من يمثل فلسطينيي 1948؟

عادل سمارة

· مسودة دعوى ضد تبادل الأرض والسكان

· صفقة تحول من لم يلجأ إلى لاجىء

لست خبيراً في المسائل القانونية، ولا حتى في مبتدياتها. ولكن مسألة يهودية الدولة المطروحة من الكيان الصهيوني ليست مسألة قانونية، بل من الخطورة بمكان أن تُعالج من هذه الزاوية أو ان نقبل نحن بعرضها من هذه الزاوية. هي قضية حقوقية بالمفهوم العام والتاريخي والمستقبلي، وهي كقضية شعب لا تجزّأ مما لا يسمح للتجزئة الجغرافية التي حاقت بفلسطين في عامي 1948 و 1967 بأن تغير أو تؤثر على الحق العام للشعب الفلسطيني. وهذا يعني أن هناك يهودية السلطة وأن اي اعتراف بيهودية الدولة هو جوهريا اعتراف بيهودية السلطة التي هي يهودية منذ احتلال 1948.

أدى اغتصاب فلسطين عام 1948 إلى سيطرة يهود هذا الكيان الاستيطاني على السلطة السياسية في الجزء الأكبر من فلسطين بالقوة. ولكن السيطرة بالقوة على السلطة السياسية لا تعني تغيير ارتباط الأرض بأهلها الأصليين ولا تعني نقل ملكيتها على وجه الشيوع من أهلها إلى مغتصبيها. وهذا يقتضي التفريق بين السلطة بالمفهوم السياسي سواء تمت السيطرة عليها بالقوة أو بأي شكل آخر، وبين الوطن مجسدا في الأرض.

فالسلطة هي قوة إدارية تنظيمية لبقعة معينة بسُكان هذه البقعة ولكن هذا لا يجيز لها امتلاك الأرض نفسها كسلطة حتى لو من نفس المجتمع ومنتخبة ديمقراطياً، اي أن التحكم بالسلطة لا يعني امتلاك الوطن ولا التحكم بمصير الوطن.

التمثيل، خطورة المفاوضات وميوعة الصلاحيات

كما اشرنا، فإن وجود أو غياب سلطة سياسية لا يعني قطعياً أي تاثير على الوطن كوطن ولا على أن الوطن ملك لأهله على وجه الشيوع، ولا يحق لجزء منه كبيرا او صغيرا زعم امتلاكه وحده لهذا الوطن ولا بيع ما يملك بما هو جزء من وطن مملوك على وجه الشيوع.

عاش الشعب الفلسطيني بعد 1948 حالة من عدم توفر القيادة السياسية الفلسطينية المباشرة نظراً للتدمير الذي حاق بالجغرافيا والديمغرافيا والتركيب الطبقي والمبنى الاقتصادي…الخ للشعب. ولم يبق جامعاً له سوى الهدف الوطني السياسي مجسداً في التمسك بحق العودة. ويعني حق العودة ميدانياً ان يعود من طُردوا إلى بيوتهم وأملاكهم للعيش إلى جانب من بقوا من الفلسطينيين في وطنهم.

لقد لحق بالشتات السكاني شتات للمواطنة، سواء بفرض الجنسية عليهم في هذا البلد أو ذاك أو إعطائهم أوراقاً خاصة…الخ. إلا أن الجميع بقي أجزاء مفرقة من الشعب الفلسطيني بانتظار تحقيق حق العودة.

لقد انخرطت النخب السياسية الفلسطينية ما بين 1948-1965 في القوى السياسية العربية (البعث والقوميون العرب والأحزاب الشيوعية)، كما انتقل “تمثيلهم” سياسيا إلى عدة دول عربية.

ولذا، كان تشكيل منظمة التحرير محاولة من أجل لملمة الشتات التنظيمي السياسي للشعب الفلسطيني بغض النظر عن ملابسات وأهداف تشكيلها. ودرج عُرفاً أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. إلا أن أحداً لم يختبر ميدانياً هل كانت تمثل جميع الفلسطينيين وهل محضوها هذه الثقة.

لم يعترض اي تجمع فلسطيني على تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني لسببين:

الأول: لأن المنظمة كانت متقيدة بالميثاق وتمارس الكفاح المسلح، فجاء القرار الشعبي الضمني لكونها ممثلة للشعب مرتكزاً على أو نابع من دورها النضالي لتحرير فلسطين.

والثاني: لأن دور المنظمة بقي محصوراً ي النضال ولم يتم الوصول بهذا الدور إلى التعرض لامتحان أو اختبار تفصيلي كاتخاذ سياسات معينة قد لا تتطابق مع وربما تتناقض مع تمثيلها للشعب كله.

وحتى حينما طُرحت مسألة السلطة الوطنية 1973، كان تبريرها هو تشكيل سلطة على المناطق التي ستحرر من فلسطين، وهو ما لم يشكل اختباراً حقيقياً طالما لم يتحقق تحرير اي جزء.

أما حينما جرى توقيع اتفاق أوسلو المتضمن الاعتراف “بإسرائيل” مقابل اعتراف “إسرائيل” بمنظمة التحرير الفلسطينية فقد برزت عيوب كثيرة لم تتم عملية التصدي لها ومتابعتها.

فاعتراف “إسرائيل” بتمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني ظل عائمأ بمعنى أن التعريف الإسرائيلي لهذا التمثيل مقصود به تمثيل الفلسطينيين الذين في المناطق المحتلة 1967، بينما تفسير القيادة الفلسطينية فيشمل كذلك تمثيلهم لكل الفلسطينيين. وهنا نكرر ثانية أن المنظمة كانت:

· تمثل نضال الشعب الفلسطيني ولكنها لم تكن ولن تكون من خلال هذا التمثيل السياسي التنظيمي مالكة للوطن الفلسطيني.

· وليست متحكمة بالفلسطينيين كبشر أي ليس لها حق نقلهم من مكان إلى آخر.

ولأن مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني من قبل المنظمة كانت مجازية رمزية لم يتم الاعتراض كثيرا على اتفاق أوسلو بما احتواه من مناطق غامضة مثل تمثيل الفلسطينيين في المناطق المحتلة 1948 الذين كانوا يعتبرون المنظمة ممثلة وطنية سياسية لهم، لكنها تنازلت عن هذا التمثيل عملياً باتفاق أوسلو وإن لم يظهر هذا في النصوص والإعلانات والتصريحات السياسية.

هنا وقع المحظور الأشد خطورة، بمعنى أن المنظمة مجسدة في الحكم الذاتي أخذت تتصرف على اعتبار أن فلسطين هي الضفة والقطاع وأن إسرائيل دولة جارة، وهذا يعني عمليا:

· أن فلسطينيي 1948 ليسوا رعايا منظمة التحرير

· أن الأرض المحتلة 1948 هي إسرائيلية

وهذا يعني أن المنظمة حين اعترفت بإسرائيل وغادرت الكفاح المسلح، فهي قد نقضت العهد الضمني بينها وبين الشعب الفلسطيني مما يجعل اية اتفاقات قامت بها بعيدا عن التحرير والعودة، بما هما مصدر ما لديها من تخويل شعبي، اتفاقات غير شرعية من الناحية الشعبية.

وهذا يفتح على مسألتي المفاوضات من جهة ويهودية الدولة من جهة ثانية.

ففي حين أن المفاوض الفلسطيني يزعم أنه يمثل الشعب الفلسطيني، فهو يفتقر لأي تخويل من الشعب نفسه، كما أنه يستثمر بلا حق التفويض المعنوي اللامباشر الذي أُعطي للمنظمة حينما كانت تمارس الكفاح المسلح، الذي غادرته. وبكلمة أخرى، فإن المنظمة تمثل الشعب الفلسطيني طالما هي متمسكة بالتحرير والعودة.

وهذا يعني، وخاصة للجزء من الشعب الفلسطيني المتبقي في الوطن، أن المفاوضات بشأن تبادل الأرض والسكان غير شرعية ولا يحق لمنظمة التحرير التفاوض مع إسرائيل على هذا الأمر، وذلك ليس فقط لأن المنظمة لم تُخول من الشعب الفلسطيني للقيام بمثل هذه الصفقات بل ايضاً لأن حيازة سلطة سياسية لا يعني باي حال حيازة حق التحكم بالأرض والناسن اي بالأرض كوطن والناس كشعب.

إن تبادل الأرض والسكان حتى لو كانت له سوابق في القانون الدولي هو أمر يجب أن يخضع لإرادة الناس انفسهم في انتقالهم شخصياً، هذا مع العلم أن بإمكان ومن حق الشعوب الخروج على القانون الدولي حين يتناقض مع حقوقها لا سيما أن هذا القانون هو غالباً نتاج/ صياغة الدول الراسمالية الاستعمارية البيضاء وتعبير عن مصالحها. أما فيما يخص الوطن، فليس من حق أحد أن يتنازل عن حقه في الوطن الذي هو ملك على وجه الشيوع وخاصة في الحالة الفلسطينية حيث نتحدث عن وطن مغتصب، وليس عن أرض كأملاك خاصة لأشخاص من دول مستقلة ومستقرة.

إن تبادل الأرض والسكان كما هو مطروح في المفاوضات هو استكمال لتحويل بقية من لم يلجأوا كفلسطينيين إلى لاجئين، وهذا مشروع على طرف النقيض مع التفويض الشعبي غير المكتوب لمنظمة التحرير بأن تحول أو تعيد اللاجئين إلى وطنهم المغتصب.

لذا، وفي اقتراح مستعجل ويحتاج إلى دراسة وتأنٍ، فإن على الفلسطينيين داخل “إسرائيل” أن يقرروا ويعلنوا بوضوح:

أولاً:ان سلطة الاحتلال الصهيوني في المحتل من الوطن عام 1948 لا تمثلهم، وأن الجنسية الإسرائيلية التي يحملونها هي مفروضة عليهم، وأنهم وهم يحملونها فذلك لأنهم يرفضون الرحيل.

ثانياً: إن منظمة التحرير الفلسطينية تمثلهم بما هي مشروع التحرير والعودة وهذا قبول اختياري بالتمثيل وليس قبولا مفتوحاً الى الأبد بل محصوراً زمنياً في مدى استمرار المنظمة في مشروع التحرير والعودة.

ثالثاً: إن دخول دول الجامعة العربية في المفاوضات، كما هو حاصل حالياً، هوخطر إضافي ولذا على فلسطينيين 1948 أن يعلنوا أن هذه الدول لا تمثلهم كأنظمة رسمية، وأن انتمائهم العروبي لا علاقة له وليس محصورا في هذه الأنظمة.

لا بد من دراسة مخاطر مبادلة الأرض والسكان والتوجه إلى الأمم المتحدة بدعوى ترفض هذه الصفقات ومطالبتها بحمايتهم من هذا الخطر.

(رام الله مساء 12 اكتوبر 2010)