نبوءة غارودي

عبداللطيف مهنا

شكل الاتحاد الأوروبي تتويجاً فريداً لمسيرة وحدوية غير مسبوقة، لأنها أقيمت بين أمم إن جمعتها قارة فقد فرقتها اختلافات شتى. الجذور، واللغات، والثقافات، والمصالح. وباعدت بينها قرون دامية من التناحر الدموي والتطاحن الشرس، وصلت حد انقراض شعوب بكاملها وإلغاء قوميات وهويات، ودرك ارتكابات فظائع الإبادات الجماعية… قارة كانت هي الوحيدة التي انطلقت منها الحملات الاستعمارية الكريهة، والتي انفردت وحدها بإشعال الحربين الكونيتين الوحيدتين في تاريخ البشرية، آخرهما وحدها حصدت أرواح أكثر من خمسين مليون إنسان. كما أنها امتازت من بين القارات الخمس بأنها تلك الحاضنة الوحيدة في عالمنا التي انطلقت منها أبشع الفلسفات العنصرية والفاشية التي عرفها تاريخ البشرية، ومن بينها النازية والصهيونية… من هنا تأتي فرادة مثل هذا الإنجاز الأوروبي المتمثل في جمع هذه الكتلة البشرية بدولها السبعة والعشرين وقومياتها المثقلة برواسب عدائها المزمن للآخر، والتي شاءت الخلاص من تليدها فهربت من تاريخها المريع مهتدية بمصالحها، لتأتلف في هذا الاتحاد مستظلة بمظلته.

من هذه الزاوية، غدا المثال الأوروبي هذا قمينا بأن أشعر شريحة واسعة من النخب العربية، من تلك الحالمة بوحدة الأمة التي طال أمد تشرذمها وتشظيها وتعيش راهنها في واقع منحدر مسف، بمزيج من الإعجاب والغيرة وحتى الحسد وأيضاً الحزن. الإعجاب نتيجة توقع منطقي بأن اتحاد هذه الأمم سوف يجعل من هذه القارة المتصالحة مع نفسها قوة اقتصادية هائلة حافظة لموقعها المتميز في مقدمة اقتصاديات العالم، الأمر الذي، وفق مقتضيات هذا المستجد ومنطقه، يعني أن هذه القوة الاقتصادية حتّام تترجم إلى قوة سياسية كونية فاعلة، وهاتان القوتان معاً لا بد أن يبشرا بالتالي بمولد مركز كوني ينافس المراكز الكونية الكائنة والطامحة الأخرى وينحو نحو التميز عنها إن لم يكن التنافس معها وليس التماهي مع سياسات بعضها. بلغة أوضح، ينعتق الأوروبيون، على الأقل، بفضل اتحادهم من الذيليية المعهودة عنهم للسياسات الأمريكية، ويرسمون وحدهم سياسات علائقهم ومصالحهم بالمراكز الكونية الأخرى الصاعدة في حقبة ما بعد أحادية القطبية المتهالكة بعيداً عن إملاءات واشنطن، أو على الأقل بمنأى عن تأثيرها.

وشعروا بالحسد، لأن العرب اللذين يعون أنهم إنما يشكلون أمة واحدة لا أمماً، يوحدها كل ما يفرق عداها… التاريخ، والجغرافيا، واللغة، والهوية، والثقافة، والمواريث الحضارية، والمصائر، والمصالح، والعدو المشترك… قد فشلوا فيما وصلت هذه الأمم الأوروبية إليه… والحزن، لأن العرب اختلفوا على كل ما اتفقت هذه الأمم المتنابذة وتوحدت عليه.

ما حققه الاتحاد الأوروبي حتى الآن، هو كثير بلا شك، لاسيما بالنسبة لقارة لها تاريخها الذي أشرنا إليه، ولعل أهمه، إلى جانب دفن أحقاد الماضي وجعل المصالح معياراً للتطلعات، هو هذه القوة الاقتصادية المشهودة، رغم ما تمر بها اقتصاديات العالم راهناً والاقتصاد الأوروبي في مقدمتها من أزمة مستفحلة ليس هنا مجال بحثها… لكن، هل ما حققته أوروبا حتى الآن وجد طريقه لأن يترجم إلى قوة سياسية كونية فاعلة منعتقة من ذيليتها المعروفة للقطب الأوحد الأمريكي، الذي يبدو في نظر نخبها وشارعها الشائخ المتصابي والمتخبط في حماقاته الإمبراطورية؟!

هذا السؤال، يذكرني، بكلام للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، كنت قد سمعته منه في محاضرة له قبل عقدين تقريباً، إذ لا أذكر العام تحديداً، كان قد ألقاها في مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق. قال هذا المفكر المعروف يومها ما معناه، إن هذا الاتحاد، وكان لا يزال في سنواته الأولى ولم يصل إلى توسعه الراهن ضامّاً كل هذه الدول في عضويته، لن يكون له سياسة واحدة، بل سيكون له منها ما هو بعدد الملايين المنضوية تحته!

هناك الكثير الكثير من الأمثلة التي تشير إلى مصداقية رؤية، أو نبوءة، غارودي وتثبتها، وهي الأمثلة التي من الممكن أن تندرج بعد كل هذه المدة تحت عناوين ثلاثة، واحدهما، التماهي أو التساوق الدائم مع السياسات الأمريكية الخارجية، وإن تمت أحياناً محاولة التمايز اللفظي عنها أو التظاهر به نفاقاً في بداية الأمر ومن ثم العودة عنه… فلسطين، العراق، السودان، أفغانستان، الصومال، الموقف من البرنامج النووي السلمي الإيراني. بوادر الانسياق إلى المواجهة الاقتصادية مع التنين الصيني… واستمرار القبول بدور الكومبارس، بالإضافة إلى الممول المكره للمشاريع الإمبراطورية الأمريكية، أو دور المداوي المسعف لجراحات ما ينجم عن كوارثها. وثانيهما، الرضوخ في نهاية المطاف بعد تمنع لمشيئة الإرادة الأمريكية عندما ترجّح هذه مصلحتها عادة على المصلحة الأوروبية فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية البينية، أو لجوء واشنطن لفرض الحماية لمنتجاتها إذا ما اختلت الموازين التجارية التنافسية لصالح الأوروبيين. وثالثهما، أنه وبالرغم من أن للاتحاد الأوروبي ممثلية عليا للسياسة الخارجية، بدأت بمنسقٍ أيام خافير سولانا، والآن غدا ممثلاً هي السيدة كاثرين اشتون، فإنك، تكاد تسمع من كل طرف أوروبي على حده ما لا يتفق مع ما يقوله الآخر أو ما تقوله أو تعلنه هذه السيدة… باختصار يمكن القول أنه ليس للاتحاد الأوروبي سياسة خارجية موحّدة. بل حتى الداخلية يشوبها ما يشوب ان هي تعارضت مع مصالح عضو من أعضائها… لعل مثال فرنسا وغجر رومانيا في الآونة الأخيرة هو كاف ووافٍ… أمر واحد يجمع الأوروبيون عليه وإن اختلفوا في التعبير عنه، هو الموقف التقليدي المؤيد الداعم لإسرائيل..!

إننا لا نملك إلا أن نستحضر كل هذا، ونحن نرقب مثل ذلك المشهد البائس، بل حتى المهين، الذي وجد مبعوثي الاتحاد الأوروبي المتذاكيين، كوشنير وزير الخارجية الفرنسي وموراتينوس وزير الخارجية الإسباني، نفسيهما فيه في القدس المحتلة. لقد جاء الرجلان، في سياق جاري عادة الأوروبيين الباحثين باستماتة عن ثمة دور ما يعطى لهم في كرنفال التصفية المعقود منذ عقدين للإجهاز على القضية الفلسطينية… دور لا يكتفون فيه بوظيفة المموّل لتنازلات سلطة رام الله، أو موقع الكومبارس المنضبط غالباً للسياسة الأمريكية، والملتزم بمهمة المساعد على تمرير الخدع الإسرائيلية. وحيث جاءا إلى المنطقة، فكالعادة حاولا بدايةً تمايزاً مخادعاً عن الموقف الأمريكي، فوقعا في خطيئة لن يغفرها لهم الإسرائيليون، وهي ارتكاب بعض التلميح بإمكانية نقل الاستعصاء التفاوضي بسبب من المشيئة الإسرائيلية إلى الهيئة الدولية، أو تحديداً إمكان إعلان الدويلة الفلسطينية العتيدة من على منبرها. لقد استحقا على هذا التأنيب بغلظة مهينة من قبل زميلهما المضيف ليبرمان… لم يشفع لهما كل ما فعله الأوروبيون لإسرائيل، من وعد بلفور، إلى التصويت الأخير ضد مشروع مطالبة إسرائيل التوقيع على ميثاق الوكالة الدولية للحد من الانتشار النووي وإفشاله… قال لهما: “قبل أن تأتيا إلى هنا لتقولا لنا كيف تحل نزاعاتنا. كنت أتوقع، على الأقل، أن تتمكنا من حل كافة مشاكلكم في أوروبا. وعندها ربما نكون على استعداد لسماع نصائحكما”!

وبعد أن عيّرهما وأنّبهما على هذا الوجه، ابتزهما على جاري العادة الصهيونية، ذلك عبر تذكير ضيفيه مقرّعاً، دون أن يحفل بسوق مقارنة أقل ما يقال فيها إنها في غير محلها، قال: “في العام 1938 صالحت أوروبا هتلر بدلاً من دعم تشيكوسلوفا، وضحّت بالأخيرة من دون أن تكسب شيئاً… وإسرائيل لن تكون تشيكوسلوفاكيا في العام 2010”!

في تاريخ أوروبا “الإسرائيلي” الناحية ليس هناك مما يشير من بعيد أو من قريب عن احتمال التضحية الأوروبية بإسرائيل ولو أدى الأمر إلى التضحية بالمصالح الأوروبية، وفي رد كوشنير المتواضع بما لا يتفق مع ديبلوماسيته الفجّة المعروفة، والأقرب إلى الاعتذار، أو إبداء التزامه حدوده، قال: “إننا لا نحتل المكانة التي يتمتع بها الأمريكيون، وهذا طبيعي لأن للأمريكيين تقاليد في دعم دولة إسرائيل وعملية السلام نحن لا نتمتع بها، لكننا نكتسبها شيئاً فشيئاً”… موراتينوس كان أقل تواضعاً عندما ذكّر ليبرمان بأيادي الأوروبيين التصفوية على إسرائيل حين تساءل معاتباً: “لماذا لا يزال أبو مازن شريكاً في السلام؟ من الذي أنقذ السلطة الفلسطينية؟ إنهم الأوروبيون”!!!

خطيئة كوشنير- موراتينوس، اقتضت من السيدة آشتون إعلان تحفظها على ما اقترفاه في حديثهما الموحي بإمكانية دعم أوروبي لإعلان دولة فلسطينية من جانب واحد في الأمم المتحدة، وذكرتهما مؤنبة عبر المتحدثة باسمها: إن “الممثلة العليا هي من تتحدث باسم الاتحاد الأوروبي… وهي لم تطلب منهما أن يمثلاها”… ولم تكتف بروكسل بالتنصل مما كان من كوشنير وموراتينوس، بل سرّبت ما يقول بأنهما ما كانا ليجشما نفسيهما عناء السفر إلى المنطقة، إلا لهدف واحد لا غير يهم فرنسا وإسبانيا وحدهما هو “محاولة إيجاد الأجواء المناسبة لعقد قمة برشلونة”!!!

حكاية كوشنير- موراتينوس مع ليبرمان، وإن كانت لن تقلل من الإحساس بالإعجاب والغيرة والحزن بالنسبة للشريحة الحالمة بالوحدة العربية من نخبنا الرافضة للواقع العربي البائس، إلا أنها للأسف تبدو كافية لأن تختصر لنا حدود ذاك التمايز المزعوم والتباين المنافق بين السياسة الخارجية المفترضة لكتلة هي في حجم الاتحاد الأوروبي مع السياسات الخارجية الامبراطورية للولايات المتحدة… لاسيما منها تلك المتماهية عادة مع سياسات ربيبتها الإسرائيلية والراعية الداعمة والدائمة لها… لن تخرج أوروبا من جلدها، فما دام الأمر له علاقة بالمشاريع الإمبريالية فلا بأس لديها من أن تسلم قيادها طواعية للولايات المتحدة.