عن إعادة توطيننا واستيطانهم

العمران مع التطبيع تخريباً

عادل سمارة

سُئلت قبل بضعة ايام في مكالمة هاتفية من إذاعة جامعة بير زيت عن ما اسماه المذيع المدن الجديدة في الضفة الغربية التي تتحدث عنها حكومة تسيير الأعمال في رام الله وعن توسيع الإسكان الفلسطيني للحد من توسع المستوطنات الصهيونية.

لهذا السؤال جوابان: إما القول هذا عمل وطني مميز ونشد على ايدي أهل الحكومة ويبقى وراء الأكمة ما ورائها، ويكون الكلام الجميل هذا بلا معنى عملي للناس ولا يحرك أذهانهم، وبالتالي حين لا يحصل شيئ أو شيىء ذي بال، لا يعترض أحداً لأن الفكرة كانت ذات وضع شكلي في الذهن أي مثل تاريخ الخطاب الفلسطيني التطميني الذي انتهى إلى التطامن الجماعي.

وإما وضع الأمور في سياقها العملي في السابق وحتى اللحظة. وسوف ابدأ من السابق بالطبع. نحن الآن في العام 2010 أي أن نضال شعبنا وامتنا ضد العدو الغربي الراسمالي والصهيونية امتد للقرن الثاني. كما أن وجود منظمة التحريرقد قارب نصف قرن. وحصراً للقول في السؤال، فإن هذه المنظمة، اي القيادة تحديدا، لم تكن معنية بوضع سياسة اقتصادية (برنامج اقتصاد وطني) فما بالك باستراتيجية تنموية. أسوق هذا لكي استفز من لديهم تفكيرٍ جدِّيٍ بأن يفكروا في شيىء ما!

لقد سمَّنت هذه القيادة مجموعات من المثقفين الذين كانوا يتلقون تعليمات التفكير من القيادة فيصوغوا كتابات (سياسة، أدب، واقتصاد) طبقا وامتداداً لتعليمات القيادة. أي كان هؤلاء المثقفون موظفين مرتبطين بالقيادة التي هندستهم بحبلين: المال والتعليمات. لذا، كان هناك حديث وشعر وخطاب في السياسة والوطنية والتحرير ولم يكن هناك مشروعا للإنسان. وقد تجلى كل هذا في مباركة المثقفين لعقد اتفاق أوسلو (السياسي) واتفاق باريس (الاقتصادي). ومن ضمن ما تضمناه الإقرار بوجود المستوطنات! أتى مثقفو المنظمة مع المنظمة وتغنوا بأوسلو باعتباره تحريراً وتقلبوا وانقلبوا فكريا وعقيديا بما يتطابق مع مستلزمات : سلام رأس المال.

تركيز التوطين العربي في مواجهة الاستيطان العبري:

لم يكن في منظمة التحرير من يستمع لمن هو خارجها (سواء خارج أطرها التنظيمية أو بعيداً عن بيروت) أو نقديا من داخلها.

إعتقلتني قوات الاحتلال لمدة ستة اشهر وخرجت يوم 25 ايار 1979، وكنت قبلها قد جهزت كتابي : اقتصاديات الجوع في الضفة والقطاع، الذي صدر 1979 عن دار مفتاح. كان الاستيطان من المخاطر التي تشدني كفلسطيني يعيش الاحتلال بملئه، وكنت أعتقد بوجوب التنبه إلى الاستيطان كما المقاومة المسلحة لأن مقاومة الاستيطان هي دفاع مباشر عن الأرض وهي دافع تنموي معاً. كتبت عن هذا الأمر في نفس الكتاب وبنفس العنوان الفرعي أعلاه (ص ص 224-227)، داعياً إلى ضرورة اختيار الأماكن التي يمكن أن يختارها العدو للاستيطان وإقامة قرى صغيرة فلسطينية عليها. وقد حفزني على هذا أمران على الأقل:

· وجود اللجنة المشتركة التي بادرت بها عراق صدام حسين بعد اتفاق كامب ديفيد بين النظام المصري والكيان الصهيوني. واللجنة كانت لديها إمكانات تمويلية وكانت قد بدأت بإعطاء قروض لإقامة ضواحي بجوار المدن.

· ولأن هناك أزمة سكن (ندرة مساكن) في الأرض المحتلة.

كان رأيي باختصار إقامة قرى في الريف وتزويدها بمولدات كهربائية بالوقود.

“…يجب إعطاء الأولوية لبناء الجُماعيات الجديدة في المناطق المحتلة التي يخطط عمليا الاحتلال لوضع اليد عليها ومعرفتها ليست بالأمر الصعب على اي حال. إن مشروع الاحتلال الذي يهدف بناء مدينة إسرائيلية إلى جانب كل مدينة عربية مثل بيت إيل بجانب رام الله، ومستوطنة الرأس بجانب بيت جالا، وكريات أربع بجانب الخليل وإلون موريه بجانب نابلس لا يختلف عن بناء الناصرة عليت بجانب الناصرة العربية…والشيىء نفسه في الريف حيث يجب أن تقام الجُماعيات الزراعية في الأماكن التي يُتوقع أن يستوطن فيها الاحتلال… ولكي نتمكن من إنجاز وحدات إنتاج جديدة يجب أن يكون مكان العمل هو نفسه مكان السكن لضمان تثبيت الكثافة السكانية في المكان الواحد من الأفضل اعتماد الناء الأفقي أكثر من الراسي لغطية أكبر ساحة ممكنة من الأرض طالما المسألة ضراعا على الأرض”.

وبعدها بعامين كتبت دراسة نشرتها مجلة الشراع المقدسية (لم أجد العدد) بنفس المضمون بل طالبت فيها بعدم إقامة ضواحي للمدن بل قرى صغيرة على رؤوس الجبال. وكنت في حينه قد ارسلت الكتاب إلى قيادة المنظمة في بيروت، كما أرسلت الدراسة مع سيدة فلسطينية إلى اللجنة المشتركة في عمان (حيث كنت ممنوعا من السفر). كانت زيارة السيدة لتقديم طلب ضاحية إسكان لها ولآخرين. وحين عادت سألتها هي سلمت الدراسة؟ قالت، وهل تريدهم أن يرفضوا طلبي؟

واليوم:

وبعد أكثر من ثلاثين عاما، يدور الحديث عن الموضوع! لقد ورد في ورقة صادرة عن وزارة العمل في سلطة الحكم الذاتي وهي متعلقة بتشغيل العمال الذين طُلب إليهم التوقف عن العمل في المستوطنات ما يلي: “…كما أن غالبية هذه المستوطنات مقامة على المرتفعات الجبلية والأحواض المائية) (ص 2 من الورقة الصادرة هذا العام 2010. اي بعد 31 سنة من ما كنت كتبته!!

ولكن كما قال شاعر قديم

أمرتهم أري بمنعرج اللوى…. فلم يستبينوا الرشد إلا في ضحى الغدِ

لقد أقام الاحتلال مستعمرات في نفس الأماكن التي خفنا عليها. وحصل الاحتلال على موافقة من القيادة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو بعدم نزع المستوطنات من أراضي (اسلو-ستان) بل حصل على إقرار بقبول توسعها الطبيعي وعدم “مضايقة” الفلسطينيين لها. ويدور الآن النقاش حول تجميد مؤقت للاستيطان لتيسير المفاوضات التي من ضمنها تبادل فلسطينيي 1948 وأرض من المحتل 1948 ببعض المستوطنات. اي أن “تنظيفا/تطهيرا شاملا للمحتل 1948 من أهل البلاد مقابل خلع بعض المستوطنات من الضفة الغربية وبقاء جيش الاحتلال بين الضفة والأردن، ناهيك عن منع التسلُّح واحتلال السماء ونهب باطن الأرض بل رحمها!.

إن معظم أراضي الضفة الغربية في منطقة (ج) اي بيد الاحتلال تماماً وعليه، وبموجب اتفاقات باريس وأوسلو لا يمكن لسلطة الحكم الذاتي بناء كوخ في هذه المناطق دون إذن الاحتلال! ولم نعتد من الاحتلال على إعطاء هكذا اذونات، بل العكس.

لذا، ليس صحيحاً الزعم أن ما تطرحه سلطة الحكم الذاتي هو مشروع لمحاصرة المستوطنات لأن هذا كان يجب أن يحصل قبل ثلاثين عاما أو أكثر! إن اية “مرونة” من الاحتلال ستكون ضمن خطة خاصة به، وسيأخذ مقابلها ما لا يُحصى.

أما المدن التي يتحدثون عنها الروابي والريحان…الخ، فهذه استثمارات راسمالية للقطاع الخاص كما يُمكن تلمُّس تطبيعاً في حواريها. هي مشاريع لرأس المال الخاص لا علاقة لها بالصمود ومواجهة المستوطنات. إن إشراك رأسمال عربي من قطر (إن صح ذلك) مثلا في هذه المدن هو إدخال أو صب مباشر لرأس المال العربي إلى الكيان لأن كافة مستلزمات البناء سوف تكون من سوق العدو. إذن، إن صح ما يُقال، هل هو ” موقف عروبي من قطر أم دور مطلوب منها تأديته وها هي تؤديه”؟

لا ندري كمواطنين ما هي صيغ الاتفاقات بين المدن التي يدور الحديث عنها والاحتلال؟ فمدينة الروابي “حظيت” بثلاثة آلاف شجرة هدية من الصندوق القومي اليهودي؟ هل حظيت بغير هذا؟ وما ثمن هذا؟[1]

ولكن، هل نطالب سلطة الحكم الذاتي ورأس المال الخاص بعدم البناء و/أو تسهيل البناء؟ بالطبع لا. ولكن ايضاً، لتكن هذه المحاولات خارج نطاق تعجيل وتسهيل التطبيع العربي الرسمي من جهة ولتسمى الأسماء بمسمياتها بمعنى أن اي بناء في منطقة (ج) مرهون بقبول الاحتلال، اي لكي يمكن للناس أن يروا الأمور بحجمها.


[1] انظر مقالتي في نشرة “كنعان” الالكترونية، العدد 2109: “مدن التطبيع: مدينة فلسطينية في “ظلال” الصندوق القومي اليهودي!، بتاريخ 23 ديسمبر 2009 على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=2210