ثقافة الصفقات الروسية: ظاهرة النظام المبتذل

أحمد حسين

معادلة المرحلة في المنطقة الشرق أوسطية أصبحت واضحة بما فيه الكفاية على المستوى العام. وهي تتجلى في الصراع الحاسم بين الإستمرار في استكمال مخطط إسرائيل الكبرى، أو التراجع عنه لصالح معادلة إقليمية أكثر منطقية من الناحية الديموغرافية. فالعوائق التي برزت من خلال ظهور القوة الإيرانية القوي، والدخول التركي على خط الصراع الدائر، في اتجاه خدمة التماسك الأوبامي المزعزع من ناحية، وما يقتضيه ذلك من تحلل من بعض التزاماتها تجاه إسرائيل من ناحية أخرى , يثير الأن لدى أصدقاء إسرائيل الدوليين، تساؤلات واقعية حول إمكان تحقيق المخطط الأمريكي الصهيوني القديم في بناء شرق أوسط إسرائيلي. هؤلاء الأصدقاء أصبحوا يقفون الأن على مسافات شبه متساوية من المخطط المذكور أو تعديله. لقد أصبح هؤلاء الأصدقاء القدامى الآن، والذين يريدون بإخلاص تدارك الوضع الإسرائيلي الخطر، أعداء شبه رسميين لإسرائيل، لأنه لا أحد سواها يدرك أن أي تعديل في المخطط الغربي الصهيوني القديم يعني بداية انهيار الحلم الصهيوني، في المنطقة. وفقدان الحماية غير المحدودة من جانب الشركاء الدوليين بالنسبة لإسرائيل، يعني وضعها في معادلة جديدة يكون عامل الزمن فيها ضدها على طول الخط.

إذن هناك الأن مشروعان يتداولان نظريا مستقبل المنطقة. مشروع الإصرار على مستقبل إسرائيلى مسيطر في المنطقة بأي ثمن، يشمل إسرائيل والمحافظين الجدد في أمريكا، وقسم كبير من الأنظمة العربية مثل مصر والأردن وكل الأنظمة الخليجية والسعودية، ومشروع يريد على أحسن الفروض، استيعاب إسرائيل كدولة أقليات في المشهد الإقليمي. ويشمل المشروع إيران وكل حركات المقاومة في المنطقة والعالم. المشروع الأول بطبيعته معاد لشعوب المنطقة بوصفه تكريسا للفراغ الشعبوي والوطني والقومي، يحقق هيمنة إمبريالية مبنية على التبعية والفراغ بكل أشكالهما، بينما المشروع الثاني ملزم تكتيكيا وإيديولوجيا، بتبني الطابع الشعبوي المقاوم والتعبئة الجماهيرية، بوصفها العدو الطبيعي للغرب والصهيونية من ناحية، وبوصفها معادل القوة الفعلي للتفوق العسكري الغربي والصهيوني من جانب آخر.

يفسر هذا بوضوح قضية التهويد التي يدفع إليها المعسكر الأول دفعا. فهي من المفروض أن تحقق أربعة أهداف مصيرية على مستقبل الدولة الغربية (إسرائيل ) كقاعدة إقليمية كبرى في المنطقة:

ـ إنهاء الوجود الفلسطيني كعامل استئناف دائم على وجود إسرائيل.

ـ تحقيق عفوية الوجود والرسوخ الإقليمي للدولة الإثنية الجديدة.

ـ توسيع الحق اليهودي الإستيطاني، بشكل يضمن حلا ديبلوماسيا ليهودية الضفة الغربية، من خلال ما يسمى الحل الأردني.

ـ تنشيط الهجرة اليهودية من أوروبا وأمريكا وتكثيف الوجود اليهودي، كما ونوعا في الدولة اليهودية، للمحافظة على تفوقها النوعي.

ولكن تحقيق هذه الأمور، يظل رهنا ليس بصمود معسكر المقاومة فقط، بل بتفعيل شعوب المنطقة ورفع مستوى فعاليتها الإعتراضية، وقدرتها على المبادرة. وهو أمر ليس مضمونا بمعطيات الحاضر. فالشعوب العربية لا يبدو أنها قد اقتنعت حتى الآن بالرهان القومي والوطني والتحرري على إيران وترك أعجوبة النظام العربي وراء ظهرها. لم تقتنع بعد أن النظام الإيراني هو شريك حضاري وثقافي قديم للعروبة، يمثل عروبة المنطقة وثقافتها المشتركة، بقدر ما يمثل فارسيته. وأنه بديل تاريخي عن أنظمة، يمكن للخراب أن يكون بديلا منطقيا عنها. فالخراب قد لا يخل بشرف الإنسان. وهذه الأنظمة مخلة بكل أشكال الشرف. وهذا كلام في واقع الأمر وليس تجديفا. فاللغة ليست مسؤولة عن مفردات الحقيقة.

أما التحدي الثاني الذي يضع كل ثقله مع المشروع الغربي الصهيوني للمحافظين الجدد، فهو استراتيجية الصفقات التي أصبحت اليوم تهيمن اليوم على المعاملات الدولية. أفضل الأمثلة عليها صفقة الصواريخ الدفاعية الروسية لإيران.

إن سقوط الإتحاد السوفياتي لم يحرم المستقبل الإنساني من رهانه الأعظم على مستقبله فقط. وإنما ترك وراءه دولة بدون نظام حقيقي، تلهث وراء طموحات سانحة لرأسالمال المافيوي الذي يمثله مدفيدف – بوتين. من المعروف أن أي نظام رأسمالي في العالم. لا يستطيع احترام نفسه كما يحترم مصلحته. وهو وضع تؤكد اللعبة السياسية على ضرورة التزامه. ولكن معظم الدول، مع ذلك تدعي احترامها لنفسها، وتحاول إخفاء الإبتذال البراغماتي لسياستها، وراء تبريرات السلوك الإستهلاكية في القواميس القديمة. ودولة الإتحاد الروسي، تبدو في وضع غير محدد سياسيا، بشكل يمثل استراتيجية وطنية معينة، بمدى ما يمثل سياسة الصفقات، كثمن لموقف سياسي تقدمه بين الفينة والأخرى للغرب. إن الصفقات التي عقدتها روسيا ضد الفلسطينيين، وبعض حركات المقاومة في العالم، مع الغرب، لا يمكن أن تكون إلا رهانا استراتيجيا على وضع دولة تابعة للغرب، وليس رهانا على دولة لها شخصيتها السياسية المستقلة. وأية تعرية بحثية لواقع الإقصاد الروسي، يمكن أن تثبت كونه منحة غربية صهيونية. فقد قام المال الأسود لتحالف المافيا وأجهزة المخابرات الغربية بشراء معظم الصناعات الروسية المهمة، وأسهم شركات النفط والغاز. وأصبحت موسكو عاصمة سياسية لهذا اللون من الإستثمار السياسي المافيوي. إنها باللغة السوفيتية نظام رث للمافيا الدولية وعملاء الغرب ليس لديه عقل استراتيجي. ربما تحاول روسيا الحصول على موقع دولي وإمبريالي مؤثر من خلال تعلقها بالشموس الإمبريالية الغاربة، ولكن ليست الطريقة لذلك صناعة الأعداء لروسيا إرضاء لأمريكا. إن الخطوة التي قامت بها في قضية الصواريخ الدفاعية لإيران، تسهم في صرف النظر بين شعوب العالم ودوله، عن التعاقد مع دولة بدون أخلاقيات أتيكيت سياسية أو اقتصادية.

الثمن الذي ستقبضه أو قبضته روسيا، من دول مثل السعودية والإمارات والبحرين، أي من أموال الموطنين العرب المنهوبة، للتخلي عن صفقة الصواريخ الدفاعية لإيران، ليس لها مضمون سياسي أو عسكري من أي نوع. بل هي مجرد رشوة مالية. فلا مستقبل لروسيا في علاقتها بالسعودية وأترابها الخليجيات، لأن هذه أشياء أمريكية خالصة. وأمريكا لن تسمح بتحويل حصة دائمة من أموالها السعودية إلى الإقتصاد الروسي. كما أن الأسلحة التي ستبيعها للسعودية ليس لها أي مغزى عسكري، يمكن نظريا من القول أن لها هدفا من ورائه. فتوريد الأسلحة لتلك البلاد غير المعاصرة مثل توريد العطر والملابس الخليجية، ليس وراءه سوى الإمتثال لأمريكا وتوظيف جنرالات من المبارزين بالسيف من بين أفرد العائلة المالكة. إذن فالمسألة مجرد صفقة مع دولة تبيع مواقفها بالدولار. وعلاقة روسيا مع بلد مثل إيران لها بعد استراتيجي متميز من الدرجة الأولى، مقابل علاقتها الفارغة مع الوكالة السعودية الأمريكية. كل هذا يدل على أن النفوذ الأمريكي الصهيوني في روسيا أصبح يشكل هوية نظام مدفيدف – بوتين الأساسية. لقد كانت مافيا الإقتصاد الروسي مستعدة لبيع الأسلحة لكل من يدفع الثمن، أما الآن فهي تبيعه لمن يدفع أكثر، وبتوكيل أمريكي. وهذا سيغلق الباب أمام أي نوع من الثقة لحركات المقاومة بالإعتماد على التسلح الروسي، ويجعلها مكشوفة من هذه الناحية، للصفقات التآمرية الشبيهة بما حدث مع إيران. وإذا عرفنا أن البديل المتبقي للتسلح أمام حركات المقاومة هو السوق السوداء المحدودة الإمكانيات، فإن بناء معسكر نظامي مقاوم على غرار إيران يصبح قضية غاية في الصعوبة. وعلى مستوى القضايا العربية فإن تراجع قوة إيران يعني تراجع فرص التحرر من أنظمتها. أما فلسطينيا فهو يعني اكتمال حلقة العزل وإبادة الهوية.

هذه هي الصورة المعتمة الآن في المعادلة بين مشروعي التحرر والهيمنة في المنطقة. طرف محاصر دوليا بالكامل هو مشروع التحرر من الهيمنة الغربية، وطرف قوي ومستقو يخوض حربه الأخيرة ضد مستقبل شعوب المنطقة. فالشعوب العربية وعيا وممارسة، ليست على مستوي مرحلة الحسم التي تطالب بقطع الضرورة بإلإعلان عن ولائها لإيران بصورة من الصور، كما أن وقف روسيا لصفقة s 300 هو إعلان روسي صريح بدعم ضربة غربية لإيران. والمستقبل لا يبدو مشرقا أمام شعوب المنطقة جميعا.