الصحوة الموقوتة للمحكمة الاتحادية في العراق دليل على تبعيتها!

جمال محمد تقي

منذ اشهر خلت وكل القوى المتضررة من استمرار حكومة المالكي في ممارسة دورها السلطوي ومن دون حسيب او رقيب، تطالب وباعلى صوتها، من اجل استئناف عمل البرلمان الجديد، واغلب تلك القوى والمنظمات التابعة لها كانت تدعو المحكمة الاتحادية للتدخل الفاعل من اجل ايقاف الخرق الدستوري الفاضح والذي جعل من البرلمان مجرد العوبة بيد السلطة التنفيذية ورئيسها المنتهية ولايته، حيث عمل على تعطيل دور البرلمان، لإطالة الفترة الانتقالية لحكومته وبالتالي استثمار السلطة كاداة لتمرير التشكيل الحكومي الجديد المفصل على مقاساته.

المحكمة الاتحادية لم تستجب لاحد رغم تكرار المطالبات ورغم المضاعفات المأزومة لمجمل الاوضاع في البلاد، ورغم مرور حوالي ثمانية اشهر على تصديق ذات المحكمة على نتائج الانتخابات العامة، كلنا يذكر السرعة التي استجابت بها تلك المحكمة لطلب المالكي في تفسير الفقرة الدستورية الخاصة بالكتلة الفائزة وبالتالي المؤهلة لتشكيل الحكومة الجديدة، حيث كان تفسيرها ينسجم مع هوى المالكي في اعتبار الكتلة البرلمانية الاكبر عددا هي المؤهلة وليس الكتلة الفائزة باكبر عدد من المقاعد بالمقارنة مع الكتل الاخرى المشكلة قبل يوم الانتخابات، وهذا التذكر يثير تسائلا مشروعا، لماذا تصمت تلك المحكمة طيلة هذة الفترة ومن ثم تصحو وبحزم لتطالب البرلمان الجديد بالانعقاد وممارسة اعماله وانهاء ما يسمى بالجلسة المفتوحة دون انعقاد؟

يبدو ان تلك المحكمة كانت تنتظر اشارة جديدة من المالكي لتقول ما قالت بعد ان صمت اذانها طيلة الفترة الماضية عن كل مطالبات الاخرين لها بالتدخل!

القاصي والداني يعلم علم اليقين ان لا قضاء مستقل في العراق ولا فصل فيه للسلطات، فالكل يخضع لمن يتحكم بالسلطة وقواتها المسلحة، والمالكي اليوم هو واجهة لهذا التحكم الطائفي والعنصري الذي تتداخل فيه الاجندات الامريكية والايرانية، والا امن المعقول ان تكون هناك جرائم حرب وابادة وانتهاك لابسط حقوق الانسان وتعذيب واعتقالات كيفية وسجون سرية وفساد شامل في وقت يدعي فيه المدعون بان هناك جهاز قضائي لا تمر شاردة وواردة دون اذن منه؟

كان الاجدى بمجلس القضاء الاعلى ورئيسه السيد مدحت المحمود صاحب الخبرة القضائية المؤمنة بالقضاء والقدر والمستسلمة له طالما لا يقاضيها، ان يلتفت ولو قليلا الى الخزي الذي تفضحه الوثائق المسربة من موقع ويكيلكس ليرى حقيقة القضاء الذي يقف على قمته ومدى مساهمته في تزييف الواقع الكارثي الذي يعيشه العراق.

لقد دعونا لمقاطعة الانتخابات البرلمانية الاخيرة في العراق، لاننا كنا وما زلنا ندرك حقيقة فسادها الذي لا ينتج غير الفساد، فهي انتخابات قد تم تفصيلها لتلائم الحسابات التقسيمية التي يعتمدها محتلو العراق واصحاب القرار الفعلي فيه، لتكون قاعدة مشاعة لقيام عراق جديد اهم ما يمتاز به هوهشاشة نسيجه الاجتماعي والوطني لحساب دولة مقطعة الانسجة بواسطة نظام الفصل المكوناتي طائفيا وعنصريا، والذي سينكب في كل دورة انتخابية جديدة على اعادة اقتسام غنيمة السلطة وتعميق خصخصتها لتكون مستعدة بعد حين على احلال استفتاء حق تقرير المصير المكوناتي محل الانتخابات العامة لعراق سيد وموحد.

ثمانية اشهر مرت على اعلان نتائج الانتخابات العراقية وحتى هذه اللحظة لم يباشر النواب المنتخبون مهامهم التي يفترض بها ان تكون غير قابلة للتأجيل بحكم الاستحقاقات الدستورية المستفتى عليها سلفا، واذا جارينا المنطق القائل بان تشكيل الحكومة قد يستغرق وقتا وربما يطول هذا الوقت لاسباب متعلقة بمفاوضات الكتل ذات النتائج المتقاربة بالحصيلة الانتخابية، وبأن حكومة تصريف الاعمال تسد الفراغ التنفيذي الذي تستدعيه ضرورات الحالة القائمة، فانه من غير الجائزوبحسب الدستور العراقي الجديد تعليق عمل البرلمان المنتخب لانه اعلى سلطة في الدولة البرلمانية، ولانه لا وجود لبرلمان تصريف اعمال يقوم مقامه، ولانه كلما استمر الحال على ماهو عليه كلما افتقدت حكومة تصريف الاعمال لشرعيتها، على اعتبار انها ستكون حاكمة بامرها، وهنا يكمن خلل دستوري لا يمكن تجاهله او التقليل من شأنه خاصة وان حكومة تصريف الاعمال ذاتها طرف في الصراع الدائر بين القوى المتأبطة بكل ما اوتيت من ادوات وحيل سياسية للاستئثار بالسلطة من خلال جرالاخرين للتحولق حولها، لتكون هي صاحبة الحضوة في نيل المنصب الاول ” رئاسة الوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة “، فهذه الحالة يمكنها ان تؤدي الى استغلال حكومة تصريف الاعمال لموقعها في تكريس حكمها وممارسة الضغوط العملية واللوجستية على القوى الاخرى لمجاراتهاوالرضوخ لمساعيها غير المعلنة للاحتفاظ بالسلطة، وما يسهل الامرعليها، بل ويجعله محتما، هو غياب دولة المؤسسات واحلال اجهزة السلطة محلها، اضافة الى وجود دستور غير محكم البنود وفيه من التناقضات ما يجعله صالحا لدولة سائرة نحو التفكك، فهو يعلن جمهورية العراق دولة اتحادية برلمانية في حين ان العراق دولة باقليم واحد ومنذ انطلاقته الحديثة، ومن دون ان يحسم النوع الاتحادي لهذه الدولة، هل هو فدرالي جغرافي ام اداري ام قائم على اسس الاقاليم القومية والمذهبية؟

ومن اللافت ان الدستور نفسه يحتوي على مادة تقول بضرورة تعديله بعد اربعة اشهر من تاريخ الاستفتاء عليه، بحكم اعتراض اكثر من ثلثي ثلاثة محافظات على القسم الاكبر من محتوياته، وهذا كنتيجة فعلية لما جرى في عملية الاستفتاء عليه، ولكن القائمين على الامر من محتلين امريكان ومن معهم من متخادمين عراقيين، ومن مستخدميهم في المفوضية غير المستقلة للانتخابات، فبركوا حلا كاذبا يدعي تمرير الاستفتاء مقابل وعدا مكتوبا بتعديله وبما ينسجم وتطلعات الفئات العراقية الواسعة المعترضة عليه شكلا ومضمونا.

لقد جرى التجاوز على العديد من فقرات هذا الدستور البائس رغم تشبث القائمين عليه بكونه المرجعية الاولى لحل كل الاشكالات القائمة او المستحدثة، فبعض صلاحيات رئيس الجمهورية قد جرى زيادتها خلافا للدستور، وايضا صلاحيات اقليم كردستان ازدات واخذت شكلا نوعيا بنديته لصلاحيات الحكومة المركزية مما جعل المواد الدستورية الخاصة بصلاحيات الاقليم مجرد حبرعلى ورق، هذا اضافة الى تناسي الفقرة الخاصة بضرورة اجراء التعديلات الدستورية في موعدها المحدد.

الخلاف على تفسير فقرة الكتلة البرلمانية الاكبر والذي جعل القائمة العراقية الفائزة باكبر عدد من المقاعد البرلمانية غير قادرة على ممارسة حقها الدستوري في الحصول على اسبقية التكليف الابتدائي لتشكيل الحكومة المقبلة، ومن ثم محاولة قائمة دولة القانون التي هي ذاتها من يدير حكومة تصريف الاعمال افتعال تفسير أخر مخالف يدعي بأن القائمة الاكبر،هي تلك التي تحصل على تأييد اكبرعدد ممكن من اعضاء البرلمان، وبالتالي تسارعها لاقائمة حلف برلماني معرقل لسعي القائمة العراقية ابتداءا، وبهدف وحيد هو احتفاظها بمنصب رئاسة الوزراء والقيادة العامة للقوات المسلحة، هذا الخلاف هو واحد من تجليات هشاشة النظام السياسي والدستوري القائم والذي عمد المحتلون على اقامته ليسهل عليهم حكم البلاد بواسطة واجهات عراقية مقسمة اصلا على اسس عرقية ومذهبية فاسدة.

لم يكن الدستور وحده قاعدة لفساد العملية السياسية ومحتوياتها، فقانون الانتخابات نفسه هو مولد للمفاسد عندما سمح لنفسه بالخضوع لقانون كيدي اخر اقل ما يوصف بانه قانون لا ديمقراطي يدعو لاجتثاث كل من يراهم لا يتوافقون مع ميول واتجاهات القائمين على السلطة في العراق، هذا اضافة الى اعتماده على نظام القوائم شبه المغلقة، ومن دون ضوابط توفر تكافوء الفرص بين المتنافسين، ناهيك عن غياب قانون ينظم عمل الاحزاب ويراقب مصادر تمويلها.

اما المفوضية المشرفة على الانتخابات فهي هيئة مخترقة حتى الثمالة من قبل مخابرات قوى الاحتلال واحزاب السلطة وتخضع عمليا لابتزاز الاقوى من المتنافسين اضافة الى اجندات المخابرات الاجنبية كالامريكية والايرانية.

اسلوب المحاصصة الطائفية والعرقية هو ذاته السائذ انتخابيا ايضا، وعلى كل المستويات بحكم هيمنة نفس القوى على السلطة وعلى المناطق الانتخابية التي عملت على تجييرها طائفيا وعرقيا وتحت مسميات مختلفة لذر الرماد في العيون.

لقد تكشفت للعراقيين عامة حقيقة ان لا قيمة فعلية لنتائج اي انتخابات تجري في ظروف تفرق ولا تجمع، فالبلاد ما زالت محتلة وهي تزداد تبعية وفي كافة المجالات، للدول المنخرطة بشؤونها، برغم ما يعلن عنه من انسحابات، ومن استعادة العراق لكامل سيادته الشكلية، فمصير العراق ما زال خاضعا لوصاية اكبر سفارة امريكية في العالم، والمبنية في المنطقة الخضراء في قلب بغداد، اضافة لخضوعه المعروف اصلا لوصاية مجلس الامن وما يعنيه ذلك من وصاية امريكية يجري التحكم بها عن بعد لتنفيذ ذات الاجندة التي احتل العراق بموجبها.

ان تحرر البلاد اولا من محتليه ومن كل تركتهم السياسية والقانونية والاقتصادية بواسطة فترة انتقالية تشرف عليها الامم المتحدة والجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي، والتي يتم خلالها اقامة مؤتمر وطني شامل يقوم بتشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط لتصريف شؤون البلاد العامة، حتى يتم اعادة كتابة دستور جديد لها، وايضا قانون خاص بالاحزاب والانتخابات العامة، التي يشارك في الترشيح والتصويت لها كل عراقي يلتزم بنودها ومن دون تمييز او اجتثاث او اكراه، هو وحده الكفيل بترجمة مفهوم المصالحة الوطنية على ارض الواقع، وبالتالي سيجعل كل قوى المقاومة بما فيها المسلحة جاهزة للانخراط بعملية سياسية وطنية لا وصاية فيها لمحتل او طامع، وسينقذ البلاد من كل مفاسدها القديمة والجديدة التي اتى بها المحتلون واذنابهم، ووقتها فقط سيكون الطريق معبدا لاعادة اعمار العراق ومعالجة مشاكل الهجرة والفوضى الامنية وفقدان الخدمات الاساسية، فانتخابات حكومات المنطقة الخضراء سوف لن تحل اي مشكلة حقيقية من مشاكل العراق ومهما كان حجم المشاركة بها، لان هذه الحجوم تخضع لنظام الشد والجذب السلطوي الذي يعتمد اسلوب الترهيب والترغيب والتضليل المفضي الى نتائج كمية لا قيمة فعلية لها في الموازين النوعية وطنيا.