اغتيال الخيار المقاوم في لبنان: لتصفية القضية الفلسطينية

ليلى نقولا ـ الرحباني

مقدمة

تفاءل كثر من العرب بقدوم رئيس أميركي جديد الى البيت الابيض، وقد استطاع الرئيس اوباما زرع الامل بأن التغيير الذي سيطرأ على سياسات اميركا في العالم، سيحقق السلام في الشرق الاوسط.

ولعل التفاؤل المفرط الذي ساد لدى بعض الاميركيين وفي العالم، واعتقاد البعض أن باستطاعته اجتراح المعجزات مثّل نقطة الضعف الأكبر للرئيس الاميركي الحالم بالتغيير أو المبشّر به، فقد تبيّن أن الرئيس الجديد رغم الآمال الكبيرة المعقودة عليه داخلياً وخارجياً لا يملك عصا سحرية تمكنه من تجاوز وفك الألغام التي زرعتها إدارة بوش في طريقه على الصعيدين الداخلي والخارجي، كما انه كأي رئيس أميركي آخر، أسير جماعات ضغط صهيونية عشعشت في الادارة والاعلام والمال والنقد الخ، وهو محاط بنخبة حاكمة، تتناسل جيلاً بعد جيل، تؤمن بثقافة التفوق والسيطرة الكونية المنفردة وبتعبئة مشحونة بكراهية الخصوم المحتملين أو المُختَرَعين، والسعي لإخضاعهم بكافة الوسائل بما فيها القوة العسكرية.

إن الفشل الذي منيت به الاستراتيجية الاميركية السابقة المفرطة القوة، دفعت الرئيس اوباما الى تغيير الاستراتيجية المعتمدة للوصول الى الاهداف الأميركية الكبرى أي الهيمنة على العالم وتحقيق مشروعها الامبراطوري، ولكن بسياسات أذكى…. ولعل ما يحصل في لبنان الآن، وما يُحكى عن قرار اتهامي سيصدر ويلف حبل المشنقة على عنق المقاومة، هو تجسيد تام لهذه السياسات بعد أن ثبت بالدليل القاطع في حرب تموز، نظرية عجز القوة.

فما هي الاستراتيجية الاميركية الجديدة وما أبرز مقوماتها؟. وكيف سيتم اعتمادها في لبنان؟ ومن هم المستهدفون بها في لبنان؟ وكيف نواجهها؟

اولاً – السياسة الاميركية الجديدة: أميركا في مرحلة انتقالية

ارتبط مفهوم القوة تاريخيًا بـ”القوة في الحرب”، حيث اعتبرت عناصر مثل القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية بالاضافة الى السكان والأرض والموارد الطبيعية، وغيرها من المكونات أساسية في الحكم على قوة الدولة أو ضعفها. لكن حصر القوة في هذه العناصر بالذات قوبل بانتقادات بعدما ازداد تطور الاعتماد المتبادل وبعدما أدت التطورات التقنية والتكنولوجية الى إضعاف مفاهيم القوة التقليدية.

وفي كتابه الصادر عام 1990 “Bound to Lead” أدرج المفكر الاميركي جوزيف ناي نوعين من القوة: “الصلبة” و”الناعمة”. حيث تعتمد الصلبة على استخدام معايير القوة التقليدية وأهمها القوة العسكرية، وتحدث عن مفهوم القوة الناعمة التي تعني “قدرة دولة معينة على التأثير في دول أخرى وتوجيه خياراتها العامة، وذلك استنادًا إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي ومنظومة قيمها ومؤسساتها، بدلاً من الاعتماد على الإكراه أو التهديد”. وقد اعتبر ناي ان استخدام هذه القوة بات متاحًا أكثر بعدما انهار الاتحاد السوفياتي وباتت القيم الليبرالية وقيم الديمقراطية وحقوق الانسان مرغوبة ومطلوبة في آن.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومحاولات أميركية لفرض نظام عالمي جديد بدأته بحرب الخليج الثانية، أتت أحداث 11 أيلول 2001 لتشكّل فرصة ذهبية لهم للانطلاق بقوة هائلة في مشروعهم الامبراطوري للهيمنة على العالم من خلال سياسة “تأليه القوة” واستخدام التدخلات العسكرية المباشرة، والافراط في استخدام اساليب القوة الصلبة. وحاول المحافظون الجدد تنفيذ مشروعهم، من خلال استخدام فائض القوة العسكرية والتقنية للولايات المتحدة لصياغة نظام عالمي تتفرد فيه الولايات المتحدة على عرش النظام الدولي إلى أقصى مدة ممكنة عبر التحكم بمصادر الطاقة، والحيلولة دون تمكين أي دولة أخرى من منافستها عسكريًا وإقتصاديًا وتكنولوجيًا.

لكن مع تعثر المشروع الاميركي ميدانيًا بفعل المقاومة، ظهرت حقيقة “عجز القوة” الاميركية عن تحقيق أهدافها، فكان لا بد للاميركيين من تطوير نظرية جديدة للقوة تنقلها من “القوة العاجزة” الى “القوة الفاعلة”، فطوروا نظرية جديدة للقوة أطلقوا عليها اسم “القوة الذكية”.

القوة الذكية (Smart Power) تعني الدمج بين القوة الصلبة (Hard Power) المتمثلة في زيادة القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، والقوة الناعمة (Soft Power) والتي تتمثل في استثمار القيم الأميركية وجاذبيتها عالميًا في التأثير على الدول والشعوب واخضاعها بدون مقاومة. واعتبروا أن الجمع بين هاتين القوتين ستمكّن الولايات المتحدة من التعامل مع التحديات العالمية المستجدة خاصة وأن العديد من التحديات التي تواجهها واشنطن لم تعد ذات طبيعة عسكرية صرف، لذا فان استراتيجية “القوة الذكية” هي ضرورية في “حروب لامتماثلة” أثبتت عجز القوة ومحدودية قدرتها الفائضة.

ولو دققنا في خطب الرئيس الاميركي باراك أوباما التي أطلقها منذ توليه الرئاسة الى اليوم لاكتشفنا، رغم لهجته المرنة وغير الاستعلائية، أنه يتبنى المشروع الأمبراطوري الأميركي للهيمنة ولم يتخلَ عنه كما يعتقد البعض. فهو لا يزال ينطلق من هيمنة فائض القوة العسكرية الأميركية باعتبارها معطى ثابت لا يخضع للمناقشة أو المساءلة، ويعتبر أن مكمن الخلل في تعثر المشروع يعود إلى الإستخدام “الغبي” للقوة العسكرية الأميركية من قبل الإدارات السابقة وخاصة إدارة بوش الإبن، ويدعو إلى ضرورة إقلاع واشنطن على استخدام القوة الخشنة المهيمنة بصورة منفردة على المسرح الدولي لتنفيذ إستراتيجيتها الكونية، ويطالب باعتماد إستراتيجية الاستخدام المتكامل لجميع عناصر القوة الأميركية في خدمة أهداف الأمن القومي الاميركي. وبحسب وجهة نظره، يتوجب على أميركا أن تستخدم قوة الإذعان والإقناع معاً ولا تنسى مفاعيل استخدام القوة في مجالات الاقتصاد، والدبلوماسية، والثقافة، والفنون، والإعلام وغيرها.

وملخص هذه الاستراتيجية، تشير إلى أنه يتوجب على أميركا أن تعيد إحياء قدرتها على “زرع الأمل والإقناع” حول العالم، بدلاً من الاعتماد على قوتها العسكرية وحدها. فبالرغم من هيمنتها وتفوقها في امتلاك القوة الصلبة خلال عهد بوش الابن، لكنها تجاهلت إلى حد كبير استخدام الوسائل التقليدية للقوة الناعمة ، لذلك فهي محدودة القدرات في مواجهة تحديات السياسة الخارجية، وباتت هيبة أميركا في العالم في تلاشِ متسارع.

لكن الفشل أصاب أيضًا الاستراتيجية الاميركية التي اعتمدها باراك اوباما في بداية عهده، وقد فقد على ما يبدو عنصري “الامل والاقناع” اللذان حاول الاستعانة بهما، فقد حطمه اللوبي الصهيوني ومراكز القوى والنفوذ الحاكمة التي جعلت من نتنياهو ينتصر عليه مرات عدة في وقت قياسي، وها هو يتحضر لسحب جنوده واعادتهم الى الديار، وادراة المرحلة المتبقية من حكمه بسياسة “ادارة المرحلة الانتقالية” على أن هناك تحضير لاستراتيجية اخرى لمرحلة ما بعد اوباما.

إذًا، من خلال ما سبق، يكون علينا أن نسلّم بما يلي:

أولاً: أن أميركا بالرغم من أنها تعيش مخاض إنكشاف عجزها وتعثر مشروعها الإمبراطوري للهيمنة، لكن لم تتولد القناعة والرغبة بعد لدى النخبة الحاكمة للتسليم بالأمر الواقع، والمباشرة في إدارة إنحسار الإمبراطورية وتنازلها عن العرش المنفرد للنظام الدولي، والارجح ان وصول اوباما الى الحكم في اميركا هو مرحلة انتقالية ومحاولة من قبل النخب لادارة الانتقال من التوسع المفرط المكلف عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا الى سياسة اخرى تحفظ الامبراطورية وتعيد لها قدراتها على الهجوم.

ثانيًا: اذا كان المشروع الاميركي في المنطقة قد تعثر بفعل الضربات التي ألحقتها به المقاومة وبفعل الصمود الذي حققته شعوب المنطقة في وجه المشروع، الا أن الاكيد أن الأميركيين لن يسلّموا بذلك ولن يتخلوا عن مشروعهم في المنطقة، بل أنهم بتبديل الرئيس الاميركي قد تمّ تبديل الاستراتيجية المعتمدة لتحقيق المشروع وانتقلوا الى مرحلة أخرى من السياسات “الاذكى” التي يعتبرون انها قد تؤدي الى الأهداف المنشودة… ويعتمد الاميركيون اليوم سياسة التراجع المرحلي المدروس، وهدفه تحديد الخسائر وتجميع القدرات للانطلاق في استراتيجية هجومية جديدة تعيدهم الى الساحة الدولية كقوة مهيمنة بعدما أفرط بوش في استخدام القدرات الاميركية وأهدرها في تطبيق استراتيجية لم تحسن قراءة الواقع الميداني والعالمي جيدًا.

ثالثًا: ان عدم الوجود أو اعادة الانتشار الاميركي العسكري لا يعني انحسار القدرة والنفوذ الاميركيين، بل أن اميركا تستعيض عن وجودها المباشر باستخدام الوكلاء والقواعد، ونستنتج ذلك مما كتبه وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس في مجلة فورين افيرز (ايار- حزيران 2010)، عما أسماه “بناء قدرات الشريك” معتبرًا أن مستقبل المساعدات الأميركية العسكرية سيكون في مساعدة “الوكلاء المحليين” في الدفاع عن أنفسهم والقيام بالمهمات الامنية نيابةً عن الجنود الاميركيين، بدل أن تقوم أميركا بالتدخل العسكري المباشر المكلف جدًا والمثير للجدل بحسب رأيه.

ثانيًا- لبنان: ساحة إشغال والهاء

تتلخص الاهداف الاميركية في المنطقة في الوقت الراهن بما يلي:

– إعادة تثبيت النفوذ والسيطرة الاميركية على المنطقة بعد إخراج الجيوش الاميركية من ميدان القتال.

– تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي وحفظ اسرائيل وديموتها وتفوقها، وطي ملف تاريخي اسمه فلسطين بما فيه من عبارات اللاجئين، وحق العودة وغيرها.

– احتواء ايران ومنعها كما أي دولة اخرى خارج المنظومة الاميركية، من امتلاك التقنيات النووية والمعرفية.

ولتحقيق هذه الأهداف يبدو لبنان جزءاً أساسياً لا يتجزأ من المشروع المعدّ للمنطقة، ولقد اكتسب لبنان أهمية استراتيجية عبر التاريخ كونه مرآة عاكسة للتوازنات في المنطقة، بالاضافة الى قدرته على تشكيل ساحة إلهاء وإشغال يمكن استخدامها للتعمية عما يحصل في المنطقة من تطورات وتسويات وتصفيات.

بعد 2006، وبعد فشل “القوة الصلبة” في تحقيق أهدافها في القضاء على المقاومة وتحويل لبنان الى ساحة ينطلق منه “الشرق الاوسط الجديد”، تحوّلت المقاومة في لبنان والقضاء عليها هدف بحد ذاته.

لقد تحوّل حزب الله منذ نهاية حرب صيف 2006 إلى قوة عسكرية وسياسية بالغة التأثير، ليس على المستوى اللبناني وحسب، بل على المستوى الإقليمي أيضًا. فتحالفه الوثيق مع سوريا وايران، وتحوله الى مصدر إلهام للمقاومات في المنطقة ولحركات التحرر في العالم، بالاضافة الى نظرة التعاطف والاعجاب التي يخصّه بها معظم مسلمي العالم بسبب دوره في الحاق هزيمة باسرائيل لطالما تمنوها….كل هذا ما جعل حزب الله مصدر تهديد استراتيجي لاسرائيل، وللسياسة الأميركية في المنطقة، ولحلفاء الولايات المتحدة، مثل السعودية ومصر والسلطة الفلسطينية.

بعد 2006 أزال الاميركيون والاسرائيليون – مرحليًا- من أذهانهم امكانية القضاء على المقاومة من خلال القوة العسكرية، فبدأوا بمحاولة تنفيذ هذا الهدف بوسائل “أذكى”، وذلك من خلال تمويل طائل لتشويه سمعته واضعافه سياسيًا كما أقرّ فيلتمان في شهادته أمام الكونغرس، كما محاولات اغراقه في عنف داخلي، لذا كانت قرارات 5 أيار التي تبعها أحداث 7 أيار الشهيرة، وكانت بالطبع “المحكمة الدولية”.

ولأن لبنان نموذجي كساحة للالهاء والاشغال، قرر الاميركيون إثارة الدخان فيه، من أجل:

– تحويل الانتباه عما يجري للقضية الفلسطينية من تصفية، تماماً كما كانت حرب 1975 للإشغال عما بدأه السادات من صلح منفرد.

– جعل التوطين مطلباً لفئة لبنانية «ليستعان بالفلسطينيين» على الآخرين من اللبنانيين، فيفرض التوطين من غير قدرة حقيقية على المواجهة والمنع.

– تأمين أمن اسرائيل وتوفير الاستقرار اللازم لها من أجل ترميم قدراتها العسكرية وتحصين جبهتها الداخلية تمهيدًا للانقضاض على لبنان من جديد.

ولتحقيق هذه الاهداف، تقرر تأزيم الوضع اللبناني بشكل “مضبوط نوعًا ما”، وذلك من خلال إشغال “التحالف المقاوم” المواجه للتصفية والتوطين في لبنان، أي حزب الله والتيار الوطني الحر ومحاولة اغتياله سياسيًا، وتأليب الرأي العام ضده وتحويل أنظاره عن العدو الاساسي. ومحاولة الاغتيال السياسي تتم اليوم من خلال أمرين: المحكمة الدولية، وملف التعامل مع اسرائيل.

1- المحكمة الدولية

كما بات معروفًا أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مثلها مثل المحاكم الدولية الاخرى استخدمت كوسائل في التدخل الدولي، وأدوات لفرض النفوذ ومعاقبة الخصوم السياسيين، لذا فانها تتعرض للتسييس بشكل دائم، وذلك على مستويين:

– المستوى الأول: تدخل الدول العظمى، كالولايات المتحدة، مباشرة في توجيه لجان التحقيق والمحاكمات، مثلما حدث في أغلب مراحل عمل لجان الأمم المتحدة التي كلفت بنزع أسلحة الدمار الشامل في العراق خلال الفترة بين 1991 و2003، على سبيل المثال لا الحصر.

– المستوى الثاني يتعلق بالثقافة القانونية؛ فالقانون الدولي هو نتاج ثقافة وضعية، تسيطر عليها الرؤية ونمط الحياة الغربية لفكرة القانون. والعدالة الدولية ليست قيمة مجردة، بل هي نتاج السياسة وتوازنات القوى الدولية السائدة.

وهكذا انتقلت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من وسيلة لمحاولة ابتزاز سوريا واخضاعها الى وسيلة لاغتيال حزب الله في لبنان من خلال قرار اتهامي يدين حزب الله باغتيال الحريري.

ويبدو أن المخطط كان يرمي الى إشعال النار في لبنان خلال شهر ايلول؛ الموعد المفترض للقرار الاتهامي قبل تأجيله، وذلك بعد تمهيد الأجواء المناسبة، وتخدير المقاومة من خلال إشاعة أجواء التهدئة وفرض بيئة الاسترخاء، للاستفادة من عنصر المباغتة في الانقضاض عليها بقرار اتهامي يدين أعضاء من حزب الله ويحرج حلفاءه، إلا أن المقاومة تنبهت للأمر وشنّت حربًا استباقية بدأتها في تموز، مستبقة القرار الاتهامي بشهرين.

وكما في عام 2006 حيث أدى خطف المقاومين لجنود اسرائيليين بتسريع الحرب على لبنان، والتي كشفت التقارير انها كانت محضّرة سلفًا ومعدّة للهجوم على لبنان في خريف عام 2006، فخسر الاسرائيليون عنصر المباغتة اللازم وتحقق الانتصار، كذلك في العام 2010، حيث تحسبت المعارضة لقرار ظني سيأتي في أيلول ليهددها فعطّلته بحرب استباقية أثبتت جدواها لغاية الان، ونبقى بانتظار نتائج الكرّ والفرّ السائدين وبانتظار ما سيحصل خلال العام المقبل من تحديات كبرى يجب على المقاومة التنبه لها والاستعداد والجهوزية التامة لمواجهتها.

2- ملف التعامل مع اسرائيل

كجزء من الحرب على المقاومة، لم ينفك المشروع المعادي يحاول اغتيال صورة العماد عون والتيار الوطني الحر المتحالف معها في اوساطه المباشرة وغير المباشرة ومحاولة تصويره منقضًا على كل ما آمن ونادى به لغاية الآن.

وفي هذا السياق، تأتي التسريبات التي رافقت اعتقال العميد فايز كرم بتهمة العمالة، وما رافقه من محاولات افتراء لايحاء بعلاقة ما للعماد عون أو معرفته بعلاقة كرم بالاسرائيليين، محاولة للاغتيال السياسي تشابه الى حد كبير الاغتيال السياسي للمقاومة من خلال القرار الاتهامي للمحكمة الدولية.

تشويه صورة التيار الوطني الحر واسقاط الهالة عنه بوصفه مناديًا بالسيادة والاستقلال والقرار الحر، والباسه ثوب العمالة من خلال تسريب “معرفة العماد عون بعمالة كرم”، يشابه الى حد بعيد تشويه صورة المقاومة والباسها أمرًا جرميًا من خلال تهمة قتل الحريري وتحوّل المقاومين من شرفاء يدافعون عن لبنان الى قتلة ملاحقين قضائيًا. ويومًا بعد يوم تتكشف حقيقة حقيقة الفاعلين والمنفذين والمخططين لمحاولات الاغتيال المتتالية للمقاومة الوطنية اللبنانية من خلال التصويب على دعامتيها الاقوى: حزب الله والتيار الوطني الحر.

وبالرغم من تأكد المخططين من أن توازنات القوى الاقليمية واللبنانية لا تسمح بجرّ المقاومين الى القضاء ولا بتحويلهم الى المحاكمة، ولا بتلفيق ملف للعماد عون يسمح باعتقاله والتحقيق معه، الا ان الاغتيال السياسي من خلال تشويه السمعة واسقاط الهيبة، وانهيار صورة “البطولة الوطنية” وتحولها الى صورة “اجرام وارهاب” يكون كافيًا لتحقيق هدف تعطيل قدرة الطرفين على المقاومة وارتباك الاطراف الاخرى في المقاومة، وقدرتهما على رفض التوطين، ولاشغال اللاعبين الاقليميين عما يجري على الساحة الفلسطينية من تصفية للقضية.

ان موازين القوى المحلية والاقليمية التي استطاع “الخيار المقاوم” أن يبدّلها لمصلحته وخاصة بعد 2006، دفعت الى اعتماد وسائل “أذكى” في المواجهة، من خلال تطويع المقاومة في لبنان وإشغالها بملفات خاصة بها، وتحييد سوريا باغرائها، واحتواء ايران وتهديدها، لفصل المسارات ولشلّ القدرة على المناورة وتفكيك التحالف.

خاتمة وتوصيات

الى أن يحين موعد الحرب الشاملة التي لن يكون بمقدور أحد التكهن بحجمها ومصيرها وتوقيتها، تتحول المعركة التي تخاض اليوم بين “الخيار المقاوم” والمشروع الاميركي في المنطقة، الى معركة رأي عام يحاول كل طرف كسبه.

وبالرغم من أن التجارب التاريخية تؤكد أن الرأي العام هو عامل مساند ومساعد وليس العنصر الحاسم في حسم الصراعات، يبقى على الخيار المقاوم أن يحاول كسب الرأي العام إلى جانبه، بالاضافة الى زيادة وحسن استخدام مقومات القوة لديه، من خلال استراتيجية “ذكية” أيضًا، تفرض عليه ما يلي:

– حسن إدارة وامتلاك مقومات “القوة الناعمة”: فن وابداع في إدارة حملة اعلام وتسويق وعلاقات عامة، لكسب الافكار والعقول واقناع الرأي العام المحلي والعربي والعالمي بأحقية القضية وكشف التزوير والخداع.

– الاستمرار في امتلاك وتطوير مقومات “القوة الصلبة”: أي الحفاظ على ما تمّ إنجازه ميدانياً، وزيادة القوة العسكرية والاقتصادية وترسيخ القناعة لدى الجمهور بإمكانية هزيمة المشروع الآخر وأدواته ووكلائه.

– الاستمرار في سياسة امتلاك القوة واستخدام “سياسة الهجوم” وخاصة في ظل تراجع المشروع الآخر وتعثره، لعدم اعطائه الفرصة لتجميع القدرات للانقضاض من جديد.

– استعادة المشروع الوطني لتحرير فلسطين مصداقيته من حيث البرنامج والنهج والقيادة المخلصة الملتزمة بتطبيقه وإنجازه حتى النهاية، وعدم التلهي بمعارك جانبية مع الاطراف المختلفة وخاصة اللبنانية والفلسطينية منها وعدم الوقوع في افخاخ تحضر بعناية لتأليب المقاومات ضد بعضها.

– المصداقية والشرعية، أي فعل كل ما يلزم للاحتفاظ بهما، بحيث لا يكون هناك تناقض بين ما هو معلن وما هو قائم وما يتم تطبيقه فعلاً.

– عدم تمييع الخطاب الفكري والسياسي للمقاومة وحليفها التيار الوطني الحر بذريعة التعايش وتقبل الآخر والتهدئة والتسوية الخ.

:::::

مدونة الكاتبة: http://leilanrahbany.blogspot.com