الموقف المبدئي في مواجهة التطبيع المنهجي

 

الموقف المبدئي في مواجهة التطبيع المنهجي

إلى يوسف القعيد ومحمد سلماوي

وجميع شريفات/اء مصر

عادل سمارة

 

تتسابق اطراف الصراع في الوطن العربي تسابقا قد لا تكتشف النظرة السطحية المسطحة وهجه وتفعاله. ولكنه سباق صراع دونه الموت. أمَّا والمبادرة لا تزال بأيدي فريق التسوية والتصفية من عرب وعجم وصهاينة، فإن تغيراً  قد فرض نفسه متجلٍ في وجود المقاومة والممانعة في السنوات الأخيرة ووصل إلى مرحلة الإعاقة الجدية للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة. بداية جميلة.

 

لذا لا غرابة أن يعجم كل عيدانه ويدخل الإشتباك آمراً أو مأموراً في طرف التسوية ومقاتلا واستشهاديا في طرف المقاومة.. فاللقاء الذي جمع رئيس سلطة الحكم الذاتي وكبير المفاوضين وسكرتير منظمة التحرير مع رئيس اتحاد الكتاب العرب والمصريين في مصر[1] محمد سلماوي وكتب عنه الأديب المتميز أدبا وموقفاً يوسف القعيد، هو لقاء مثير للجدل والنقد والرفض لأطروحة الطرف الفلسطيني والتي ملخصها الإيقاع بالكتاب المصريين للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وذلك في اللحظة التي يعلن الكيان إصراره على يهودية الدولة! وكي لا نخدع القارىء، ليس الخلل هنا في التوقيت بل في المبدأ والموقف ولعل ما ادهش الإخوة المصريين إقرار رئيس السلطة بأنه هو نفسه لا يمكنه الخروج دون إذن من الكيان الصهيوني، لكنه برَّر دعوته للمصريين بأن سلطة الحكم الذاتي سوف تحضر التصاريح[2] من الاحتلال وتسلمها لمن قد يأتي! وهذا أمر عجيب. فكأن المسألة هي في نقل ورقة التصريح بحيث لا يتسلمها المصريون من الجندي أو السفارة الصهيونية. وهكذا يتلخص اغتصاب وطن وطرد شعب وإذلال أمة في “تحرير وحمل وتسليم ورقة”. أو في عدم تلطيخ جواز سفر عربي بخاتم العدو، بينما تلطيخ كرامة الزائر وكرامة الأمة  ووعي الأجيال المقبلة وذاكرة الأجيال الحية أمر عادي. نعم ربما عادياً عند البعض، ولكن روح الأمة وذاكرتها أقوى من النّيْل منها هكذا.

 

في ذلك الاجتماع اقترح الأستاذ  محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب المصريين وأمين عام اتحاد الكتاب العرب : ” … لكنه يدعو لعقد مؤتمر في القاهرة لمناقشة قضية التطبيع في ضوء المتغيرات الجديدة، وما يمكن ان تسفر عنه هذه المناقشات نلتزم به جميعا”.

 

ومع عظيم تقديرنا للأستاذ سلماوي والإخوة في مصر وكافة أنحاء الوطن العربي، فإن موضوعة التطبيع هي الوجه الآخر لحق العودة، فإما التمسك بهذه أو تلك. وبكلمة فالتطبيع اعتراف بأن فلسطين هي أرض الكيان الصهوني. لذا نعتقد أن المطلوب مؤتمر يناقش استرتيجية لتقييم أداء مناهضة التطبيع والنهوض بها لأن جريمة التطبيع لا تحتاج لاختبار وفحص وإعادة قراءة فهي، أي التطبيع، مشروع تصفية قطر عربي وحق عودة أهله وبقاء كيان معاد بالفطرة والطبيعة والمستقبل للأمة العربية وللإنسانية. ومن قبيل التذكير لا أكثر، فقد نادى الراحل إدوارد سعيد بان يُنتج الفلسطينيون “تفكيراً جديداً لحل الصراع” . وكأن الصراع أمر غامض يحتاج إلى تنقيب وحفر وشرح. على أن الإجابة كانت ولا تزال دوما من فم العدو: نريد كل شيء ودولة يهودية خالصة لوجه الصهيونية!.

 

وبطرح لبق، اشار القعيد في مقالته بأن دافع لقاء الفلسطينيين الثلاثة بالكتاب المصريين كان لتلبية طلب أميركي حيث أُعلن أن من ضمن الضمانات الأميركية لنتنياهو كي يجمد الاستيطان لشهرين او ثلاثة ويعود للمفاوضات :” …بأن تلتزم السلطة الوطنية الفلسطينية بدفع التطبيع الإسرائيلي – العربي الى الأمام بكل ما تملك من قوة”.

 

وباخصار، كان موقف الإخوة المصريين عالياً تماماً، حيث تأكد منه بأن مناهضة التطبيع  هي موقف قومي عربي وأن قيام فلسطينيين بالتطبيع لا يعني احتكارهم للقضية كقضية عربية.

 

وجوب الكتابة

 

كنت ممن تريثوا في الكتابة عن الأمر على أهميته كي أرَ إن كان سوف يستثير فعلاً معينا. فلم أكن أرغب الكتابة بشكل فردي في أمر يجب أن تكون الكتابة فيه جماعية وطنية أو على الأقل قطاعية. جميعنا نكتب بشكل فردي في قضايا تحتمل ذلك. لكن ما دفعني للكتابة أمران، واحدهما جّللْ هو الحدث نفسه، والآخر أقل وضوحاً ولكنه اكثر خطورة. عجباً، وهل هناك أخطر من الإغواء بالتطبيع؟ نعم، إنها روافع التطبيع.

 

الأمر الجلل هو هذا الحدث ومرور هذا اللقاء الخطير مرور الكرام على الساحة الثقافية في الأرض المحتلة، ولا ندري كيف في بقية القُطريات العربية، إذ يُرغم الكتَّاب هناك، فيطيع البعض منهم ويتكيف أميبياً طبقاً لحسابات الحكام مع الحكام! فلا يبقى من الكتاب ولا من افكارهم شيئاً.  أن يدعو هرم سلطة الحكم الذاتي الكتاب والمثقفين في مصر العربية لممارسة جريمة التطبيع، هو أمر كان يجب أن يحرك مثقفي الوطن العربي ليس في بيانات بل تظاهرات. ورغم أن الدعوة اصطدمت بتراث وتاريخ وثقافة وحضارة مصر التي أثبتت أنها المركز الحقيقي والتاريخي للنهضة العربية، مصر التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المكتملة رغم إفقارها المصطنع، ورُدعت على قلعة مصر،  إلا أن هذا الرد المصري المشرف لا يعفي أحداً من القيام بواحبه. ففي  قضايا الأمة لا ينوب أحد عن أحد.

 

لم يتوجه أحد بالسؤال إلى رئيس سلطة الحكم الذاتي وكبير المفاوضين لماذا دعوا المصريين للتطبيع؟  بل وهل يحق لهم هذه الدعوة؟

 

لقد استخدم الداعون تلك العبارة المقيتة بأن “زيارة الأسير ليست تطبيعا”. وقد درج استخدام هذا التفسير في الأرض المحتلة منذ سنوات وخاصة قبل عام حينما وزع بعضهم دعوة للمثقفين العرب في مسرح “القصبة” تدعو المثقفين العرب لزيارة الأرض المحتلة على اعتبار أن أهلها اسرى! وحينها تراوحت المواقف بين من وقَّع الورقة، ومن رفض توقيع الورقة ولكنه (لحسابات عديدة) جزع من توقيع عريضة تشجب الموقف نفسه والتطبيع، وبين من دافع عن الورقة ودفع الموقف إلى مداه، وبين من رفض المهزلة جملة وتفصيلاً.

 

أي تفسير خبيث للواقع هذا! إذا كان أهل الأرض المحتلة أسرى بالمعنى المقصود في تفسير هؤلاء، فهذا يهدف نصحهم بالاستكانة وإعافء أنفسهم من المقاومة.  وراء هذه القراءة العاجزة تكمن المواقف المعادية بحقد للكفاح المسلح ويكمن الوصف الجديد الخبيث للمقاومة: “المقاومة الشعبية”.  وهو تفسير يرفض ممارسة العنف معتمداً النضال بالورود والقبلات لتحرير الوطن.

 

في الأرض المحتلة هناك أسرى حقيقيون سواء في المعتقلات أو في الفقر ومصادرة الأراضي وبين الحواجز وتحت القصف في غزة، وهناك المقاومين الذين  ذُبحوا في قلقيلية ونابلس والخليل…الخ. ولكن العرب الذين يأتون هنا يأتون لزيارة: المليارديرات، والفاسدين، والقطط السمان، وبيوت ال….. وفنادق نجوم لا تحصى والملاهي المتمفصلات عن لاس فيجاس، والمنتديات المخملية لقراءة الشعر حيث ُتقبِّلهم الحسان ويبكين ويبكوا، والمثقفين الذين شبعوا تطبيعاً فطالبوا بمفاوضات غير مباشرة وليس مباشرة، والذين يشتمون محمود عباس ويمدحون سلام فياض[3]!…الخ! يأتي هؤلاء العرب والفلسطينيين ليشدوا على ايدي الاحتلال ليشدد قبضته على الأرض والمقاومة.

 

العيب في مثقفي التطبيع…هنا

 

إذا كان السبب الأول لحث الكتابة متعلق بالخاصرة السياسية، فالسبب الثاني متعلق بالخاصرة الثقافية وهو الأخطر. هو يكمن في النصائح والمواعظ التي ينثرها “حكماء المرحلة بل أوغادها” على الأرصفة بأن مناهضة التطبيع يجب أن توجه ضد الأنظمة والحكام وليس ضد هذا المطبع/ة الفرد أو تلك. ففي بكائياتهم على المطبعين الأفراد يقولون: “…قد يأتي فلسطيني اشتاق إلى أمه بالدم، أو إلى أمه فلسطين ليراها، أو ذهبت مطبِّعة محلية للاستماع إلى شاعر أتى ليبكي في الأرض المحتلة، أو حاول مطبع أن يُقاطع مسرحاً تطبيعياً، لكن مشاعره الناعمة والمتميزة أغرته بالذهاب…” . هذا وكأن زيارة هذا أو تلك، سوف تعيد بعض الوطن! ولا أحد يسأل لماذا يسمح العدو لهذا ولا يسمح لستة ملايين بالنظر صوب شبر من فلسطين؟ أليس لهؤلاء وطن وأمهات ؟

 

قد لا أُغالط المنطق إذا قلت إن الحجج التي تُفبرك لتغطية التطبيع والمطبعين أكثر في هذه المرحلة من المرتكزات النظيفة لمناهضي التطبيع. ففي الأجواء المسمومة يطفو الرديىء على السطح، فهل هناك أعلى من الزبد،  وكما في الأزمات الإقتصادية  تقوم العملة الرديئة بطرد الجيدة من السوق.

 

ألصغار أخطر من الكبار، هم الخطر الحقيقي. فالكبار حفنة وربما فرداً، أما الصغار فهم كُثر  من حفنة إلى فئة إلى شريحة إلى طبقة إلى جيش.

 

لا تقوم الأنظمة الفاسدة أو أنظمة التطبيع على قدرات فرد، ولا تقوم الأنظمة الحقيقية على قدرات عبقري نظيف. إن نسب تطور التاريخ أو تدهور التاريخ إلى الأفراد هو من صلب أكذوبة وخبث ونفاق الفلسفة اللبرالية  التي تنسب التاريخ للفرد وهو أمر إذا ما حصل يكون مبتغاه أن يستكين الناس إلى أن يُسدي الله لهم هرقل أو جلجامش ليقلب الجبال. وليس أفضل للأنظمة من تكريس هذا الاعتقاد، بينما الأنظمة لم تكن ابداً فرداً، هي  قائدا وفئة وطبقة وتحالف طبقات.

 

يذكرني هذا دوماً بما كان ردده بوش الأب ضد العراق،  بترديد كلمتي “صدام حسين” باعتبار التناقض والحرب والصراع هو بين الولايات المتحدة وحلفائها وعملائها بمن فيهم المطبعين العرب والفلسطينيين وبين شخص واحد أحد هو الرئيس صدام حسين[4]! ولكن ماذا جرى؟ إذا لم يسمع المطبعون، فإن ما جرى هو ذبح الوطن والشعب العراقي، وبقية القطريات العربية على قائمة انتظار المذبحة. من هنا خطورة من يحملون الأنظمة والحكام على ظهورهم، سواء بالأجرة أم بالجهالة لا فرق.

 


[1]  انظر مقالة :” ‘المصور’ تكشف اجتماعات عباس بالمثقفين المصريين” في

http://www.safsaf.org/word/nov/16/10.htm، والقدس العربي وكنعان النشرة الألكترونية، 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 .

 

[2] عن حكاية التصاريح هذه سنكتب أسئلة حارقة إلى الحملة  الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل حيث تتساوق مع موقف سلطة الحكم الذاتي.

 

[3] لا توجد في الأرض المحتلة حركة ثقافية جذرية لمناهضة التطبيع. هناك من لا ينقد ولي نعمته مهما فعل، وهناك لحسابات الدخل والراتب. وهناك من يستل السيف ضد رئيس السلطة ويمتح رءيس وزرائها (لأن الأخير مصدر التمويل للراتب والتقاعد) فهل رئيس السلطة ورئيس وزرائها من دولتين؟ وهناك من يطالب بمفاوضات مباشرة ومن يطالب بغير مباشرةن اي تطبيع مباشر أو غير مباشر…!

 

[4] لافت حقاً أن كثيرين من المثقفين والحكام العرب والمخبرين بالطبع يرفضون، أو “يربأون”  قول: الرئيس صدام حسين، فما بالك حين نكتب الشهيد، بينما يقولون ويكتبون  الرئيس جورج دبليو بوش! زارني ذات يوم أحد عتاق المثقفين الفلسطينيين تحدث لثلاث ساعات، وهو شيوعي منذ ستة عقود، بنقد متواصل ضد ستالين. وحينما همَّ بالمغادرة قلت له إلى اين: قال لمقابلة …” قلت لنفسي عجباً تشتم ستالين وتتقرَّب بُغاث الرجال!