متى تحل “السلطة” نفسها؟!

متى تحل “السلطة” نفسها؟!

عبد اللطيف مهنا

 

لماذا لا تحل سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال في المحتل من فلسطين ما بعد العام 1967 نفسها؟!

 

هذا السؤال طرح في الساحة الفلسطينية منذ أمد ليس بالقريب، لاسيما بعد انكشاف التداعيات التصفوية الكارثية التي لحقت بالقضية الفلسطينية، والتي نجمت عن اتفاقية أوسلو وملحقاتها، وسرعة انقشاع الأوهام التسووية التي تم تسويقها من قبل التسوويين الفلسطينيين والعرب ورعاة ما دعي بالمسيرة السلمية  الدوليين… هذه الأيام، ونظراً لما يجري على الأرض في الداخل الفلسطيني المحتل، تطور هذا السؤال ليغدو، متى تحل السلطة نفسها؟!

 

منذ اليوم الأول سعى الإسرائيليون بمساعدة الغرب ومؤازرة ما يدعى “الدول المانحة”، وتواطؤ ما يسمى “المجتمع الدولي”، والعجز العربي، إلى توظيف الاتفاقية لصالحهم، طبقوا منها ما شاؤوه، أو ما اتفق مع سياساتهم، ومنعوا من بنودها ما لا يتفق مع مصالحهم أو لا ينسجم معها، وهو القليل.

 

بموجبها، أو في سياقها، اعترف فلسطينيو أوسلو، بمباركة معاضديهم العرب، باسرائيل، وتنازلوا بالتالي عن حوالي ثمانين بالمئة من فلسطين التاريخية لمغتصبيها، وسلموا بأن ما يقارب العشرين في المائة المتبقية من ترابهم الوطني هي أراض متنازع عليها!

 

ليس هذا فحسب، بل عبرها، تم العبث بالميثاق الوطني الفلسطيني، والغيت من بنوده تلك التي ينزع الغاؤها عنها صفة التحرير ويحولها إلى منظمة تمرير، ووضعتها الاتفاقية على الرف، حيث غدا بقاؤها في حد ذاته رهن بالحاجة إلى بصمها المطلوب على أي اتفاق في سياق تصفية القضية كهدف قادم من المفترض أن يأتي يومه في نهاية المطاف.  ومن خلالها تم ادخال ما يفترض أنه حركة تحرر، أو ما كان الجزء الرئيس والفاعل منها إلى قفص الاحتلال، الأمر الذي حول مناضليها إلى متقاعدين ينتظرون رواتبهم الشهرية التي يتكرم بها “المانحون”.

 

… وببركاتها، تم إعفاء الاحتلال من كافة التزاماته وفق القوانين الدولية تجاه الذين يحتلهم، بعد أن قامت السلطة نيابة عنه بدور البلدية لجهة الخدمات وما شابه. وبالتالي، أصبح الإسرائيليون

يتمتعون باحتلال سبعة نجوم، كما يقول جماعة السلطة أنفسهم…

 

والأخطر، أن الاحتلال قد أفاد أمنياً أيما إفادة، وكانت هذه واحدة عدها الإسرائيليون من أهم انجازاتها الأخرى التي لا تقل عنها أهمية. لأن اعادات انتشاره بموجبها قد فضت اشتباكه المباشر مع التجمعات الفلسطينية، حيث وفرت عليه خسائره اليومية في مواجهاته وجهاً لوجه المحتومة مع المقاومة، ذلك عبر احتكاكاته المباشرة مع هذه التجمعات، واعطته ميزة الإغارة أو العدوان على هذه التجمعات متى شاء وأينما شاء ووفقما يراه أقل كلفة له وأكثر أذى للفلسطينيين وينسجم مع سياساته الاحتلالية واستهدافاتها.

 

… والأدهى، أن السلطة عبر أجهزتها الأمنية التي يشرف عليها جنرال أميركي، ويصرف عليها المانحون، قد قامت بالدوار الأمني نيابة عن الاحتلال، وبالتالي، غدت موضوعياً أداة أمنية تعمل في خدمته… التنسيق الأمني، الاعتقالات، مطاردة المقاومين، وما نشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية يفصل ويعدد بالأرقام حجم هذا التنسيق ويؤشر على وقائعه، وهو غدا الأكثر من المعروف، والذي لم تجرؤ السلطة على نفيه.

 

كل ما تقدم، مقابل ماذا؟  

 

مقابل حفنة من الأوهام التي تعقد على احتمالات تكرم المحتلين بمنح مسالميهم “دولة” فلسطينية مفترضة فيما يكمن انتزاعه منهم عن طيب خاطر من أشلاء الضفة والقطاع، بمساعدة مفترضة من محتكر دور “الوسيط النزيه”، وصاحبة امتياز “راع المسيرة السلمية” المنحاز كلياً لإسرائيل الولايات المتحدة، ومساندة ما يدعى “الرأي العام الدولي”  الموهومة الذي تنشد السلطة تعاطفه غير الأكيد معها، وأريحية “المجتمع الدولي”، أو الغربي، أو عراب إسرائيل إياه وموجدها وضامن وجودها، واتكاء في غير محله على ما تدعى “الشرعية الدولية” الغائبة أو المغيبة، ومؤازرة، أو تشجيع، من قبل التسوويين العرب، أو نافضي اليد من قضية العرب المركزية في فلسطين، أو القائلين للسلطة اذهبي أنت وإسرائيلك ففاوضا، أو عرب التعلل بنحن لسنا ملكيين أكثر من الملك!!!

 

نحن هنا، ونحن نتعرض للسؤالين أعلاه، نعالجهما في سياق معالجتنا للحالة الأوسلوية وما نجم عنها، بمعزل عن رأينا، ورأي الضمير الفلسطيني، والوجدان العربي، وأيضاً الإسلامي والإنساني، الذي يرفض كلياً ألف وباء الحكاية التسووية التصفوية، التي لم تكن عبثيتها وتصفويتها خفية حتى على الواهمين، أو المستسلمين، و معهم المتخاذلين، والعاجزين، وأولئك الذين نفضوا اليد من قضية قضايا العرب المركزية في فلسطين، وانخرطوا فيها في ظل موازين القوى المختلة التي جعلت من إسرائيل تتفاوض مع نفسها، وسمحت للولايات المتحدة أن تبصم براحة على ما يقره المتفاوض مع نفسه… ومنذ اليوم الأول للحكاية الأوسلوية.

 

على أية حال، السنون العجاف، التي تقترب حثيثاً من العقدين للمرحومة “المسيرة السلمية”، التي بدأ الإسرائيليون وئدها من يومها الأول، وحيث أبنوها منذ أن اغتالوا رابين، ودفنوها حين اجتاح شارون المقاطعة، ودقوا آخر مساميرهم في نعشها عندما اغتالوا ياسر عرفات.

 

لقد أسفرت كوارثها الأوسلوية عن هذا الواقع الراهن المشهود في الضفة والقطاع، أو المحتل مما تبقى من فلسطين العرب بعد العام 1967 ووضعت فلسطينيي المحتل بعد العام 1948 تحت طائلة الترانسفير التي تمهد له “يهودية الدولة”… غطته وسهلت له مواصلة جرائمه، وأعطت المحتلين الوقت الكافي لانجاز ما تبقى من استراتيجيتهم التهويدية، التي لم تتبدل منذ أن وضعها مؤتمرهم الصهيوني الأول نهاية القرن ما قبل المنصرم.

 

القدس، هودت جغرافياً، ولم يبق إلا الفروغ من وضع اللمسات الأخيرة المتوقعة السابقة للشروع في هدم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين و بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاضه. ويتم الآن الشروع في تهويدها ديموغرافياً، عبر عملية إفراغها من أهلها هدماً وتشريداً، كما لم ينجو من معالمها العربية قيد الإزالة حتى المقابر التاريخية ومثاوي عظام الصحابة والأعلام… وآخر ما يرصد لها بعد أن أعلنت عاصمة أبدية لإسرائيل، هو قانون احتلالي جديد يعرض على الكنيست يعتبرها عاصمة لليهود في العالم!

 

باقي أراض الضفة ابتلعتها “المستعمرات”، ومزقتها الطرق الالتفافية، وأطبقت عليها المناطق العسكرية، والتهمتها المحميات الطبيعية المفتعلة، وتحولت التجمعات البشرية الفلسطينية فيها إلى معتقلات كبيرة متناثرة تخنقها الحواجز وتعزلها الأسوار التهويدية العازلة… والآن جاء دور السكك الحديدية!

 

أما قطاع غزة فالحصار الإبادي الجهنمي المدروس والمستمر منذ أن فرض بمساندة دولية وبعض عربية، يتكفل وحده بتحويل مساحته الضيقة والمكتظة والأشبه بحاوية بشرية إلى قنبلة إن انفجرت فستصل شظاياها الترانسفيرية إلى دارفور!

 

القوانين الإسرائيلية التي أقرها الكنيست مؤخراً المتعلقة بوجوب اللجوء إلى الاستفتاء حيال أية اتفاقيات محتملة قد يبرمها الاحتلال مع السلطة، وأخبار الجرافات التي تهدم القرى مع مساجدها في الأغوار الآن، ومواقف “الوسيط”، و “راعي التسوية”، و”المجتمع الدولي”، و”الرأي العام” الدولي، و “الشرعية الدولية”، والحالة العربية، والحال الفلسطيني، كلها أمور تفرض الآن، وليس غداً، طرح السؤال الذي طورته الأيام… متى تحل السلطة نفسها؟!

 

متى تتخلى عن دور شاهد الزور عبر الاستمرار في نهج “المفاوضات حياة”… هذه التي أصبحت مصلحة إسرائيلية لولاها لسارع الاحتلال بنفسه لحل السلطة، ولكان توقف المانحون عن منحها فتاتهم؟!

 

… وماذا لو فعلت؟

 

إن هي فعلت، ولا أخالها ستفعل، أو سيسمحون لها بذلك، أو هي لم تفعل. فهناك ما يستوجب الآن، وطنياً، وقومياً، فعله، حيث التاريخ لا يرحم أو يتسامح حيال عدم فعله، وهو التنادي الفلسطيني المدعوم عربياً إلى كلمة سواء، والمسارعة إلى تشكيل مرجعية وطنية فلسطينية مؤتمنة على القضية تعود بالصراع إلى مربعه الأول وتوحد شتات القوى على أساس برنامج حد أدنى مقاوم… ليست بديلاً عن منظمة التحرير، وإنما كخطوة باتجاه استعادتها إلى خطها النضالي كمنظمة تحرير لا تمرير، بإعادة الاعتبار لميثاقها، وإعادة بنائها على أسس ديموقراطية بمشاركة الجميع وطناً وشتاتاً… وإعادة القضية، وهذا هو الأهم، إلى بعدها العربي، باعتبارها قضية كل كتلة الأمة… بغير هذا يتحول طرفا الساحة الفلسطينية كليهما، المساوم والمقاوم، وصامتي العرب، إلى شهود زور على تصفية متسارعة تجري على قدم وساق.