عن اية مصالحة وطنية يتحدث متحاصصو السلطة في العراق ؟

عن اية مصالحة وطنية يتحدث متحاصصو السلطة في العراق ؟

جمال محمد تقي

مثلما جرى التركيز على استهلاك شعار المصالحة الوطنية، في بداية تولي نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء عام 2007 كنتيجة لتسوية عسيرة بين القوى الطائفية والعنصرية والطفيلية المتصارعة على السلطة، والتي اهلها لها المحتل الامريكي ذاته، بشروط وضمانات ورعاية ووصاية فاعلة، فانه يجري الان وبنفس الوتيرة استعادة تجربة الاستهلاك تلك، خاصة بعد ان ادت التسوية الجديدة بين ذات القوى المتحاصصة على ابقاء نوري المالكي في موقعه والذي حوله خلال الاربعة اعوام السابقة من حكمه الى قلعة حصينة يصعب انتزاعها منه، مستفيدا من صلاحيات المنصب لتعزيز نفوذه وهيمنته على كامل اجهزة الحكم، فالسلطة للاقوى بين المتعطشين لها، وطبعا ليس المقصود بالاقوى شرعيا او انتخابيا لان كلا الامرين خاضعين لابتزازات من يملك قرار التصرف بدولة ـ اللاقانون ـ والتي اقامها الامريكان في العراق، وانما الاقوى في القدرة على تكييف ما يملك من سلطة متحققة مع تطلعات المحتلين والمتدخلين في الشأن العراقي من الدول المجاورة وتحديدا ايران، فامريكا وايران متفقتان على المالكي، لكن الامريكان يريدون توازنا لا يسمح لايران وحدها التفرد بالقرار العراقي، وذلك من خلال اشراك جميع المتخادمين معها في السلطة واللعب على تناقضاتهم فيها لاجهاض اي محاولة استفرادية من قبل ايران، وما حصل من نتيجة تسووية بعد مارثون الجر والعر طيلة التسعة اشهر الماضية، اي منذ انتهاء المأتم الانتخابي وحتى الان، لهو خير برهان على ما ذهبنا اليه، فالجميع سيشترك بالحكومة على الرغم من الملاسنات والمماحكات التي تظهر حدة التنافس بين المتصارعين على المواقع المتقدمة فيها، ويخطيء من يتصور ان الامريكان يراهنون على الطالباني والبرزاني وعلاوي والحكيم ومن على شاكلتهم فقط وانما هم يراهنون مقدما على المالكي نفسه وعلى قائمته مثلما يراهنون بنفس الوقت على الصحوات والصدريين، فعندما ينخرط الجميع بلعبة الشد والجذب داخل السلطة وان تفاوتت ميولهم فانهم  سسيتوازنون حتما داخلها وتتروض تفاوتات ميولهم في اطار عام رسم ملامحه الامريكان انفسهم والذين لهم قواعد الظل بعد انسحابهم “إن انسحبوا”  في الاقليم الكردي شبه المستقل والمتلهف للحضور الامريكي والاسرائيلي، مثلما لهم قاعدة دبلوماسية ومخابراتية وعسكرية ضخمة في المنطقة الخضراء، مثلما لهم القول الفصل في ابقاء العراق او اخراجه من الوصاية القانونية لمجلس الامن وبنده السابع الذي يُلزم بما يَلزم امريكا فيه، ناهيك عن امكانية استبقاء قطعات من الجيش الامريكي في العراق حتى بعد حلول موعد الانسحاب الكامل خلال العام القادم.

كان المالكي قد اوعز الى اقامة وزارة خاصة بالمصالحة الوطنية اسماها وزارة الحوار الوطني، وظل طيلة السنة الاولى والثانية من حكمه يردد على كل الاسماع، بان هدف المصالحة هو من صميم برنامج حكومته، وان ارساء دولة القانون والمواطنة بعيدا عن المحاصصات والتقسيمات الطائفية والعرقية هو ما يوعد الشعب به، هذا اضافة لكرم شعاراته الطنانة في محاربة الفساد ورفع مستوى الخدمات،، فتوسم البعض به  خيرا، خاصة بعد تغيير اسم قانون اجتثاث البعث الى قانون المساءلة والعدالة وباتفاق جميع احزاب البرلمان، وهذا ما ساهم برفع قيمة بعض اسهم الثقة به على حساب اسهم حزب الحكيم والفضيلة وحتى الصدريين في بغداد ومعظم محافظات الجنوب، وذلك خلال مضاربات بورصة انتخابات مجالس المحافظات والتي برهنت نتائجها ايضا على ان الحزب الذي يقود السلطة في العراق ـ وهو في حالة المالكي حزب الدعوة ـ يملك ما لا يملكه الاخرون في التأثير بنتائج اي اقتراع كان سري او علني كان، بل وحتى على من يعدون ويفرزون ناهيك عن الذين يقضون بين الناس ليس بالعدل  ولكن بقوة ـ دولة اللاقانون ـ!

بعد ان تمكن المالكي من اغلب مجالس المحافظات، واسس قوات امنية وعسكرية ومخابراتية تتبعه مباشرة ولا تخضع الا اسميا لوزارتي الدفاع والداخلية، وبعد ان كون اكبر جهاز اداري بيروقراطي من المستشارين والمكاتب المتخصصة وبصلاحيات مكتب رئاسة الوزراء، ليشرف من خلاله على عمل كامل اجهزة الحكم والوزارات، مما ضخم من سلطاته التنفيذية وجعلها ذات نفاذ فوري، ومن دون المرور بالقنوات الادارية صاحبة الصلاحيات الاصلية، وفي اغلب الاحيان فأن رئاسة الوزراء ومكاتبها تصدر اوامر وتعليمات وقرارات مدغومة بها كل انواع السلطة تشريعية كانت او قضائية او تنفيذية وحتى الاعلامية  ومنها قرارات بالمصادرة والاعتقال والتوقيف وتوقيع العقود والاتفاقات، ومنح المخصصات والهبات، اصبح الطريق سالكا امامه لخطف السلطة ثانية حتى وان كانت قائمته ليست بالرابح الاكبر انتخابيا!                                                                                 

الان ومن جديد يجري تشغيل قوانة “المصالحة المشخوطة” الاسطوانة البالية  ففي اجتماع اربيل اكد المالكي وبوضوح على اهمية فتح صفحة جديدة من العمل الجدي باتجاه المصالحة، وبهمة عالية ذهب الجعفري مفصلا، عندما اشار الى ضرورة فتح حوار مع الفصل المسلحة التي تعمل بمبررات مقاومة الاحتلال، والاستجابة الى المطالب العادلة للقوى التي ترفض الانخراط بالعملية السياسية من دون ضمانات فعلية، وهكذا فعل اغلب المتداخلين من ممثلي احزاب السلطة، وما زالت كل الخطب والتصريحات تجتر نفسها بالحديث عن اهمية المصالحة الوطنية وضرورتها ومن دون طائل، بالضبط كما حصل عند اعادة تاهيل الدورة السلطوية الاولى قبل اربعة اعوام، حتى افتضح الامر في اول جلسة برلمانية حيث كان الصراع على المناصب اهم لدى اصحاب شعارات المصالحة من المصالحة الوطنية ذاتها، ما يعني جليا ان هذه القوى غير مؤهلة وطنيا لانجاز هكذا نوع من الاهداف، مما يحتم على فصائل المقاومة وكل القوى المناوئة للعملية السياسية اللاوطنية القائمة، شحذ هممها وتوحيد صفوفها وتركيز نضالها لتحرير العراق وفضح ومحاصرة الطبيعة الطائفية والعنصرية والتبعية للسلطة القائمة! المصالحة الوطنية تعني اولا اعتراف الاطراف المتخاصمة ببعضها، وثانيا تقبلها جميعا مبدأ الحوار لايجاد الحلول الملائمة لاسباب تلك الخصومة، وبما ان الوطنية هي عنوان تلك المصالحة فان تحرير الوطن من محتليه والاتفاق على مسؤولية الاحتلال القانونية عن الكوارث التي حصلت وعلى الاهمية المعنوية والمادية لتدفيعه تعويضات تساهم بمعالجة اضرارها الجسيمة، وقطع الطريق على الطامعين بثروات البلاد والمتدخلين بشؤونها، كل هذه النقاط هي مدخل لجدول اعمال اي مصالحة حقيقية يجري العمل من اجلها، ومن ثم يأتي دور البحث في سبل تلاقي البرامج والمواقف والسياسات التطبيقة، ومنها مايخص شكل الحكم ومعالجات اثار الخصومة، كوجود عشرات الالوف من المعتقلين، وسياسة قطع الارزاق ـ قوانين الفصل التعسفي من الوظيفة وحرمان الخصوم من حقوقهم التقاعدية ـ  ووجود ملايين من الفارين والمهاجرين والنازحين الى خارج حدود الوطن بعد ان تعرضوا لابشع انواع الاضطهاد والحرمان من حقوقهم المدنية من قبل قوات الاحتلال والقوات الحكومية والميليشيات التابعة لها، ان توفير ما يلزم لعودة هؤلاء وتعويضهم، اضافة لاطلاق سرح السجناء السياسيين والمقاومين او ضحايا الكيد الطائفي وعودة المفصولين الى وظائفهم هي شروط لابد منها لضمان نجاح تلك المصالحة، اما التلاعب بالالفاظ كما في حالة عمار الحكيم الذي اقترح مؤخرا الى تغييرالشعار المطروح من مصالحة وطنية الى وئام وطني، او اقامة مؤتمرات للخطابة حول المصالحة الوطنية من اجل ذر الرماد في العيون والتمويه على سياسة العداء الوطني القائمة على اساس اقصاء الاخر او اذابته بعد محاصرته واستدراجه واحتوائه من دون اي تراجع عن المسار اللاوطني الذي تنتهجه العملية السياسية القائمة منذ ان اطلقها المحتلون وحتى الان