالمياً، مثلما نسمع تعالي الأصوات المطالبة بحمايته. مع ذلك فالطفل الفلسطيني كأنه خارج سرب هؤلاء الأطفال، على الرغم من العدد الكبير الذي يشكله قطاع الأطفال بالنسبة لعدد سكان المجتمع الفلسطيني، إذ تبلغ النسبة «55%» ولأنهم الأمل والمستقبل، فقد استهدفهم الاحتلال الإسرائيلي من خلال إجراءات لا بد أن تنعكس سلباً عليهم، مثل: «هدم المنازل، قصف مراكز الألعاب والمدارس، منع التجول الذي يدوم أياماً، قتل زملائهم بالدراسة أو قتل أقاربهم وإخوتهم وآبائهم، اقتياد الأشخاص المهمين عاطفياً في حياة الطفل إلى المعتقل، مع تعمُّد ممارسة العنف والإذلال أمام أعين الأطفال».

محنة الاحتلال هذه أفرزت أنواعاً من المعاناة، أهمها لدى الطفل الفلسطيني، فقدان الأب «بالاستشهاد أو الأسر أو بظروف عادية» وما يمكن أن يشكله من تأثيرات نفسية بعيدة المدى، يمكن الحدُّ منها، بعد إدراكها وفهمها عبر البحث والدراسة.

بحث ميداني في مدارس غزة


هذا ما حدا بالباحثة «عدوية السوالمة» لإعداد دراسة مستفيضة لمناقشة أوضاع الأطفال والمراهقين الفلسطينيين، في العمر بين (10 ـ 15) سنة للمرحلتين الابتدائية والإعدادية في «مدارس غزة» بغية استكشاف العلاقة بين مفهوم الذات العلمي أو الأكاديمي لهؤلاء الطلبة وأزمة فقدان الأب، ولتبيان انعكاس هذه الأزمة على المسيرة التعليمية.
وقد أتخمت البحث بالمراجع وبعرض الكثير من النظريات العلمية والبحوث المقاربة لعنوان بحثها والسابقة عليه، وتأتي أهمية البحث (الكتاب) إضافة لكونه ميدانياً، وهذا قليل في مكتبتنا العربية، مثلما التأليف في مجال التربية والتعليم قياساً بالدراسات الأخرى. وفي أنه يُقدّم إجابات عمَّا نستوضح عنه دوماً، وهو حال أطفال غزة المحاصرة اليوم.

مفاهيم ومصطلحات


ورد في معجم المصطلحات التربوية أن (مفهوم الذات) اصطلاح يستخدم في وصف الصورة التي يعرفها الشخص عن نفسه بمعانٍ بسيطة، وقد فسّر هذا المفهوم علماء نفس كثر، واندرج ذلك ضمن نظريات وتعريفات، منها: أنه تنشأ للفرد عدّة ذوات مكتسبة من مختلف الجماعات التي ينتمي إليها، فتنشأ ذات عائلية لديه تعكس اتجاهات أسرته، وذات مدرسية تعكس اتجاهات معلّميه وزملائه، وهكذا فالذات تتكوّن من مجموع الخبرات المتعدّدة في حياة الطفل. أما (التوافق المدرسي) فهو تلاؤم الطالب مع ما تتطلّبه المؤسسة التربوية من استعداد لتقبّل القيم والمعارف التي تعمل على تطويرها لدى الطلاب، وتحقيق التلاؤم بين الطالب والبيئة المدرسية.
أما مدى استيعاب الطالب للمعارف والخبرات المقترحة ضمن برنامج دراسي معيّن فهو ما ندعوه بـ ( مفهوم التحصيل الدراسي).

متغيّرات ونتائج

ـ طُبِّق البحث الذي شمله الكتاب في «370» صفحة، في العام الدراسي (2004 ـ 2005) حيث عدد طلاب ( مدارس غزة) الابتدائية والإعدادية (349427)انتقت منهم الباحثة عيّنة الدراسة المؤلّفة من(330)طالباً وطالبة، وقد استندت إلى مقاييس واستبيانات عالمية قاربتها بما يصلح ووضع المدارس والتعليم في غزة، وقد وزّعت العيّنة وفقا لستة متغيّرات، لها التأثير المباشر على العملية التعليمية والتحصيل الدراسي للطلبة.

1ـ متغيّر فقد الأب: شكّلت حالة الاستشهاد (38%)النسبة الأعلى من إجمالي العيّنة. ونعلم أن متغيّر فقد الأب قد نوقش على أنه عامل محبط ومهدد كبير للأنا، لكنه في هذه الدراسة، لوحظ أنه عامل حفز للطلبة في حالة فقد الأب بالاستشهاد(كنتيجة للتثمينات الاجتماعية والدينية للشهادة) مما يوقظ قوة خلاّقة عند الطلبة تدفعهم باتجاه التفوق؛(ص/311).

2ـ متغيّر الجنس: فاق عدد الإناث (221) الذكور في العيّنة، وقد عكس هذا انشغال الذكور بفعاليات أكثر إثارة، كالمشاركة في مقارعة جنود الاحتلال. في حين تمكّنت الإناث من تطوير أداء أكاديمي أرفع مستوى من أداء الذكور، ويرجع ذلك إلى أن الإناث في ظروف الاحتلال هذه يلزمن المنازل تفادياً للتداعيات السلبية للخروج، ويجدن في الدراسة ملاذهنّ؛(345).

3ـ متغيّر السكن: زاد فيه عدد الطلبة ساكني المخيمات (182)على ساكني المدن، وبالدراسة تبيّن أنه متغيّر حيادي فسّرته الباحثة برغبة الطلبة الفلسطينيين في تركيز جهودهم على الدراسة كآلية لمقاومة القلق؛(322).

4ـ متغيّر العمر: نقص عدد الطلاب من سن(13-15) في حين زاد عدد الصغار، وأرجعت الباحثة ذلك إلى تسرّب الإناث بسبب الزواج المبكّر، والذكور للانخراط المبكّر في سوق العمل.

5ـ متغيّر مستوى الأم التعليمي: شكّلت الأمّهات اللواتي لديهنّ شهادة محو الأمية النسبة الأعلى (98) مقابل (68) شهادة جامعية، وتقاربت باقي النسب في التعليم المتوسط، وأشار البحث إلى أنه كلّما ارتقت الأم في السلّم التعليمي، كان حظ الأبناء أوفر في النجاح الدراسي.

6ـ متغيّر التحصيل الدراسي: شكّلت نسبة الامتياز الرقم الأعلى (154)طالباً من العيّنة، وهي نسبة تعكس حرص الشعب الفلسطيني على تعليم أبنائه، على الرغم من انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتبنيّها شتى الممارسات التي تعيق المسيرة التعليمية.

:::::

المصدر: موقع “شرفات”

الرابط: http://www.shorufat.com/read.php?sid=2870&id=4