الكيان: في التشغيل والتجنيس والتزاوج

 

قول في ما لم يُقلْ:

الكيان: في التشغيل والتجنيس والتزاوج

يغتصبون وطن فنستغل المرأة!

(الجزء الثاني)

عادل سمارة وبادية ربيع

 

فلسطينيو 1948: الضبط والسوق والمخزن

          منذ اغتصاب فلسطين 1948 تعرض من تبقى من الشعب الفلسطيني تحت الحكم الصهيوني لمختلف انواع التمييز والقمع ومن ضمنه التمييز في التشغيل. لذا حل هؤلاء في الدرجات الدنيا في سلم التشغيل في الكيان بعد أن جُّرَِدوا من أرضهم  ضمن سياسة تقشيط واستعباد وليس في عملية “برتلة” كما درج في مختلف التشكيلات الراسمالية المتطورة بشكل طبيعي.

          لقد مورست على هؤلاء الفلسطينيين سياسة “الضبط  والسوق والمخزن”.  كان الضبط لأنهم فلسطينيو، اي أصحاب الأرض الأصليين  وبالتالي فهم النقيض المباشر للمشروع الإستيطاني. ولذا يجب أن يكونوا دوماً تحت طائلة القمع الممنهج لقوى الأمن الصهيوني وهو ما تجلى في بقائهم تحت الحكم العسكري طوال فترة 1948-1966. وليس هناك ما يشير إلى أنهم تحولوا منذ تلك الفترة حتى اليوم إلى “مواطنين” متساويين في الحقوق مع اليهود.

          من حيث السوق، بقيت هذه الأقلية سوقاً مفتوحة للمنتجات الصهيونية وتم احتجاز تطويرها وتطورها بما انتهى إلى عدم تكون، بل الحيلولة دون تكوُّن، بنى طبقية في مجتمع الأقلية الفلسطينية، أي بقوا مجرد تراكم بشري لم يتمكن من تجميع بنية اقتصادية أو قاعدة مادية تفرز بدورها بنى طبقية ومن ثم سياسية وطنية قومية. وعليه فالنتوءات المتمولة في أوساطهم كانت في حقيقتها تبعاً لارتباطها بالبرجوازية اليهودية كوكيلة لها في اوساط الأقلية العربية. وضمن هذا التراكم غير المفروز طبقياً كانت قوة العمل العربية مثابة مخزن يتم استدعائها عند الحاجة وتسريحها بانقضاء الحاجة. ولذا، وقعت دوماً وراء فقراء اليهود في سلم التراتب الاجتماعي. وبقيت هذه القوة حتى اليوم مخزونا مضمونا  أو تحت الطلب للبرجوزازية اليهودية.

          وقوة العمل العربية هذه هي في غالبيتها من أصول فلاحية، اي فلاحين فقدوا ارضهم بسبب المصادرة وتحولت قراهم إلى مهاجع لهم كعمال يخرجون منها في الصباح للعمل في المستوطنات (الكيبوتسات والموشافات)  التي اقيمت على أراضيهم هم أنفسهم.

          وبالطبع، لا يمكننا تطبيق أي من نظريات التحول من فلاحين إلى بروليتاريا، نقصد بمعنى النظريات الجاهرة التي صيغت عن مجتمعات معينة وتجارب محددة والتي تلتقي في معظمها على نتيجة واحدة وهي “تحرير قوة العمل الزراعية من علاقات الإنتاج/الاستغلال الماقبل أو الغير راسمالية[1]” لأن ما حصل في فلسطين المحتلة 1948 وما تتجه إليه بقية فلسطين المحتلة 1967 ليس “تحرير فلاحين” بمعنى البرتلة، بل تجريد الفلاحين من الأرض وتجريد الملاك الصغار والكبار من املاكهم وطردهم من وطنهم. ومن تبقى جرى تقليص حيازته إلى الحد الأدنى أو حتى تجريده منها دون ضمان تحويله أو تحوله إلى عامل صناعي أو حتى خدماتي كما يحصل في حالات التحول الطبيعي من (الإقطاع، ماقبل الراسمالي/اللارأسمالي إلى الرأسمالية) بمعنى أن تحول البلد يفتح آفاق تشغيل لقوة العمل الريفية الفائضة. ففي حالة الأرض المحتلة 1948، جرى تحويل المناطق العربية إلى مخزن لقوة العمل تستدعيها الصناعة والخدمات الصهيونية حين تحتاجها فقط.

          ونظراً للخصوبة السكانية فقد تحولت هذه القرى إلى أماكن مكتظة بالسكان في مسطحات قرى محدودة جدا. ربما كانت مدينة أم الفحم نموذجاً للقرية المنتفخة كمدينة والمتراكمة مبانيها دونما تخطيط أو هندسة بناء مناسبة.

أوجه تشابه واختلاف بين قوى العمل

عمالة بديلة للفلسطينيين: يقارب عدد العمالة الأجنبية في الكيان 300 ألف شخص، وهذه العمالة هي اساساً مستجلبة كبدائل للعمالة من الأرض المحتلة 1967. ورغم أن هذه العمالة الفلسطينية هي اقل كلفة لأنها غالباً تعمل بدون أذونات رسمية، ويسهل هضم حقوقها الأساسية، كما أنها كانت قبل جدار التوسع الاستعماري[2] تعمل نهارا داخل الكيان وتعود للنوم في الضفة والقطاع، اي لا تكلف الكيان كحالة استعمارية استيطانية “مخاطر” السكنى في الداخل، وهو بالمناسبة ما حوَّل أو جعل قرى الحدود من الضفة الغربية مثابة مهاجع للعمال الذين هم اصلا فلاحين تركوا الأرض لظروف وأسباب مختلفة. وهذا الترك يترتب عليه تسهيل مصادرتها (ولهذا حديث آخر).

          شكَّلت حاجة الكيان للعمالة الفلسطينية مشكلة مستعصية، بمعنى وجود الحاجة من جهة، وعدم الرغبة في الاضطرار لها من جهة ثانية. وهذا ما تؤكده سياسات الاحتلال منذ عقود والتي ملخصها التخطيط للاستغناء عن العمالة الفلسطينية باعتبار ذلك التخلص جزءاً من ضرورات الصراع مع الشعب الفلسطيني كي يُدفع اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين للهجرة.

          لكن الكيان أخذ يتأكد أن هذه العمالة الأجنبية مثابة عبء يدفع بصدد البحث عن طريقة للتخلص منه أو تخفيفه. وهو ما أوقعه في مشكلته التاريخية مع الفلسطينيين. ففي حين أن العمالة الفلسطينية سواء من المحتل 1948 أو 1967  هي أسهل واقل كلفة، إلا ان لها كلفتها السياسية والمصيرية بما هي من الشعب النقيض. ومن هنا يدخل التطبيع في النهج السياسي للكيان بمعنى: أنه كلما حصل تطبيع عربي مع الكيان كلما صار أكثر مرونة تجاه استقبال عمالة فلسطينية. والمقصود بالتطبيع في مختلف المستويات اي الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي. وعلى هامش مشروع التطبيع كانت فكرة المناطق الصناعية (انظر لاحقا).

التمييز على اساس الأجر: يتم التمييز ضد العمالة  الأجنبية (خاصة الآسيوية) والفلسطينية داخل الكيان في الأجور كذلك مما يخلق مراتبية رباعية لمقادير الأجرة، وهذا يشبه ما كان في جنوب إفريقيا[3] قبل سقوط النظام السياسي للتفرقة العنصرية هناك، بمعنى أن المستوى الاقتصادي والثقافي لم يسقط بعد!.

          هناك في الكيان الأجرة الأعلى لليهودي الإشكنازي بقطبيه أو إثنيتيه: إثنية الإشكناز متعددة الأصول، اي الذين استوطنوا فلسطين منذ بدايات القرن العشرين وحتى التسعينات منه، وإثنية الإشكناز كمستوطنين جدداً  وخاصة من الاتحاد السوفييتي السابق. ومعروف بالطبع أن الإشكناز هم الإثنية/الطبقة الحاكمة في الكيان الصهيوني الإشكنازي[4] حيث يسيطرون على العصب الاقتصادي والقرار السياسي ومراتب الجيش العليا…الخ.

 وتأتي بعد هؤلاء في درجة المعاملة الأجرية إثنيات اليهود غير الإشكناز اي اليهود من القوميات الأخرى بمن فيهم اليهود من الوطن العربي (اليهود العرب خاصة وبقية اليهود غير الإشكناز الذين يُدعون المزراحيم).

          وفي الدرجة التالية الفلسطينيين من الأرض المحتلة 1948 الذين يحملون جنسية الكيان ويتمتع هؤلاء “شكليا” بحقوق متساوية أمام “القانون” ولكن تمارس عليهم تمييزات كثيرة خارج إطار القانون. يلي هؤلاء  العمال الأجانب ومنهم بشكل خاص الآسيويون وهناك أتراك وبرتغاليون.. الخ وفي قاع السلَّم العمال من الضفة والقطاع الذين لا حماية لهم سوى مقدار حاجة صاحب العمل الصهيوني لهم والذين يتلاشى عددهم بشكل مخطط له ومقصود.

          يبلغ الحد الأدنى للأجور حسب القانون هناك 6000 شيكل اي قرابة 2000 دولار أميركي، وهناك تقدير آخر بأن الحد الأدنى هو ألف دولار، وهذا تقدير غير منطقي طبقا لمستوى المعيشة هناك حيث متوسط دخل الفرد في الكيان قرابة عشرة اضعاف متوسط دخل الفلسطيني من الضفة والقطاع. المهم في هذا النطاق تحديداً، أن أجرة العامل/ة الآسيوي هي ثلاثة أرباع العامل اليهودي. أما أجرة الفئات الأخرى وخاصة من الضفة، فتتحدد أو تتأرجح طبقا لحاجة الرأسمالي للعامل بمعنى عدم وجود “قانون” محدد وواضح في هذا الصدد.

          لا شك أن مساومة العامل على مقدار أجرته تتم دائماً بعيدا عن “القانون” ويتحدد غالبا طبقا لموقع أو قدرة كل من الطرفين على المساومة وخاصة الراسمالي الذي ينطبق عليه قول ماركس: “راسمالية الأجر الأدنى”. ولكن في حالة الكيان هناك ايضاً الثقافة العنصرية التي تلعب دوراً ثقافياً يُترجم إلى دور أو نتائج مادية، أي ربح متأتي من تقليص أو قضم  أجرة العامل غير اليهودي.

 


[1]  في الغالب، فإن التعاطي مع هذه المسألة اي التحول تُناقش غالباً من مدخل أو مقترب تمفصل انماط الإنتاج، وهي مقاربات نظرية. فنظريات تمفصل انماط الإنتاج صيغت ومن ثم جرى تطويرها ضمن قراءة هيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي وخاصة في ابتلاعه/تصفيته، تمفصله مع نمط/أنماط إنتاج أخرى بما يحمله هذا الأمر من تغير في العلاقات الإنتاجية وفي البنى الطبقية وتحديداً في تحالف الطبقات التي يمثلها نمط الإنتاج الراسمالي والتي تمثلها الأنماط الأخرى. باختصار، نتحدث هنا عن تفاعلات وصراع طبقي داخل المجتمع الواحد في حالة تحول أوروبا الغربية إلى الراسمالية وعن الصراع القومي/الطبقي في حالة المستوطنات البيضاء وفي حالة المستعمرات الأقل استيطانية مثلا الكونغو كمستعمرة بلجيكية. المهم هنا أن حالة مثل الكونجو دارت التحولات فيها ضمن علاقة مستعمِر/مستعمَر دون طرد خارج البلد، ونفس الأمر في جنوب إفريقيا، وحتى في الولايات المتحدة سابقاً، وإن كان قد واكب كل هذه التحولات دماء كثيرة. أما في حالة الكيان، فلم يكن هناك اي مناخ لتمفصل انماط الإنتاج لأن المشروع الصهيوني هو مشروع طرد السكان واستباحة الممتلكات من أراض ومنازل، بل وطن باسره.

[2]  استطاب بعض الفلسطينيين إقامة الجدار التوسعي،  فأسموه الجدار العنصري أو العازل…الخ وهذه تسميات ناجمة عن ذهنيات وثقافة الإعجاب بالكيان الصهيوني كأبيض ونصف أبيض. ذهنيات مأخوذة بالتقرب من العرق الأبيض ونصف الأبيض وهو ما جعل جدار “الفصل” إن كان فاصلاً، مثار حزن لهؤلاء فاسموه جدار الفصل العنصري في حنين منهم إلى التواصل مع الصهاينة! ومنهم من استطاب إقامة الجدار على أمل أن يتوقف التوسع الصهيوني في التهام تراب الوطن. ولكن الذي اقام الجدار بوسعه توسيعه، والأهم أن المناخ السياسي الفلسطيني والعربي هو الذي أوصل الأمور إلى الجدار وغيره، وطالما استمر المناخ، سوف يتوسع الجدار، لذا هو جدار توسعي. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن فلسطين بقسميها المحتلين (1948 و 1967) قد شهدت عدة أنواع من الجدران غير الإسمنتية. فالمنع الذي يفرضه الاحتلال على تنقل الفلسطينيين بالحواجز الأمنية هو جدار استعماري استيطاني، ومنع دخول منتجات الضفة والقطاع إلى مناطق 1948 هو جدار استعماري استيطاني، ومنع دخول العمال أو حراك العمل هو جدار مع أن جزئي فلسطين هما تحت نفس النظام الاستيطاني الاستعماري.

 

[3] See Harold Wolpe, The Articulation of Modes of Producrion, London, Routledge & Kegan Paul 1980.

إعداد هارولد وولبي، أنظر خاصة الورقة السابعة ل أنيبال أوريغون، والورقة  هارولد وولبي.

 

[4]  بصدد الكيان الصهيوني الإشكنازي، أنظر دراسة عادل سمارة: الكيان الصهيوني الإشكنازي: معنى ومصداقية المصطلح  في مجلة كنعان العدد 142 صيف 2010، ص ص 90-123.  مصدر سبق ذكره.