الدول النائمة والأمم “السائمة”

هذا المرَّة…السويد تقفز على عنق الذاكرة

د. ثابت عكاوي

نشر مؤخرا في هآرتس (الأرض بالعبرية) الصحيفة الصهيونية خبراً أن السويد موَّلت مشروعاً ثقافياً فلسطينيا- صهيونياً يتكون من جزئين/روايتين. الرواية الصهيونية تجاه فلسطين ورواية “فلسطينيين” تجاه فلسطين. أقول “فلسطينيين” لأنه في ظروف الهزيمة هناك “أنواعاً” من الفلسطينيين تعمتد على مدىً يمتد من الثرى إلى سدرة المنتهى اي من الاشتباك من أجل حق العودة [1]إلى الرغبة في الوطن البديل! وليس شرطاً الأردن، فربما كندا. والهدف من إعداد الدراسة/الروايتين تدريسها في المدارس، وقد يلحق ذلك منع تدريس كل ما كُتب سابقاً. وحينها سوف يتقيد بذلك الحكم الذاتي، ولن تتقيد مدارس الكيان، لأسباب عدة أهمها: أن الكيان له اليد الطولى طالما يتم التعامل معه كدولة معترف بها، بينما يجب التعاطي معه من جانبنا كمقاومة.

ولعل الأهم هو أن الكيان هو شبكة أحزاب جميعها صهيونية ولها رواية واحدة بغض النظر إن كتبها “راكاح” بالأحمر أو”إسرائيل بيتنا” بالأسود، وعليه ستواصل الأحزاب رواياتها وستمسح الرواية الفلسطينية التي ستأتي بالتأكيد مترددة، رخوة، لدنة ومساومة.

أما في جانبنا، فأين الحركة الحزبية التي تواجه حركتهم؟ أحزابنا العلمانية مشغولة بتوليد نهاية ثانية لكل شهر.

الخطورة في هذا المشروع كامنة في أنه يعترف بالكيان الصهيوني كشريك مالك لفلسطين! وهذا ينفي عن الفلسطينيين حقهم المؤكد في وطنهم. وطالما وصل الأمر إلى تقاسم الأرض، فلا بد أن يحوزها كلها القوي أو الغني أو المتغطرس. ولم لا طالما اصبحت الأرض والوطن تُثبَت أو تُنفى على طاولة للكتابة، وليس على فَلَتات السيوف! ناهيك أنه مشروع ممول من دولة عدوة!

تقاسم الرواية لم يأت عبثاً، أتى بعد تقاسم الأرض مع العدو. وصار لا مناص من تقاسم الذاكرة، وكل ما يتم تقاسمه لا بد أن ينتهي لصالح طرف طالما الطرفين نقيضين! وخطورة تقاسم الذاكرة قائمة ومنتصبة على حقيقة أخطر. هي تغذية كل فلسطيني قادم، إذا سمحت له التسوية بالحياة، تغذيته بفيروس قاتل : “أن هذا الوطن ليس لك! إن للآخر/العدو حصة فيه، وقد تكون الأكبر“. ربما هذا الفارق /الفالق بين التطبيع بشراء علبة لبن (شيمينت- دسم بالعبرية) وبين دحش حقنة ثقافية في الذهن. هذه خطورة الفكرة ليس لأنها لا تموت، بل لأنها تُحمل أو تُنقل من دهر إلى دهر.

وإذ أخط هذه الكلمات ليس ذو معنى أن تنفي وزارة التربية والتعليم ما ورد في “هآرتس” وتناقلته الشبكات العنكبوتية. فلم يكن حتى لفكرة كهذه أن تُتداول لولا وجود سوابق عديدة لها والأساس بينها اتفاق أوسلو. كان يجب على الوزارة في الحكم الذاتي أن تقول: بدأنا التحقيق في الأمر!

أما عن طبيعة هذه المحاولة، فعلينا أن نتذكر إحدى صيغ الاتفاقات الأمنية ومنها لجنة سرية لمواجهة التحريض الثقافي ضد الكيان، حيث استعمل الفلسطينيون فيها اسماء سرية “حركية_ واية حركة” مثلاُ صارت نادية صبحة، وصار خليل محمد، وصار جمعة تشارلي…الخ.

وهذا يطرح سؤالا: من هم “الباحثون/الرواة الفلسطينيون الذين قرروا كتابة رواية شعب وأمة هكذا على عاتقهم؟ لماذا لا يظهروا للملأ ولماذا لا يُعقد مؤتمر ثقافي سياسي يناقش الأمر ويواجههم؟ فربما يقنعونا، وسنقتنع عندها ولن نطلب منهم حصة من المال الذي أخذوا!

والسؤال الثاني هو لجامعة بيت لحم التي رعت هذا الإنجاز “البحث الرواياتي” إن حصل أن فعلت: لماذا تنوبون عنا وتمثلونا؟ روايتنا هي عشرة ملايين رواية. كل فلسطيني هو رواية. فهل يجوز ما فعلتموه حتى علمياً ولا نقول وطنياً؟ ما الذي يوقف الفلتان الأكاديمي هذه المرة، إن لم يكن هذا إن حصل “فلتاناً إخباريا تقاريرياً”.

والسؤال الأخير إلى الدول النائمة (والإسم نحته الزميل د. عادل سمارة)؟ دولة السويد. هل هذا ما ينقصنا؟ في العلن قامت السويد حتى الآن بعدوانين على شعبنا، هذا ما يعرفه كاتب هذه السطور: الأول قبل عامين تقريبا حين مولت مؤتمراً أُجري في جمعية إنعاش الأسرة في البيرة عن “أسر الشهداء بما هن – ثكالى”! وكان من السهولة بمكان قراءة المؤتمر على أنه: “أيتها النسوة والأطفال ها قد خسرتن/ ازواجكن بالاستشهاد! فماذا جنيتنَّ؟.

إن الساحة المغتصبة هكذا على الرصيف هي التي تسمح لدول كهذه “بُغاث الدول- السويد والنرويج والدنمارك” أن تقتحم كرامة نساء الاستشهاديين، هي التي سمحت لنفس السويد بأن تمول اقتحام الذاكرة.

بيت القصيد اليوم هو: أن أعداء هذا الشعب وقضيته وأمته لم يعودوا يُخفون نواياهم، ولم يعودوا يغطون على أدواتهم وعملائهم، ويبدو أنهم وصلوا حد ما قاله المتنبي:

“نامت نواطير مصر عن ثعالبها…. وقد بشمن وما تفنى االعناقيدُ

شبعوا مخبرين ثقافيين وأكاديميين وباحثين وصحفيين وساسة، فلو ضاع واحد/ة تفرز لهم المرحلة الوسخة فريقاً، فلماذا يهتمون بستر عورات أدواتهم؟. أصبحت الإخباريات البحثية والأكاديمية الصناعة التشغيلية الأساس في الأرض المحتلة. فلماذا لا تقوم الدول حتى النائمة بامتطاء السائمة؟


[1] أنظر كتاب عادل سمارة: “اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة”، منشورات مركز المشرق/العامل للدراست الثقافية والتنموية، رام الله 2000 وعن دار الكنوز الأدبية، بيروت 2001.