عربية مجندة في صفوف الجيش الإسرائيلي

 

 

عربية مجندة في صفوف الجيش الإسرائيلي

(المصدر: http://www.alwatanvoice.com)

قول في ما لم يُقلْ:

الكيان: في التشغيل والتجنيس والتزاوج

يغتصبون وطن فنستغل المرأة!

(الجزء الثالث والأخير)

عادل سمارة وبادية ربيع

بين منع الزواج  وزواج وتكاثر:

يقوم قلق السلطات الصهيونية من العمالة الأجنبية على إشكالية تحول هؤلاء إلى أقليات إثنية في أكثرية يهودية. لذا، تكمن وراء هذا مسألة احتجاز تكاثرهم عبر الزواج وبالطبع الإنجاب. ولكن، بينما تتحكم السلطة الصهيونية بالعمالة المستجلبة من الخارج سواء بالإقامة أو التزاوج فإن قوة العمل الفلسطينية من المحتل 1948 تختلف في وضعها عن قوة العمل الأحنبية (الاسيوية) المستجلبة من حيث الإقامة والتزاوج، والحصول على الجنسية. وبالمقابل، فإن قوة العمل من المحتل 1967، لا تُمنح الجنسية الإسرائيلية ولكن بوسعها التزاوج من يهوديات/يهوداً وبالتالي التكاثر، ولكن لا يُسمح لها بالإقامة داخل الكيان إلا في حالات العملاء الهاربين من الأرض المحتلة 1967. كما يمكن لفلسطيني/ية من 1967 الزواج منه/ها في المحتل 1948. وربما يعود عدم استمرار هذه الزيجات بين فلسطينيين ويهوديات  إلى كونها مرحلية/مصلحية عابرة، أو إلى مشكلة تحديد دين الأولاد، والتي بالنسبة للكيان يجب أن يحمل المولود ديانة أمه كما أنها بالنسبة للفلسطيني مشكلة هوية!

          إذن يتساوى/يتشابه العمال الفلسطينيون من الضفة والقطاع مع العمالة الأجنبية في الوقوع تحت طائلة الاستغلال في مواقع العمل والاضطهاد القومي كذلك شأنهم شأن العمالة الأجنبية، ولكن لا يستطيع القانون في الكيان منع فلسطينيي  الاحتلال الأول 1948 من التزاوج مع اليهود لأن الفلسطيني الذي في الأرض المحتلة 1948 يحمل الجنسية الإسرائيلية بمعزل عن كونها فُرضت عليه منذ عام 1948.

          ورغم أن إمكانية التزاوج بينياً أو مع يهود/يات واردة في حالة الفلسطينيين مقارنة بالعمالة الأجنبية، إلا أنها محصورة في حالات محدودة. منها بعض أعضاء الحزب الشيوعي راكاح (الراحلين إميل توما وصليبا خميس)  الذين تزاوجا  لأسباب إيديولوجية (برأيهم)  محاولين بذلك إثبات “أخوة الطرفين. وهو موقف منطلق من قناعة الحزب الشيوعي بالاعتراف بالكيان الصهيوني والذي هو موقف تطبيعي مبكر قادته حماسة غير ناضجة لشيوعية جرى اختراقها صهيونياً. وبالطبع ليستا هاتين الحالتين هما الوحيدتين، إلا أن هذا لا ينفي بقاء هذه الزيجات محدودة  وذلك غالباً لعوامل قومية سياسية رافضة للتطبيع حتى قبيل بلورة شعار مناهضة التطبيع في مصر عام 1978 اي بعد اتفاقات كامب ديفيد حيث رُفع في أعقابها  شعار مناهضة التطبيع شعبيا بين الفلسطينين والعرب ولا زال يتطور ويشتد.

          وهناك العملاء الهاربين من الأرض المحتلة 1967 وخاصة خلال وبعد الانتفاضة الأولى تزوجوا من يهوديات. وعدد هؤلاء غير محدد ولكن بوسع المرء تصور أنه ليس قليلا حين نتحدث عن تجنيد عملاء على مدار عقود وضمن صراع تناحري لا يتوقف.

          وهناك زيجات سماسرة العمل من الضفة والقطاع الذين لضمان استمرار استجلاب الشغيلة من الضفة والقطاع إلى الكيان واقتطاع عمولات هائلة من أجورهم،  تزوجوا من يهوديات للحصول على الجنسية. وهذه حالات من الاستغلال الواضح تماماً للمرأة. كما أن عدد هؤلاء ليس قليلا إذا وضعنا في الاعتبار قيام هؤلاء بترتيب رحلات المعاناة اليومية لأعداد من العمال بدأت ب 5000 يوميا عام قبيل عام 1970 ووصلت في سنوات القمة إلى 150 ألف عامل مسجل رسمياً ناهيك عن غير المسجلين.

          وهناك حالات قليلة في أوساط فلسطينيي 1948 عاشوا في الموشافات والكيبوتصات وتلقوا تعليما في التكنولوجيا، والمحطات الزراعية والمعاهد الدينية وتدريس التوراة…الخ[1]. وهذه مختلفة عن الزيجات الإيديولوجية بمعنى انها مصلحية بحتة دون اعتبارات فكرية إيديولوجية ولا قومية بالطبع.

          والسؤال هل زيجات فلسطينيي 1948 و 1967 من يهوديات/دا هي تطبيعية؟ هل هو نضال “قومي” أو صهينة؟ وهل هذا الزواج المخروق قوميا هو تطبيع؟ لِمَ لا! وباستثناء زيجات الشيوعيين ذات الخلفية العقيدية، بغض النظر عن رأينا فيها، فإن مختلف الزيجات الأخرى هي حالة استرقاق وتنفُّعٍ  واستغلال للمرأة اليهودية بمعزل عن المسألة العرقية والدينية والطبقية لأنها تتم على أرضية استغلال يهودية المرأة لتحسين مكانة غير اليهودي. وعلى النقيض،  تزوج يهود  من فلسطينيات في نطاق منظمة التحرير الفلسطينية وانضموا إليها، فهل هذه تطبيع من وجهة نظر الصهيونية[2]؟

          تستثير هذه الحالات نقاشاً ليس فقط فيما يخص التهويم الإيديولوجي لدى بعض الشيوعيين الذين لم يروا في هاتيك النسوة حقيقة كونهن مستوطِنات، بمعنى أن المسألة ليست في العرق والدين بل هي في حالة الوجود الفيزيائي حيث تعيش هذه السيدة في بيت سيدة فلسطينية وتستملك وتستغل ارضها! كما تستثير حالات الزواج المصلحي، أو حتى المعاشرة أو المساكنة المصلحية سواء مصلحة تعليمية، دراسية بحثية في العلوم أو الآداب والتذرع بدراسة مقارنة الأديان…الخ تستثير نفس السؤال بشأن السيدة اليهودية. وينطبق الأمر على سماسرة استجلاب الشغيلة من الأرض المحتلة إلى الكيان الصهيوني بزواجهم من سيدات يهوديات لتحقيق مصالحهم المادية.

لا شك أن التمسك الشكلي الصهيوني بالقانون يحول دون رغبتهم في منع هذه الأنواع من الزيجات على الفلسطينيين لأن بوسعهم منعها بطرق عدة. وقد يعود عدم المنع إلى قناعتهم بأنها تخدم في جانب كبير رغبة الصهيونية الجامحة في تركيز التطبيع مع الفلسطينيين والعرب ولو بأثمان عالية. لذا، تحاول قيادة الكيان استثمار المستوى القانوني بالضغط على فلسطينيي 1948 للعمل في أجهزة الشرطة والجيش حيث يعزف العرب عنها سوى في حالات نادرة،  رغم المغريات التي تقدمها السلطات الصهيونية لمن يقبل بدخول هذه الأجهزة.

          بكلمة أخرى، طالما الأمر قانونيا على هذا النحو، تحرص سلطات الكيان على استثمار أية علاقة مشتركة بين يهود وعرب سواء في الزواج الإيديولوجي أو النفعي أو الثقافي وبالطبع دخول الأجهزة الأمنية. في هذا السياق صرَّح  رئيس أركان الجيش الصهيوني جابي أشكنازي:

          “…  بأنه من الواجب إلزام كل شاب يبلغ من العمر 18 سنة على الانخراط في الخدمة العسكرية أو تخييره بالخدمة المدنية، مشيراً في كلمة ألقاها خلال زيارته لأحد معسكرات التجنيد “أن الوضع الراهن تغير ويجب على العرب واليهود المتدينين التجند للجيش[3]، ومن يرفض ذلك يمكنه الانضمام إلى الإسعاف أو للشرطة أو الإطفاء” طبقاً لما نقلت اليوم عن لسانه وسائل إعلام إسرائيلية.

هل المناطق الصناعية جزء من الحل؟

          ليس هذا مجال مناقشة جوهر والهدف من إقامة مناطق صناعية على أنقاض حدود 1967، فلهذا بحثه الخاص. ولكن من  أهداف إقامة هذه المناطق: تثبيت الاعتراف بالكيان، وإبقاء تبعية وإلحاق الضفة والقطاع كمحيط لاقتصاده (وهذا يتضمن شل المقاومة)  وليس كجزء من بنيته التجنيسية، ناهيك عن الاستغلال بالمضمون الطبقي والاضطهاد القومي.   هو استغلال الشغيلة من الضفة والقطاع في مناطق هي في أراضي الضفة والقطاع ملاصقة للخط الأخضر،  وبذلك يدخل ما ينتجونه إلى الكيان ولا يدخلون هم أنفسهم إلى هناك، وفي حالة نجاح هكذا سيناريو/مشروع يمكن توسيع المناطق الصناعية بحيث تستوعب عمالة عربية ايضاً، وتقوم بمسح حدود 1967 كلياً. لكن هذا الحل ليس مؤكد الحصول بمعنى ان أولوية الاحتلال هي طرد الفلسطينيين إلى الأردن، مما يعني أن تشغيل هؤلاء العمال في المناطق الصناعية لن يكون مضمونا لأن الطرد هو السيناريو الرئيسي تاريخياً. ولكن، على ضوء الضغوطات لتسويات مؤقتة ومنها “دويلة في أجزاء من الضفة والقطاع”، تُطرح سيناريوهات مساعدة منها السلام الاقتصادي الذي طرحه الليكود بقيادة نتنياهو وقبلت به “لا مباشرة” الرباعية الدولية وخاصة ممثلها توني بلير، واشتغل عليه “بإخلاص” البنك الدولي وضمن هذا السيناريو تكون المناطق الصناعية الحدودية هذه. وهي مناطق لن تكون عقبة أمام الطرد الشامل حين يحين الوقت. وهذا ينطبق على الجدار الاستعماري التوسعي بمعنى أن امتداده ليس أبديا، فيمكن للكيان توسيعه باتجاه أراضي الضفة الغربية متى شاء.

أين النسويات من الأمر!

رغم المحاولات الخجولة لمنظمة العمل الدولية إلا أنها تتعاطى بين الفينة والأخرى مع ظروف ومعاملة الشغيلة الفلسطينيين في الكيان. وطال التعاطي مقتطعات الأجور، والحقوق النقابية والضمان الصحي…الخ، إلا أن متابعة ومن ثم تطبيق حقيقي لهذه الأمور لم يحصل وبالتالي لم تثمر.

          ولكن ما لم يتم التعرض له أو يبحثه أحد بعد هو السياسات في الكيان تجاه العمالة النسائية المستجلبة من الخارج سواء للأعمال الخدمية والإنتاجية أو لتجارة الجنس، وكذلك وضع النساء اليهوديات اللائي استغللن في مساكنة وزيجات مصلحية مؤقتة وعابرة من قبل موظفين وباحثين فلسطينيين أو إيديولوجيين من المناطق المحتلة 1948 و من أو سماسرة  عمل أو مخبرين وعملاء أو من المحتل 1967 ؟

 

يفتح إهمال هذه المسألة سؤالا حول دور النسويات الغربيات اللائي لا تنقطع زياراتهن إلى المناطق المحتلة سواء في ورشات العمل والبحث الأكاديمي وورشات الأنجزة، حيث يركزن جميعاً، إما على دراسات عن اللاجئين الفلسطينيين من مدخل اختبار متى سينسى هؤلاء وطنهم وتوظيف البحوث والأطروحات المتعلقة باللاجئين كمصافي إخبارية لمعرفة موقف اللاجئين من حق العودة وتوجيههم بعيداً عنه، أو تحريض النسويات الفلسطينيات على الابتعاد عن العمل الوطني السياسي باعتباره “برأيهن” في خدمة الرجال، وبأن البلد بعد التحرير سيعود للذكور ويُلقى بالمرأة في المطبخ.  وينصحن النساء الفلسطينيات بالتوجه والتركيز على مسائل الجندر والتعنيف والشرف وحصص في مقاعد الانتخابات وحتى تعليم أو تدريب النساء الفلسطينيات على المفاوضات كما تفعل مؤسسة مفتاح[4] أو مؤسسات سويدية اللائي يركزن على نساء الشهداء بتسميتهن “الفاقدات” في مشروع لتبيان أن العمل الاستشهادي هو جريمة من الاستشهادي تجاه اسرته!.

وتنصح النسويات الغربيات النساء الفلسطينيات بدخول مشاريع وأنشطة مشتركة مع النسويات في الكيان الصهيوني ضمن مهمة هي تطبيع النسويات الفلسطينيات على قبول الاستعمار  الاستيطاني الصهيوني لإبعادهن عن المقاومة بما هي الهدف المطلوب رأسه دوما من الغرب الرأسمالي بذكوريته وأنثويته.

في هذا السياق من المفترض حتى لو من قبيل التغطية أن تقوم النسويات الغربيات بإيلاء وضع النساء المستجلبات من الخارج والنساء اليهوديات المستغلات بعض الاهتمام بدل ان يكون شغلهن الشاغل هو التحريض ضد مشاركة المرأة الفلسطينية في النضال ضد الاحتلال[5].

لا نقصد هنا أن تعمل النساء الفلسطينيات مع الغربيات داخل الكيان من أجل النساء المستجلبات، لأنه هذه مهمة لا يسع الفلسطينيات المساهمة فيها كما ويُعتبر أي عمل مع نسويات صهيونيات هو تطبيعاً. ولكن بوسع النساء الفلسطينيات نقد ظروف استجلاب وتشغيل هاتيك النسوة الأجنبيات في أدبياتهن ودعايتهن كجزء من تعرية سياسات الكيان الصهيوني ونقد النسويات الغربيات كاستشراق نسوي.

ومرة أخرى، في هذا السياق يمكن إثارة السؤال المتعلق بالنساء اليهوديات اللائي تم ويتم استغلالهن من قبل فلسطينيين سواء سماسرة تشغيل العمال أو مخبري الثقافة أو أية ممارسات تطبيعية  أخرى. أليس هذا المجال هام ومغرٍ للمؤسسات النسوية الغربية كي يتنبهن له؟ ولكن لماذا لا يفعلن؟

وحتى داخل مناطق الحكم الذاتي، الضفة والقطاع، لماذا لا تهتم المؤسسات النسوية ومؤسسات حقوق الإنسان ومنظمات الأنجزة المحلية أو الغربية المستفحلة هنا، لماذا لا يهتممن بتشغيل النساء واستخدامهن تشغيلا واستخداما جنسياً في الضفة والقطاع، وفي الكيان كذلك؟ ونعتقد أن ما ورد في تقرير اليونيفيم 2008 ليس إلا جزءاً من المشكلة بمعنى حجمها العددي وخطورتها القومية وارضيتها المادية الطبقية  وفظاعتها الإنسانية.

          إن ابحاثاً في مختلف هذه المسائل هي ضرورية. وهي لا شك تخرج عن النسق الدارج والسائد، اي المسموح به والذي يزكيه ويموله التيار السائد. ولكن، متى كان الحقيقي والصحيح هو ما يوجهنا إليه التيار السائد، أو ما تهتم به الدول المانحة للبعثات والبحوث؟ وطالما يغض المانحون والأنجزة الطرف عن استغلال النساء والعمال فماذا يصنعون واين ينفقون وعلى مَنْ!

 


[1]   كي يتماهى مع المستوطنين في الكيبوتسات، وهذه حالات قليلة، يُطيل هؤلاء شعورهم كضفيرة ويلبسون الطاقية المستديرة بدون مقدمة ويستغل بعضهم نساء هناك في المساكنة وللمصلحة كمعبر للزواج من فلسطينيات. يمكننا وصف بدء الزواج بسيدات يهوديات والانتهاء بفلسطينيات بأنه امتداد لتراث الزواج من “الجواري – وهذا من جانبنا  لغرض التشبيه فقط”  كتدريب قبل الزواج من “الحرَّة – وهذا لغرض التشبيه فقط” ! والكثير من هذه الزيجات لم تستمر. حدثنا أحد هؤلاء الفلسطينيين في لقاء بمنزل فلسطيني آخر  من مناطق 1948 يعيش في رام الله أنه ترك مستوطنة “واحة السلام” على أرض بلدة عمواس المحتلة والمهدمة منذ عام 1967 إثر  شجار مع مستوطن نجم عن اقتتال كلبيهما!

 

[2]  سنناقش التطبيع في 1948 في مقالات مقبلة  في قراءة لبعض أوراق حملة مناهضة التطبيع الأكاديمي.

[3]  يدخل الجيش الصهيوني القليل جدا من العرب، وقد حصل أن أُعلن مؤخرا عن دخول إمرأتين المجندتين الفلسطينيتين إلينور جوزف وأميرة الهيب في ذلك الجيش.

[4]  

See info@miftah.org, www.miftah.org, First published in 2008.

 

 [5]  أنظر الدراسة الجيدة لأميرة سلمي:

Hasso, 1998; Tucker, 1993  في: عن النساء والمقاومة والرواية الاستعمارية، أميرة محمد سلمي، مواطن 2009 ص 61.