حوار مع كلاديس مطر في العقل النسائي العربي

العقل النسائي العربي مصاب بداء «الفوبيا»

سعاد جروس

· باحثة سورية تصدر دراسة تشخيصية عن خطورة ولع المرأة بـ«تأخير الغروب»

العقل النسوي العربي له خصوصية. هو مختلف عن عقل الرجل، لكنه مغاير للعقل النسائي الغربي أيضا، لأسباب تاريخية وعلمية تفندها دراسة أجرتها السورية كلاديس مطر. ما خصوصية عقول النساء العربيات التي تصفها الدراسة بأنها «برمائية»، «مواربة» و«مليئة بالمخاوف»؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

إذا سلمنا جدلا بأن هناك عقلا نسويا وآخر ذكوريا، فهل هناك عقل نسوي عربي وآخر غربي؟ سؤال تسعى الكاتبة والباحثة والمترجمة السورية كلاديس مطر إلى الإجابة عنه في دراسة لها بعنوان «تأخير الغروب». وفي حوار لها مع «الشرق الأوسط»، قالت كلاديس إنها «فكرت كثيرا في بنية العقل النسوي بشكل عام قبل أن تتوجه إلى العقل النسوي العربي»، ووجدت أن «عقل المرأة العربية سريع التأثر على الرغم من قدرته المهولة على التحمل»، ووصفته بأنه «عقل برمائي يعيش تحت الماء وفوق الماء وفي أكثر المناخات قسوة وتبدلا»، ووجدت أنه «من العقول الأكثر مواربة في التعبير عن نفسه» ولذا فهو «في الواقع، عقل محجوب وربما ما زال يعيش في فترة ما بعد الصدمة الطويلة». إذ إن ميزة العقل العربي النسوي هي «تردده في التعبير عن ذاته، وهذا أمر في غاية الخطورة ويؤثر في مسيرة نضوج هذا العقل ونموه واكتماله كأداة للوعي وللتكيف والتأقلم الأمثل».

القاصة والروائية كلاديس مطر ابنة اللاذقية عروس الساحل السوري، درست الأدب الفرنسي في جامعة تشرين وتابعت دراستها الأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية. ترجمت أكثر من عشرين كتابا عن الإنجليزية، ولها الكثير من المجموعات القصصية والدراسات الأدبية والفكرية. وفي دراستها «تأخير الغروب»، تطرح كلاديس مطر الكثير من القضايا النسوية الفكرية الإشكالية، ولعل أكثر تلك القضايا لفتا للاهتمام تلك التي استمدت منها الباحثة عنوان دراستها «تأخير الغروب»، فتقول: «من الأشياء التي لفتتني في العقل العربي النسوي هو هذه النزعة لديه – ربما اللاواعية – لتأخير الغروب الجسدي بطرق شتى»، فـ«المنظومة القيمية الاجتماعية والدينية التي تتناول المرأة في مجتمعنا العربي، تركز كثيرا في تقدير قيمتها انطلاقا من خصوبتها وجمالها وقدرتها على جذب الانتباه». وهذا «أمر منهك بشكل كبير للعقل والروح». وترى كلاديس أن هذا العقل النسوي «في طريقه لتأخير الغروب يتعلم أن يفكر ويتصرف بطريقة معينة قهرية في أغلب الأحيان وربما انتقامية بإحدى تبدياته ولكنها متألمة في كل الأحوال، وغير سوية بل عاجزة عن خلق هذا الحوار الوجداني الحقيقي مع الذات ومع الرجل، وبطبيعة الحال مع الدنيا حولها».

تعرض الدراسة خمسة أنواع من الخوف يعانيها العقل النسوي العربي، كما تميز بين خوف يجب التغلب عليه وخوف صحي، مع أن كلاديس تقول: «الحقيقة، لا يوجد فقط خمسة مخاوف في عقل المرأة العربية وإنما عشرات المخاوف، ولكني ميزت خمسة أساسيين كي أقترب أكثر من بنية هذا العقل. وهي الخوف من البقاء وحيدة، والخوف من أن تُدْفَن حية، والخوف من الحرية، والخوف من المتعة، والخوف من المسؤولية». ورأت أنها «مخاوف تراكمت عبر السنين وشوهت كثيرا من بنية هذا العقل وحبسته ضمن فترة زمنية معينة ومحددة، لم يعرف كيف يخرج منها إلى الآن». أما الخوف الصحي، فهو «الخوف الذي يبعد عنها المقاربات غير المستحبة، وهو ليس خوفا بقدر ما هو حذر وانتباه».

مشكلة الحجب واحدة من القضايا الإشكالية التي غاصت فيها الباحثة لتتوصل إلى أن هذه المشكلة تكمن في «عدم قدرة عقل المرأة على التعامل مع فكرة القانون كتشريع من أجل حياة أفضل تتناسب مع المعطيات الطبيعية لهذا العقل المشرع». فالقانون هو «الفكرة المفتاح» في مجمل دراستها، وتقول إنه «أولا وجوهريا علاقة (رابطة) بين الظواهر في الطبيعة والمجتمع. وهناك قوانين عامة جدا تشتمل على ظواهر الواقع (الطبيعة والمجتمع والفكر) ونسميها قوانين الديالكتيك. ومن المفروض أن تتسم بسمة موضوعية، أي إنها موجودة وتتحرك بمعزل عن إرادة البشر ووعيهم». مثال على ذلك، قوانين العلم التي هي موضوعية، لكن العلم في مسيرته يتقدم ويتماشى مع قدرة العقل على فهم الأشياء. وهكذا، فإن هذه القوانين التي توصل إليها العلم تنطوي على ميزة التفسير والتنبؤ العلميين. وحين حاول العقل العربي الاقتراب من هذا المفهوم الطبيعي للقانون اصطدم بأمر إشكالي: أن هناك ربطا بالمعنى الديني والاجتماعي للكلمة بين الأخلاق والقانون على الرغم من تباينهما في الهدف. فـ«العقل العربي في جزء كبير منه غير قادر على التعاطي مع مفهوم القانون كما هو، وأنه عبر عقود طويلة كان هذا الأمر منوطا بمرجعيات تعتبر أعلى منه بكثير أبعدته عن أي صراع ديالكتيكي تاريخي، فيضع هو بنفسه قوانينه التي تعبر عن حاجاته وصراع أدواته. وحين أقول إن العقل العربي هكذا، فإن العقل النسوي هو أيضا كذلك، ولكن بشكل مضاعف طالما أن المرأة كانت طوال فترة وجودها، إما خاضعة لقوانين الدين وإما لقوانين المجتمع الذكورية».

كلاديس مطر التي تعتبر أن «عقل المرأة العربية منهك ليس بسبب التاريخ التعسفي الطويل فقط، وإنما بسبب إقصائه وبعنف عن أي إمكانية استخدام ملكاته». وبتطبيق مجازي لنظرية لاكان (مرحلة المرآة)، تبين الباحثة: «أين يقف العقل النسوي في مرحلة نموه». وتقول إن عقل المرأة العربية «تعرض للتشويه في بنيته وأيضا إلى تشويه صورة المرأة الحقيقية عن ذاتها». إذ إن «كثرة المراجع وتباينها، وأحيانا كثيرة لا منطقيتها، فعلت فعلها على المدى الطويل في تشكيل الصورة الذهنية/الرسمية/للمرأة عن ذاتها وعن الدنيا حولها». وبتفصيل أكثر، تقول كلاديس: «إنها صورة غير نقية وغير ذاتية الاجتهاد ومتشظية لأنها ذات مصادر متعددة. إنها ليست نتيجة لفهمها لذاتها أو للتعبير عنها أو للحوار معها، إنما هي صورة رسمتها المراجع الفوقية، كما ساعد في قولبتها العنف الاقتصادي المشروع الذي أبعد المرأة لعهود طويلة عن إمكانية الملكية والتصرف فيها». وتصل الباحثة إلى استنتاج أن «هذه الصورة المشوهة عن ذاتها التي تراها المرأة، في هذه المرآة، إنما هي نتيجة أيضا لنقص مرضي ومزمن في الحرية». وتقول إن «ما نراه اليوم من حرية شكلية في بعض دول الوطن العربي إنما أتت بسبب طبيعة النظام السياسي وآيديولوجيته ومدى فهمه لعملية التطور الاجتماعي ولم تأت بشكل حيوي تاريخي ومن حاجتها الطبيعية والدفينة لهذه الحرية».

وتفترض الباحثة أنه كي «ينتقد عقل المرأة الواقع الحالي الثقافي، عليه أن يخرج من مرحلة المرآة وأن يتطلع بعيون صافية إلى هذا الواقع». ولا تضمر كلاديس في هذا الافتراض اتهاما للعقل النسوي بالقصور. وتقول: «هو ليس قصورا بالمطلق، فملكات هذا العقل مذهلة، وقد عرفت أن تتكيف عبر الحقب مع كل أنواع العنف المشروع. لكن، ماذا نقول عن عملية حجب هذا العضو لقرون طويلة عن قدراته وشله تحت قانون العيب والأخلاق؟!!». وتتابع: «لقد كانت المعرفة محتكرة من قبل الرجل لفترات تاريخية طويلة وفي الكثير من المجتمعات، فإذا انتفى عامل المعرفة انتفت معه القدرة على الحرية أو الحاجة إليها، وبالتالي الفسحة الطبيعية للنمو».
من هنا، فإن الخروج من مرحلة المرآة ترى كلاديس أنه «يتطلب تعويضا معرفيا كبيرا لدى المرأة ومساحة حقيقية من الحرية لكي تعبر عن ذاتها ومخاوفها ورغباتها، وأن نصيغ قانونا يسمح لهذه البنية الجسدية والروحية لكي تعيش وفق معطياتها الطبيعية لا بحسب قوانين المجتمع الذكورية». وتمضي كلاديس إلى أبعد من ذلك في الدعوة إلى «تفسير نسوي للكتب الدينية لا تفسيرا ذكوريا فقط لتستقيم الأمور». وتقول: «ليس هناك مفخرة في أن تستنسخ المرأة المعاصرة ذاتها من الرجل وإنما عليها أن تكون كينونتها كما هي، كما أرادتها الطبيعة وليس بحسب رغبات المراجع ذات الدرجة الثانية. عندها فقط، يمكن لها أن ترى طريقها بصفاء وقدرة على التمييز»، مستندة في ذلك إلى أن (آيديولوجيا التدبير) في الإسلام «جعلته في حالة مرونة وقرب حتى من الفكر العلماني الذي عرفه الإسلام في بداية التأسيس لأواصر الدولة الأموية والذي بلغ ذروته مع الفكر المعتزلي». وتؤكد أن «البحث في بنية عقل المرأة يقود حتما إلى هذه الدوغمائيات المعاصرة التي سدت أفق اللاهوت الإسلامي بشكل كبير والتفنيد فيها ومعرفة غثها من سمينها. إنها في النهاية ليست أزمة عقل نسوي عربي وإنما أزمة عقل عربي جمعي».

:::::

المصدر: الشرق الاوسط