ندوة حول إشكاليات الاندماج في المهجر الاميركي

إشكاليات الاندماج في المهجر الاميركي[1]

كنعان – لوس انجلس

يعتبر ملف الاندماج في المهجر الاميركي من اكثر الملفات اشكالية وأهمية اليوم. ليس بسبب الاختلافات الثقافية التي يمكن أن يصطدم بها المهاجر العربي في البلد المضيف (أميركا) تحديد، وانما بسبب هذه الضبابية التي تلف احساسه بهويته القطرية والقومية التي قدم بها والتي هي اليوم على محك الازدواجية و التشظي والالتباس. وتحت هذا العنوان الكبير عقدت نقابة الصحفيين العرب الاميركيين في لوس انجلس ندوة جمعت كلاً من الدكتور مسعد عربيد والباحثة كلاديس مطر والدكتورة ميس جابر والبروفسور غسان الياس فتناولوا المشكلة من اكثر من جانب مفصلي هام وإن كان البحث في هذا الموضوع الاشكالي بحاجة الى تناول اوسع وأشمل.

تحدث الدكتور عربيد في البداية فقدم بعض المعطيات الاحصائية حول الهجرة والتعدد السكاني العربي في الولايات المتحدة الاميركية، ليطرح مباشرة بعدها مشكلة الاندماج من منظورين، كما ورد في مداخلته القيمة، 1) منظور المغترب العربي، و 2) منظور المهجر و البيئة الجديدة. ثم تحدث عن إشكالية العلاقة مع الآخر (الاميركي الاوروبي الابيض) وعلاقته ببقية الاثنيات الاخرى مثل الهنود الاصلانيين والافارقة والتشيكانو واللاتينو وبقية الاقليات الاخرى المهاجرة من شتى أنحاء العالم، ثم علاقة العربي بأميركا كمجتمع وحجم دوره فيه ومسوؤليتة تجاهه موضحا بعض النقاط الاساسية المقتضبة حول النظر الى أميركا “كمهجر”.

“.…يعلمنا التاريخ ان الولايات المتحدة (كمجتمع وكدولة)، مستوطنة اوروبية بيضاء. هذه الحقائق التاريخية جلية للعيان ولا لبس فيها إلا عند الذين لا يقرأون التاريخ او اولئك الذين يقرأونه قراءة منقوصة او قراءة لخدمة اجندة معينة. ولا حاجة بنا للعودة الى التاريخ او الانزلاق في جدل غير مجدي.

2) قامت هذه الدولة (والمجتمع)- من حيث نشأتها كتشكيلة اجتماعية ـ اقتصادية وكاقتصاد وسوق راسماليين وتنامت كامبريالية اميركية وعولمة مهيمنة وكاسحة (اقتصادية ـ سياسية ـ عسكرية ـ ثقافية ) كما نراها اليوم – على:

ـ أنقاض السكان الاصلانيين وإبادة الملايين منهم.

ـ استجلاب الافارقة واستعبادهم في العملية الانتاجية الراسمالية لصالح البرجوازية الاميركية الناشئة.

– اغتصاب 52% من اراضي الدولة المكسيكية عام 1848 وما عليها من بشر وثروات وموارد وضمها لما يسمى اليوم ب “الولايات المتحدة الاميركية”، واستخدام مَنْ على هذه الارض من المكسيكيين (ما يسمون ب “التشيكانو” Chicano في الخطاب الإثني الاميركي) في الانتاج الراسمالي، (تحديداً في الزراعة ثم الصناعة).

ـ العمال المهاجرين القادمين من كل حدبٍ وصوب على مدى القرون الاخيرة.”

يقول أيضا ” تأخذنا هذه المقدمات الى السؤال المقصود من وراء طرحها على ما فيه من تكرار، وهو: كيف يرى المهاجر (وبادءاً هل يرى) نفسه في هذا المعنى وهذا السياق: كونه عاملاً اساسياً وإيجابياً في بناء المجتمع الاميركي؟ ومن مشتقات هذا السؤال يأتي تساؤل المهاجر: إن كان هذا البلد “المضيف” قد وفر لي ملاذاً، او فرصة للعمل أو عيشاً هنياً وثروة مالية و… و… فانني انا ايضاً، انا المهاجر، قد ساهمت في بنائه (البلد) وكنت على الدوام جزءاً اساسيا لا يتجزء من العملية الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ الثقافية فيه. بل، لعله من الادق ان نصيغ المسألة على النحو التالي: أين تكون اميركا اليوم وكيف ستكون احوالها وقوتها (الاقتصادية والعسكرية والسياسية) لولا المهاجرين؟ وهذا يعيدنا الى قول جون كنيدي الشهير من ان اميركا بلد مهاجرين وقول اوسكار هاندلين ـ المؤرخ والاكاديمي في جامعة هارفرد الاكثر دقة:“ما ان هممت بكتابة تاريخ المهاجرين في اميركا، حتى إكتشفت ان هؤلاء المهاجرين هم اميركا”. بدون هذا الوضوح في فهم العلاقة المتبادلة بين المهاجر من جهة و”البلد المضيف” من جهة اخرى، وبدون تحديد ادوار كل طرف في هذه المعادلة الدقيقة والمتشابكة بما يشوبها من التوتر، فان المهاجر يظل مفتقراً الى “التوازن” المفترض في فهم الذات والهوية والدور في المجتمع الاميركي والانسانية بفضائها الاوسع، وبدون فهم الآخر والعلاقة مع الآخر يتعذر على المهاجر ان يعي نفسه.”

يحلل دكتور عربيد أيضا المتغيرات التي حدثت في السنوات الاخيرة الماضية في حياة العرب ويختزلها في “…مواقف ادارة بوش من القضايا العربية في البلدان والمجتمعات العربية بشكل عام وبشكل خاص إحتلال العراق، الموقف من القضية الفلسطينية والتأييد الاعمى (رغم انه كان متوقعا، إلا أنه كان موجعاً بتطرفه) للسياسات والممارسات الصهيونية في فلسطين المحتلة، المطالب الاميركية باجراء الاصلاح الديمقراطي وعولمة الثقافة الاميركية والمحاولات المتكررة لتشويه ومحو الثقافة المحلية والتدخلات من أجل تغيير المناهج التدريسية للبلدان العربية وغيرها، ثم التضييق على الحريات المدنية والحقوق الديمقراطية والدستورية للعرب والمسلمين الاميركيين واعتقال المئات منهم. “

كما يتحدث عن خصوصيات الحالة المهجرية العربية التي تتميز على حد قوله بـ “تركة الوطن الاصل (ما حملنا معنا من الوطن الاصل)، و مركزية الولاء عند العربي؛ أي الولاء للوطن والتراث والتاريخ والثقافة ومنها تتفرع اللغة والدين والعادات والتقاليد والمأكولات في الشخصية العربية. ثم إزدواجية الهوية بين القومية والقطريات العربية… إننا نحمل معنا ايضا إشكاليات وتعقيدات الهوية القومية العربية في مسيرتها منذ اواخر القرن التاسع عشر (يقظة العرب) مرورا بالحركات والاحزاب والانظمة القومية العربية (مصر، سوريا، العراق، ليبيا، اليمن…) والتي ما زالت مثقلة بالكثير من الاسئلة والقضايا والازدواجية والغبش… نحمل معنا تشابك الدين، وتحديداً الاسلام، بالهوية القومية، وما نتج عن ذلك من خلط بين الهوية الدينية والهوية القومية، التماهي بينهما احياناً والتميز أحياناً اخرى. ثم هناك البعد الجغرافي عن الوطن الاصل بما فيه من صعوبة التواصل (مقارنة باللاتينو على سبيل المثال والقرب الجغرافي من بلدهم الاصلي)، و إستهداف الوطن الاصل (في الماضي والحاضر) كموقع استرتيجي، كموارد، كسوق واسعة، كايدي عاملة رخيصة، كنفط….، والامة العربية مستهدفة في وحدتها وطموحاتها القومية والسياسية والتنموية.. واخيرا و ليس آخرا مخططات الغرب الراسمالي في تجزئة الوطن العربي والابقاء على هذه التجزئة واحتجاز التنمية.”

ويتساءل الدكتور مسعد عربيد لما يخفي العربي الاميركي هويته القومية او يتنكر منها؟ انه يرى ان ” هناك الكثيرين ممن لا يقرون بانهم عرب، وآخرون يهربون ويواربون، في حين يتحاذق بعضهم بالالفاظ ويتلاعب بالجغرافيا ويطوعها لتخدم نواياهم. باختصار إنه الاختباء من الهوية الحقيقية التي جئنا بها من اوطاننا….”

أما التسميات المختلفة التي يطلقها العربي على نفسه لفاً ودوراناً كأن يقول الفلسطيني مثلا انه فلسطيني لا عربي فلسطيني، وكذلك يفعل اللبناني او السوري… الخ او يلجأ الى تسميات اخرى كأن يقول انه من الشرق الاوسط او حوض المتوسط وغيرها من المسميات، إنما ترجع، كما يقول، الى أمرين:

“1 ) تغييب الانتماء العربي والتنكر للوطن الاصل،

2) الشعور بالدونية حيال الابيض ـ الاوروبي او الغربي بشكل عام.

اما عن التجربة الاميركية في الاندماج، فيستعرض الباحث لأهم المدارس و النظريات حول الموضوع مثل نظرية البوتقة او” بوتقة الاذابة The Melting Pot: وتدعو الى صهر كافة القوميات والاثنيات والثقافات في بوتقة واحدة من اجل خلق الانسان الاميركي الجديد New American man. والمقصود بالطبع ان يصبح المجتمع المختلط في اميركا اكثر انسجاما. “..أما نظرية نظرية الاندماج Assimilation: فهي تدعو الى التخلي عن الهوية الاصلية والاندماج الثقافي وتدّعي ان المهاجرين السابقين في اميركا احرزوا النجاح لانهم تخلوا عن هوياتهم التاريخية وتقبلوا طريقة الحياة الجديدة في البلد الجديد. ثم هناك نظرية التعددية الثقافية Multiculturalis التي تقوم على التنوع الاثني والثقافي في المجتمع، حيث تبقى كل من هذه الثقافات قادرة على الحفاظ على ذاتها وصيانه مميزاتها وخصوصياتها. واخيرا التظرية التوفيقية التي تقع بين الاندماجية والتعددية والتي تقوم على المثالحة بين الاندماجية والتعددية الثقافية وتقريب وجهات النظر والفروق بينهما..”

يختم الدكتور مسعد عربيد مداخلته القيمة بقراءة للواقع الراهن متحدثا عن اشكالية الخطاب الشكلي الرسمي الاميركي و يقصد به هذه ( الظاهرة ) التي يتميز بها المجتمع الاميركي وخصوصية العيش فيه والحراك السياسي والاجتماعي فيه وحق الاقليات في صيانة ثقافتها وتراثها ومدى تطابق هذا الخطاب مع الواقع الفعلي القائم. إنه يرى ان جدل الهوية والانتماء وهذا الاندماج إنما لم يحسم بعد في المجتمع الاميركي خصوصا هذا الصراع الكبير الذي يضع المغترب بين ولائين: لوطنه الاصلي وللبلد الذي يحمل جنسيته والذي يمارس هيمنته وقمعه العسكري و السياسي على بلده منتهيا ان معارضة السياسات العدوانية لا تتنافى ولا تتعارض مع مبدأ الولاء.

* * *

في مداخلتها حول موضوع الاندماج، تناولت الباحثة كلاديس مطر الموضوع من زاوية اخرى القت فيها الضوء على ” الشخصية القومية العربية في المهجر وضرورة تفكيك الوسط الغربي” ولقد بدأت مداخلتها قائلة:

حين أفكر بثقافتنا العربية لا أعثر على مفهوم مطور للانا او للذات العربية كشخصية قومية بمواصفات مؤثرة و متأثرة من خلال صيرورة زمانية ومكانية…اي اني اراها خارج سياق التطور التاريخي الطبيعي. بالمقابل، ارى هناك عدة ذوات عربية هنا و هناك منها المتأثر بالعولمة ومنها شديد الاضطراب بسبب الشعور بالذنب من التخلي عن الماضي و قيمه. والشخصية القومية العربية في المهجر لا تشذ بطبيعة الحال عن ذلك ان لم نقل انها تعاني اكثر من تشوه في فهمها لذاتها وادراكها لماهيتها ومعرفة ما هي الخطوط الحمراء امام الاندماج وما هي العناصر المسموح استدخالها الى هذه الذات. ما اعثر عليه هنا هو التراث فقط او الفلكلور التراثي بكل ما تحمله هذه الكلمة من أبعاد. هناك شبح هائل لهذا الفلكلور ضآلة هذه الذات و ترددها وعدم تأكدها من صلابة الارض التي تقف عليها وربما ادراك ماهيتها حتى. وهذا ليس أمرا واقعا وانما يرجع الى عوامل كثيرة:

1) غياب نقد حقيقي موضوعي تفكيكي هدفه ” تقويض اللاهوت والقضاء على الايديولوجية التي تقول بالاصل والوحدة المطلقة ” كما يقول محمد اراكون.

كما انه- اي النقد التفكيكي – يقود، كما يقول دريدا “، هجوماً ضارباً وحرباً عشواء على الميتافيزيقيا في قراءة النّصوص: فلسفيّةً كانت أو غير فلسفيّة. ويُقصد بالميتافيزيقيا التي يستهدفها التّفكيك في هجومه: “كلّ فكرةٍ ثابتةٍ وساكنةٍ مجتثّةٍ من أصولها الموضوعيّة، وشروطها التّاريخيّة”

2) إن الثقافة العربية المعاصرة غير مهياة اليوم لايجاد مثل هذا النقد تجاه هذا الواقع و ذلك لان كل منطلقاتنا ايديولوجية وليست مؤسسة وفق معيار نقدي موضوعي او علمي. والكل يعلم انه متى حضرت الايديولوجيا غاب النقد كلية.

3) المشكلة في عقلنا النقدي انه ايديولوجي (ديني) في اغلب الاحيان ان لم نقل بشكل مستمر ولهذا فانه يتعاطى مع الواقع و نقده بروح الكلية.. وهذا يعني عدم تفكيكه في سبيل نقده.والنقد التفكيكي مفيد ايضا من اجل نقد الغرب وهيمنته و نقد الجتمع الغربي و تفكيكه و معرفة ضوابطه ومنطلقاته ايضا. اذا هو حاجة ضرورية

4) ضرورة ان نفهم انه لا يوجد قراءة واحدة للواقع الثقافي الغربي الذي نسعى الى الاندماج فيه. الوسط الغربي ليس تابو او صنم و ان هناك قراءات كثيرة لعناصر الواقع وليس قراءة واحدة وهذا ما يتيحه المنهج التفكيكي اي: الاختلاف. “

ثم انتقلت بعد ذلك الى شرح معنى المنهج التفكيكي وضرورة استخدامه في تفكيك الخطاب الغربي والهوية بالذات من اجل الوصول الى حالة متوازنة من الاندماج فلا تضمحل الهوية القومية الخاصة بالعربي مع فهم عميق لمكونات الخطاب الغربي خصوصا العناصر المسكوت عنها وغير المصرح فيها في هذا الخطاب.

إن التفكيك يُعنى:

1) بنقد القيم الاخلاقية النفعية في المجتمع الغربي الراسمالي – الاستهلاكي الذي ينتمي اليه العربي المهاجر لمعرفة خصوصياته و مدى تطابقه مع روحية الانسان وقيمه.

2) تفكيك فالخطاب او الثقافة الغربية التي هي ثقافة: 1) نفعية، 2) متمركز حول الذات والعقل،

3) ثقافة لا تصغي الا الى المنطوق الشفاهي وتفضله على المكتوب فهي ثقافة شفهية اعلانية واعلامية وبالتالي فهي ثقافة لا معيار لها الا الذات المطمئنة الى ذاتها.

كما يقول دريدا.

3) ينسف التفكيك نظرية التمركز والكلية في الخطاب ويستبدلها بالنسبية والتعددية وانعدام اليقين ثم تقويض البديهيات الشفهية والثوابت. أي انه يفكك الخطاب الصمني الجاهز المحتكر للحقيقة، كما يظن، في ذاته. والحضارة الغربية مليئة بالخطابات الجاهزة التي تطلب منك ان تطيع وتطيع باسم القانون ومن اجل ان تتحول الى آلة لا تناقش ولا تنفعل حتى اكثر الاشياء قلة منطق. اذا نحن بصدد تبني فلسفة تشكيكية غرضها اعطاء سلطة اعلى للقارىء الحر الذي يعمل عقله من سلطة المصغي او المتلقي الحيادي و المنفعللهذا الخطاب الغربي. والمجتمع الغربي بحاجة لتفكيك لكي يُفهم و لكي يتم الاندماج فيه بشكل صحي. فهو مليىء، باعتباره استهلاكي، بهذه الغيبيات المطلقة و الدعايات التي تعيد تشكيل القيم الاجتماعية والتراثية للشعوب والاثنيات. “

اما القسم الثاني من مداخلة مطر فقد انصب على “هذا الصراع بين الوفاء للشخصية القومية والوفاء للبلد المضيف وهل هي في تعارض مع ما نعتقد انه صواب؟” وفي هذا الصدد تقول:

تجعلنا فكرة الاندماج في حالة صراع بين نارين:

1) الوفاء للشخصية القومية بكل ما فيها من صالح وطالح وحبس الذات في هذا الوفاء بعيدا عن اي فهم تاريخي للواقع و هذا ما يعني اننا قيد الموت. والحق إن الماضي بحاجة الى استيعاب من قبلنا وليس الى استمرارية. لان استمرارية الشيء ذاته امر مستحيل ضمن فهمنا لعملية التطور التاريخي للقيم.

2) الوفاء للبلد المضيف او الذي يحمل المهاجر جنسيته مع علمه ان سياسة هذا البلد تعمل على قمع بلده واحتلالها. ولهذا اقول ان الوفاء للشخصية القومية يعني تحويلها لقربان لا يمكن الاقتراب منه وهو ايضا يعني وفاءا كاملا للماضي بكل عجره ونجره.

هناك صراع فطري ذاتي فينا بالنسبة لموقفنا السياسي من الدولة التي نحمل جنسيتها والتي تسعى في الوقت نفسه الى الهيمنة و احتلال الدول وقمعها و تطهيرها عرقيا او القضاء عليها ثقافيا. لكن موقفنا امرا لا يتنافى مع عملية الاندماج و يجب على الذات التي تعرف مقوماتها ان تدرك ان هذا النوع “من الخيانة الثانية” هو امر شرعي طالما يتنافى اولا مع حقوق الانسانية و ليس الانسان فقط. فالاندماج لا يعني القبول او “التواطئ” مع الموقف السياسي الامبريالي او العدواني او المعادي للشعوب وللانسانية.

3) لا نريد فهما استشراقيا للهوية القومية العربية ابدا فهذا فهم يتميز بالهمينة و السيطرة والفوقية كما لا نريد بالتالي اندماجا استشراقيا يجعلنا نتبنى السياسة و الثقافة الفوقية الاستهلاكية للمجتمع الاميركي الغربي.

2) لا يمكن تجاهل السياق التاريخي في فهمنا للتراث وللذات او الشخصية القومية العربية وربطها بالمستجدات والعناصر التي تطرأ كل لحظة على البيئة والعوامل الثقافية الجديدة..هذا امر لا يمكن تجنبه لهذا نتحدث ايضا وبمعنى ما عن “القيمة الاخلاقية للخيانة” وعن ضرورة تقويض البنية الحالية للذات او تفكيكها ونقدها معرفيا لا ايديولوجيا كما نفعل كل مرة وذلك اذا ما اردنا ان نفهم عملية الاندماج ومع ماذا بالضبظ يجب على الشخصية القومية العربية ان تندمج. بعد هذا الفهم للشخصية القومية او للذات يمكننا ان نتعرف او نقرر العناصر التي نريد او نقبل ان تكون عملية الاندماج من خلالها و تلك التي لا نريد ان نجعلها تشوه او تحرف بلورة او فهم هذه الذات.”

* * *

كانت الدكتورة ميس جاسر هي المتحدثة الثالثة في هذه الندوة وكانت مداخلتها بعنوان “كيف استطاع العثمانيون تحطيم حضارتنا العربية”. على الرغم من ان العنوان ظاهريا لا يوحي بهذه العلاقة المباشرة مع موضوع الاندماج الا انه صب في عمقه تماما. ولقد شرحت الدكتورة جاسر كيف ان الدين الاسلام كان الرابط الوحيد الذي يجمع الولايات العربية تحت إمرة الدولة العثمانية. ولقد قدمت مداخلتها باللغة الانكليزية و هذه بعض الافكار التي وردت فيها والتي عملت (كنعان) على ترجمتها هاهنا من اجل غرض هذا الملف:

“لقد كان الاسلام هو الرابط الوحيد بين الدويلات العربية والدولة العثمانية، ولقد كنا عُزل كشعب و من هنا أتت قميتنا بالنسبة لهم. ولم تكن القومية العربية قد تشكلت أنذاك فتخلق او تعمل على خلق الهوية القومية العربية المنفصلة عن الثقافة العثمانية، كما كانت العلمانية (اي فصل الدين عن الدولة) أمر لم يطرح بعد. وعلى الرغم من وجود الاقليات المسيحية و اليهودية في هذه المنطقة، الا ان الحكومة كانت ترى في ذاتها حكومة اسلامية وليست عربية. ولكن ما إن تغلغل الفكر القومي وهذه الردة من اجل استرداد الهوية القومية العربية، في الوطن العربي، حتى هب الغرب لمنعها من التطور فعمل على تقسيم هذا الوطن و تقطيعه الى أشلاء جغرافيا كما بذل كل قدرته لدعم الانظمة الاستبدادية فيه.

ان العنصرية التي مورست ضد العرب خلال فترة الحكم العثماني عُمل إما على التقليل من شأنها او غض الطرف عنها. ولقد بدت، بسبب ذلك، كحوادث معزولة عبر التاريخ أكثر مما كونها صراع حضارات. و لقد عمل أتاتورك على جلب هذا الصراع الحضاري الى السطح مغيرا الاحرف العربية الى اللاتينية. “

بعد ان قدمت د. جاسر هذه المقدمة الهامة ملمحة الى أن للاندماج أسس اخرى غير الدين شرحت ” كيف أن الهوية العربية في غاية الاهمية لبقاءنا كمهاجرين عرب ( الجالية العربية) اننا لسنا فقط مسلمون، نساء، رجال، اطباء، محامون، مدرسون وصحفيون…الخ إننا قبل كل شيىء عرب. واللغة قادرة على أن تخلق هذا الرابط بيننا الذي يتجاوز بكثير السقف الثقافي والاجتماعي و حتى الشخصي. انها في الحقيقة رابط وجداني لم يُعمل على رفده وتغذيته بشكل جيد، كما لم يعطى حقه من الانتباه والتقدير.

ان القومية العربية العلمانية اليوم تخيف الغرب المهيمن اكثر مما تخيف الاصولية الاسلامية في البلاد العربية. “

“إن اللغة هي الاداة الاولى للتعبير عن الذات. انها توحدنا و تميزنا عن ” الآخر ” وتخلق هويتها الخاصة وكذلك صورتنا الخاصة. ومتى خسرنا لغتنا الام فاننا، والحال هذا، نخسر جزءا من هويتنا و الطريقة التي ننظر فيها الى أنفسنا، والنتيجة هو خسارتنا لتقديرنا الذاتي وكرامتنا. اننا نُدفع عنوة لكي نمتص ثقافات اخرى وان نندمج ضمنها لكننا لا نستطيع في الحقيقة ان نكون جزءا منها او نتحد فعلا بها. اننا نعيش على هامش هذه الثقافة مع التهديد بخطر ان نُلفظ منها في اي وقت. وحالما نلُفظ منها فاننا سنخرض منها خالي الوفاض تماما، مثل طفل او يتيم ليس لديه أب أو أم. “

اما البروفسور غسان الياس فقط أتت مداخلته بعنوان “آليّات التخاطب الإعلاميّ في المغترب ونوعيّة المعلومات المتداولة بين أبناء الجالية العربيّة واجب الإستمرارية بالتعبير السياسيّ والثقافيّ المفيد وحقّ القارئ بالنقد البنّاء”.

بدأ ب. الياس حديثه بمقدمة ممهدة قائلا: ” … حدودَالوطن والبحار إلى المهجر قد أنعَمَنا بالحرّية الفكريّة من جهة التعبير السياسيّ والحضاريّ شعوراً شخصيّاً وانتماءً عقائديّاً لكلّ ما يمتّ بصلةٍ الى إعلاء شأن المجتمع وأفراده. ولكن مقابل تلك “النِعمَة”، أصبح من المفترض علينا كجاليةٍ اغترابيةٍ التقيّد بواجب الإستمراريّة بالتعبير الفكريّ المبدع والثقافيّ المفيد. إضافةً الى ذلك، إنّه من الطبيعيّ جدّاً أنّ ينعم ويحتفظ القارئ بحقّه في النقد البنّاء والمشاركة الفعلية في قِران المجتمع بكل أركانه وحيثيّاته: شعباً وأرضاً وحضارةً وتاريخاً ومستقبلاً….. فكما الأحزاب والعقائد والجمعيّات والمنظّمات هي بأجمعها وسائلٌ لتحقيق غايات معيّنة، سرِّيةٍ كانت أم علنيةٍ، مفيدةٍ أم مضرّةٍ، فإنّ الاعلام المتوازن والحرّ والمُحِقّ يبقى من أهم الوسائل المستدرجة لتحقيق الغاية المثلى، ألا وهي “المجتمع” بأيقوناته المنبثقة عن القوّة والحرّية والقائمة على الواجب والنظام! “

بعد ذلك عمد الباحث الى تفنيد دور المهاجر بالنسبة للتحديات التي يعيشها الوطن قائلا:

” فكما الأحزاب والعقائد والجمعيّات والمنظّمات هي بأجمعها وسائلٌ لتحقيق غايات معيّنة، سرِّيةٍ كانت أم علنيةٍ، مفيدةٍ أم مضرّةٍ، فإنّ الاعلام المتوازن والحرّ والمُحِقّ يبقى من أهم الوسائل المستدرجة لتحقيق الغاية المثلى، ألا وهي “المجتمع” بأيقوناته المنبثقة عن القوّة والحرّية والقائمة على الواجب والنظام! لكيّ تنجح الجاليةُ العربيّة وإعلامُها في إبراز صورة شعبنا بأحلى حُلَلِهِ الواقعيّة، فإنّه من الحقّ الطبيعيِّ والواجبِ المضنيّ بأنّ نلتقي دومًا على أهدافٍ وحْدَوِيّةٍ تدعم ثوابتَ الوطن الصالح وقِيَمَ المجتمع الحرِّ المتكامل والنظامِ الديمقراطيِّ العَلمانيِّ العادل. لنعمل سويّةً على تحقيق كلّ ما يَصبّ في مصلحة الوطن وإعلاء شأن أبنائه حضاريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا وانمائيًّا.”

كما لفت وبشكل مؤثر ولغة جميلة ما الذي جلب الويل للأمة لكي يهرب ابناؤها او يتغربون فيها و خارجها و بسببها ومن اجلها و في اي زمن نعيش حقا؟ يرد قائلا:

في زمن المفاوضات تساهلاً وافراطاً في الحقّ القوميّ،

في زمن الطائفيّة البغضاء والعشائريّة الجاهلية، تلقيناً وممارسةً وحياةً،

في زمن المجاهرة من البعض في التعامل مع العدوّ الاسرائيليّ الصهيونيّ،

في زمن المفاخرة بنكران الهويّة القوميّة وإضعاف الصلة بالارض،

في زمن التسَيُّسِ والتزلّمِ والتبعيّةِ، والتنقّل من معسكرٍ ما الى مُعتقدٍ مُغايرٍ،

في زمن تدخُّل وتمسّك رجال الدين من الطائفيّين وأصحاب الحقد والولاءات الغريبة في شؤون الدولة والقضاء القوميَّيْن،

في زمن التمييز القاسي بين أبناء الشعب وعدم فلاح مبدأ الحقوق الواجبات،

في زمن شراء الأصوات الاتخابية بالمال الحرام،

في زمن انتقال السلطات من حاكم متسلّط الى وريثه،

في زمن المجازر بحقّ الذين تحرّروا من ما يعاكس العقل والحكمة والانسانيّة،

في زمن الخنوع للظلم والسكوت عن الحيف والاكراه والضغينة،………”

* * *

إن موضوع الاندماج و التحديات و الاشكاليات التي يعاينها المهاجر العربي في البلد المضيف إنما هي موضوع متشعب و ذو شجون كثيرة. والحق، إن مثل هذه المواضيع الحيوية، القاهرة، والتي كانت الشغل الشاغل للعديد من المفكرين العرب والجانب ابتداءا بادوار سعيد وانتهاءا بأصغر مهاجر قابع بين مطرقة الغربة وسندان الهوية، انما هي بحاجة لكي تعاد إثارتها في كل مرة يقرر احد ما ان يترك بلده وراءه ويرحل.


[1] عرض للمداخلات التي عرضت في ندوة لنقابة الصحفيين العرب الاميركيين في لوس انجلس يوم 14 نوفمبر 2010.