المقاومة الشعبية بين المفهوم والمراد

 

المقاومة الشعبية بين المفهوم والمراد

بقلم الاعلامي: خالد الفقيه

 

كثرت في الآونة الأخيرة التصريحات الصادرة عن أركان السلطة الفلسطينية من رأس الهرم وحتى دعائمه ولحقت بها بعض من القيادات السياسية التي تنادي وتنظر للعمل الشعبي أو المقاومة الشعبية أو المقاومة السلمية كما يحلو للبعض تسميتها، وعند الخوض في تفاصيلها وما المقصود منها يتجلى أن المطلوب هو إيجاد حالة وطريقة للتنفيس عن الغضب المحتقن في صدور الفلاحين والمواطنين تجاه ممارسات الاحتلال الصهيوني على الأرض والمتمثلة بسرقة الأرض وهدم المنازل وتهويد القدس وتشويه معالمها التاريخية وتزوير طبقاتها الأثرية والحضارية.

 

والبعض يحاول إيجاد عمق وبعد تاريخي لهذا النوع من النشاط الميداني بإسناده إلى العام 1917 عندما خرجت الجماهير الفلسطينية للتعبير عن رفضها لما تضمنه وعد بلفور المشؤوم وما تلى ذلك من إضرابات ومظاهرات ضد حركة الهجرة الصهيونية إلى فلسطين التاريخية ما قبل نكبة العام 1948، وظلماً يحاولون القول بأن الانتفاضة الأخيرة كانت خطأً أو إعتراها الخطأ بتحولها إلى انتفاضة نخبوية سيطر عليها العمل المسلح بعكس الإنتفاضة الكبرى التي إندلعت عام 1987 والتي يوغلون في وصفها بالشعبية وأنها عمت كل قطاعت الشعب الفلسطيني وهذا أمر في ظاهره الكثير من الصحة ولكن الترويج له واستحضاره له دلائل أخرى هذا على الصعيد الوطني.

 

أما على الصعيد الدولي فلا يألوا أصحاب هذا التوجه ولا يتركوا مناسبة إلا ويذكروا فيها بكفاح نيلسون مانديلا والمهاتما غاندي ضد الاميريالية البيضاء في الهند وجنوب افريقيا بالاعتصامات والاضرابات التي يقولون أنه لم تسل فيها قطرة دم وآتت أوكلها حرية فيما بعد، وهنا غني عن التذكير بتجربة فيتنام التي ترافقت فيها كل أوجه الكفاح من الشعبي إلى المسلح وصنعت إنتصاراً لا زال العالم المقهور يتغنى به.

 

وبالعودة إلى الدعوة لاقتصار المقاومة على الشق الشعبي منها لا بد من إبداء بعض الملاحظات على هذا التوجه مع الاقرار بعدم التقليل من هذا النوع من التحركات الميدانية للجماهير الغاضبة.

 

1-إعتقاد أصحاب هذا التوجه بأن المسيرات الشعبية وما يرافقها من حركة تضامن دولية مع الفلسطينيين في التعبير عن رفض الجدار العنصري ومصادرة الأرض وتفريغ البيوت من سكانها في القدس ستحرج إسرائيل لا مكان لها من الصحة، فدولة الاحتلال تتعامل مع نفسها كدولة فوق القانون بل تضرب به عرض الحائط وهي لم تنفذ قراراً دولياً واحداً يخص الفلسطينيين وقضيتهم، بل هي تمعن في إجرامها يوماً بعد أخر.

 

2- الإعتقاد بأن التحول في السياسات والاستراتيجيات الوطنية نحو بناء مؤسسات الدولة المنتظرة التي طال انتظارها من شأنه أن يجلب المزيد من الدعم الدولي المساند للقضية الفلسطينية الذي يمكن أن يتحول إلى إعتراف دولي بدولة فلسطينية وفق ما يريد الشعب الفلسطيني ليس إلا محض خيال وأماتي وكأن أصحاب هذه الرؤية ينسون أو يتناسون بأن الفيتو الأمريكي بالمرصاد لا سيما وأن الولايات المتحدة قالت بأن أي توجه في هذا الإطار نحو الأمم المتحدة لن يكون إلا تصرفاً أحادي الجانب، وكأن إجراءات إسرائيل على الأرض ليست إجراءات أحادية الجانب، وفي حال تم ما يتمناه هؤلاء فإن الاعتراف لن يكون إلا بدولة وهمية لا وجود لها على الأرض وهذا يعيد التذكير بفكرة حكومة المنفى.

 

3- طرح هذا الخيار كخيار وحيد واستراتيجي يعني خلع فكرة الخيارات الأخرى من ذهن الشعب الفلسطيني والإبقاء على خيار بديل التفاوض هو التفاوض حتى لا يخسر الشعب الفلسطيني المعونات والإعانات الدولية التي يتلقاها والتي لا يعلم أحد إن كانت ديوناً سيتكبل بها الفلسطينيون وأحفادهم جيلاً بعد جيل مع تركيم فوائدها المتدحرجة.

 

4- من حقنا أن نسأل أصحاب هذه الرؤية والتنظير، أليست المقاومة التي ينادون بها ويعملون لها لا تعني إلا التعبير عن الغضب بالسقف الذي يسمح به الاحتلال دون تعديه؟ وهل المطلوب أن يشتبك المواطنون المتظاهرون مع المحتل بالكلمة واللافتة فقط؟ وهل المطلوب مسيرة حدودها الهتافات اللاهبة والغاضبة التي يستثمرها بعض السياسيين لمصالهم الخاصة لتعظيم رصيدهم الميداني والجماهيري بإطلاقعم العبارات النارية أمام عدسات الكاميرات لتنتهي بوابل من قنابل الغاز السام والقنابل الصوتية إيذانا بانتهاء المسيرة ورجوع كل إلى بيته وحياته نهاية كل أسبوع؟

 

5- إن المقاومة السلمية تعني أن تقبل باعتقالك والاعتداء عليك من قبل الاحتلال ومستوطنيه دون أن ترد العنف الممارس ضدك حتى لا تتهم بأنك غير سلمي وحتى لا تفقد شهادة الدول والمؤسسات التي عودتنا القيادات على وصفها بعدوة الشعوب ومصاصة دمائها كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول الاستعمارية التي دمرت العراق واحتلته ولم يسلم منها ومن ويلاتها أي من شعوبنا العربية.

 

6- أليس من الجائز والمنطقي التلويح بالخيارات الأخرى المتاحة أمام شعبنا والمكفولة بالشرعة الدولية وتوظيفها في خدمة بعضها البعض كبدائل من شأنها أن تجبر الاحتلال على الإنصياع لإرادتنا كما ‘نصاع الفرنسيون لإرادة الجزائريين وقبلها لإرادة الفيتناميين؟ ألن تنصع واشنطن للعمل المسلح والسلمي الذي أدارته الثورة الفيتنامية؟

 

وبالمختصر إن التمترس خلف هذا الطرح وحده يعني تحويل رفض الاحتلال على الأرض إلى نبضات موسمية محددة بتواريخ وضوابط توحي بالاتفاق الضمني بين المنظمين والاحتلال لحدودها وآفاقها.

 

وبالعودة إلى مفهوم المقاومة السلمية فما يساق حول هذا المصطلح فلسطينياً ليس إلا تشويهاً للحالة والواقع فحركة مانديلا في جنوب إفريقيا زاوجت بين كل أشكال المقاومة ولم تكن بالشكل المسخ الذي ينادى به في بلادنا وحركة غاندي لم تكن بالشكل الذي يساق ويروج له، فصحيح أن غاندي كان من أنصار التحرك الميداني ولكن الكثير من أتباعه تمردوا عليه وعابوا عليه التمترس خلف هذا الشكل فقط.

 

وفي تاريخنا المعاصر إتصفت إنتفاضة العام 1987 بالمقاومة الشعبية حقاً وبكل المعايير فحين أحرق الفلسطينيون بطاقات هوياتهم شكل ذلك حالة إرباك لجنود الاحتلال ومؤسستهم العسكرية ولم يعد بإمكانهم التعرف على من يقف أمامهم فكيف الحال الآن إذا ما تكررت الحالة ماذا سيفعل المحتل مع أربعة ملايين فلسطيني؟ هل سيعتقلهم؟

 

الإنتفاضة الأولى كلفت المحتل مبالغ مالية باهظة فاليوم الإنتفاضي الواحد كان يكلفه عشرات الألاف من الوجبات الميدانية لجنوده في شوارع وأزقة المدن والأرياف والمخيمات، وبحسب دراسات سابقة فإن خمسة عشر ألف حافلة من شركة إيجد تضررت وكانت دولة الاحتلال تتكفل بإصلاحها، عدا عن ألاف سيارات المستوطنين بالإضافة إلى تكاليف وضع الشباك المعدنية على زجاج آليات الجيش الميدانية من سيارات عسكرية، كما لا ننسى أن الإمتناع عن دفع الضرائب للمحتل أرهق موازنة دولة إسرائيل التي كانت تتكفل بقاطعي التعليم والصحة، أما اليوم فمن حقنا أن نقول أن الاحتلال الحالي هو أرخص إحتلال عرفته البشرية.

هذه هي المقاومة الشعبية يا سادة.