هكذا يجب أن يُفهمَ السيِّد

هكذا يجب أن يُفهمَ السيِّد

د. أمين محمد حطيط

 

عندما اتجه رئيس الجمهورية العماد لحود لطلب التحقيق ثم المحكمة الدولية لكشف جريمة 14 شباط 2005 ومعاقبة الجناة، كان يقصد توفير أقصى ما يمكن من الأدوات والوسائل التقنية المتاحة في العالم، وتشغيلها من قبل أفضل من يتمتَّع بالنزاهة والشفافية والمصداقية في العمل والتحقيق، لأن الغياية الأساس كانت كشف الحقيقة ومعاقبة الجناة. وعندما سار معظم اللبنانين طلباً للحقيقة، حتى كاد يتشكَّل إجماع منقطع النظير في لبنان، كان الهدف أيضاً كشف الحقيقة من أجل معرفة من يريد سوءاً بلبنان، وبالتالي كانت رغبة المطالبين بالتحقيق الدولي تتجه هي معرفة الحقيقة والسعي إليها عبر أفضل معايير التحقيق الجنائي.


لكن عندما بدأ التحقيق الدولي، صُدم المطالبون به، من كيفية تعاطي بعض اللبنانيين ممن التزم بالقرار الأميركي وخضع لأميركا ينفذ إملاءاتها، ثم صدموا من مسار التحقيق نفسه، الذي بدا من اللحظة الأولى أنه لا يريد حقيقة، بل يريد معاقبة من تتخذه أميركا عدواً. وحيال هذا التطور، ظهر حذرٌ لدى من يمكن أن تُدرجهم أميركا في خانة المستهدَفين بالتحقيق ثم تُلبسهم الجريمة، حذرٌ دفعهم إلى التدقيق في ما يجري مع استمرار القبول بالتحقيق الدولي. لكن هذا الحذر لم يُحترم، واستمر الاستفزاز الأميركي، بيد لبنانية، بغية إحراج هذا الفريق، ليرتد عن قبوله بالتحقيق الدولي، وليضع نفسه في مواجهة كتلة شعبية لبنانية وازنة عدداً وأهمية.


ورغم تجاوز الدستور اللبناني في إنشاء المحكمة الدولية، ورغم كل هذا الانحراف في التحقيق، الذي تجاوز مقتضياته ليصل إلى استباحة كل ما في لبنان، من حياة خاصة أو إدارة عامة؛ ظلت الفئة المستهدفة ساكتة على مضض، واستمرت في التعاون مع التحقيق الدولي، رغم ظهور ما تبيته أميركا و«إسرائيل» من نوايا خبيثة تستهدف المقاومة أولاً، والأمن اللبناني ثانياً. وكانت المقاومة تراهن في سكوتها على براءتها ممّا ستُرمى به، وعلى عقلانية الآخرين ووطنيتهم، وهم يعرفون تاريخ المقاومة وعلوّ كعبها في مجالات الشرف والوطنية والشفافية. لكن رهان المقاومة، وإن كان صحيحاً في الشقّ الأول المتعلق بالبراءة، لم يكن كما يبدو في محلّه في الشق المتعلق بالنظرة إلى الآخر، الذي استسلم كلياً للإرادة الأميركية، وأصبح يفكر بأذنيه فقط.. إلى أن وصل الأمر اليوم إلى ما وصل إليه من تهويل بصدور قرار من المحقق الدولي ـ المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان (لن أقول قراراً ظنياً أو اتهامياً، وهي مصطلحات قانونية جنائية لا محل لها مع بلمار الذي يمارس السياسة والاستخبارات وليس القانون والقضاء) سياسي استخباري يحدد بصورة أولية (لأنه يبنى كما تسرّب على أدلة ظرفية غير نهائية وهو هرطقة قانونية غير مسبوقة في عالم القانون الجنائي)، يحدد أن الجناة في قتل الحريري عناصر على علاقة بحزب الله، تمهيداً للارتقاء إلى الحزب، ثم التمدد إلى سورية، ومنها إلى إيران، فتكون جبهة المقاومة والممانعة كلها جبهة إجرام في رأي أميركا وبلمار.


والآن، وقبل صدور القرار (هذا إن صدر)، نرى أن المسألة برمتها اليوم تظهر لمن يدقق في مسار الأمور كما يلي:


ـ ليس صحيحاً أن قرار بلمار أصبح جاهزاً للصدور (وإن كان قد كتب منذ 3 سنوات تقريباً، أي في شباط 2008)، وليس صحيحاً أن تاريخاً محدداً لصدوره قد اعتمد، وهذا لا يعني استبعاد صدور القرار كلياً في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وهو ما نراه في كل التسريبات الإعلامية والدبلوماسية معركة نفسية هدفها صنع البيئة المعادية لحزب الله لتقبل كل ما يُنسب إليه مستقبلاً، فضلاً عن الرغبة في إشغال الحزب، وجعل قسم كبير من جهده ووقت قيادته يُهدَر في مجالات لا طائل لها، فإن حققت الحرب هذه أهدافها وحضرت بيئة الفتنة في لبنان، يصدر االقرار.


ـ إن الأدلة التي يبدو أن المحقق بلمار استند إليها، هي أدلة «إسرائيلية» تصنيعاً وتوريداً، وهي ترتكز في جلها، إن لم يكن كلّها، على منظومة الاتصالات وشبكات الهاتف الخلوي في لبنان، القطاع الذي بات يقيناً أن «إسرائيل» قادرة فيه على تصنيع ما تشاء، وقادرة فيه على اختلاق ما لم يكن، وإلغاء ما كان قائماً من الاتصالات، إلى الحد الذي يجعل من الاتصالات دليلاً ساقطاً بكلّيته، حتى إنها لا تصلح لاعتبارها بدء بينة أو حتى عاملاً مساعد على تشكيل القناعة.


ـ إن المحكمة الدولية بقراراتها وأنظمتها وسلوكياتها لا تمثّل مطلقاً منصة قضائية تستدعي الاعتبار، بل إنها أداة أميركية صهيونية وُجدت للانتقام والاقتصاص من أعداء أميركا و«إسرائيل» وفي طليعتهم المقاومة في لبنان، وبالتالي تُعتَبَر مواجهة هذه المحكمة من قبل المقاومة، عملاً دفاعياً يندرج في خانة الدفاع المشروع عن النفس، ولا علاقة للحريري وذويه وللسنّة في لبنان ولأي إنسان في العالم به.


ـ إن اللبنانين في السلطة أو خارجها، أمام هذا الواقع اليقيني المتشكل، هم أمام خيارين: إعمال العقل والمنطق والسعي إلى الحقيقة وإحقاق الحق، أو الركون إلى الأميركي والتلطّي خلف شعارات ومصطلحات براقة زائفة من قبيل «مجتمع دولي» و«شرعية دولية» و«عدالة دولية»، إلخ… فإن كان اختيار للحل الأول، فإن النتيجة تكون وحدة وطنية ومواجهة الخارج بما يحفظ الوطن؛ أما إذا كان الحل الآخر، فإن من يختاره سيكون شريكاً في العدوان الأميركي على المقاومة وعلى لبنان، ويكون قد دفع الآخر إلى الدفاع عن نفسه لرد العدوان الأجنبي هذا. وأهم ما في الشأن، توقيت الاختيار: حيث إن اللبنانيين مدعوون للحسم في وقت يكون للحسم والاتفاق معنى وجدوى، أما التسويف والمماطلة حتى صدور قرار بلمار السياسي، فلن يكون في مصلحة المماطلين، ومَن ظنّ أن المقاومة ستقبل بعد صدور القرار والإساءة إلى سمعتها وشرف شهدائها وكرامتهم أن تفاوض بمنطق «أنتم القتلة ماذا تعطوننا حتى نعفوَ عنكم؟» يكُن مخطئاً للغاية، لأن المقاومة ستردّ بمنطق «أنتم المعتدون المفترون فهل ستتوبون وتعودون عن عمالتكم حتى نقبل بكم؟» لأن المقاومة لن تفاوض أحداً لتُقنعه ببراءتها بعد أن يكون قد صنع ولفق دليلاً للعدوان عليها، بل إن للمقاومة «طريق ذات الشوكة» حتى تدفع العدوان عنها وهي التي اختبرت أن العدوان لا يُردّ بالتمني والتفاوض، بل له طريق واحد يرد به، وهو ما أتقنت المقاومة استعماله من فكر وعقل ولسان وسلاح وقبلها الإيمان.

:::::

أستاذ في كليات الحقوق اللبنانية
عميد ركن متقاعد وباحث استراتيجي

المصدر: “البناء”، http://www.al-binaa.com