رياح التفكك الهابة على القرن الافريقي لن تستثني اثيوبيا!

 

رياح التفكك الهابة على القرن الافريقي لن تستثني اثيوبيا!

جمال محمد تقي

 

في عهد الامبراطور هيلاسي لاسي كانت اثيوبيا تمثل اخر ما تبقى من الامبراطوريات التقليدية في العصر الحديث، اي تلك الامبراطوريات التي تحتوي في احشائها على شعوب وامم وكيانات عديدة، وتخضع لمركز قوي معمد بروابط التاريخ والجغرافية، كما كان الحال ايام روسيا القيصرية، وايام الامبراطورية العثمانية. وعندما سقط هيلاسي لاسي عام 1974 بانقلاب عسكري “ثوري” قاده منجستو هيلا مريام احد الضباط الكبار واليساريين في الجيش الامبراطوري، لم يتغير الحال فيما يتعلق بالطبيعة الامبراطورية للنظام، ونقصد هنا علاقته بالكيانات والامم الخاضعة للمشيئة الحاكمة في اديس ابابا. ويبدو ان انعكاسات الصراعات الدولية بين القطب الامريكي والسوفيتي على مناطق النفوذ في القرن الافريقي كانت عاملا فاعلا في ايقاظ تلك الشعوب او بعضها لنيل ما فاتها من رياح التحرر والانعتاق، مثلما كانت هي ذاتها وفي احيان اخرى عاملا حاسما لكبت الكثير من التطلعات المشروعة لتلك الشعوب، والتي ما زال بعضها يعيش على حافة الحضارة الحديثة بفعل عوامل عديدة ابرزها، حالة عدم الاستقرار السياسي والاداري والتنموي التي تعيشها كنتيجة حتمية لصراعات البحث عن الذات، وايضا كضحية للصراعات الدولية التي تستثمر في نقاط ضعفها.

 حركة التحرير الارتيرية لم يكن لها ان تحصل على ما حصلت عليه لولا انحدار الاتحاد السوفياتي وانفراد امريكا بنظام منغستو من خلال تركيزها على اقامة اوسع تحالف سياسي وحركي وقبلي وعسكري اثيوبي معارض وبركيزة اساسية مكونة من تحالف الجبهة الشعبية بزعامة افورقي مع جبهة تحرير اثيوبيا بقيادة ميلس زيناوي للانقضاض على نظام منغستو. فالرعاية الامريكية لم تكن سرية وهذا مؤتمر لندن الذي جمع اطراف المعارضة الاثيوبية كان بتنسيق من قبل وليام كوهين مساعد وزير الخارجية الامريكية، حيث تمخض المؤتمر عن اتفاقية تقضي بالعمل المشترك لازاحة منغستو واقامة حكومة انتقالية بقيادة زيناوي مقابل التزام الاخير بمنح ارتيريا حق تقرير المصير وتسليم مقاليد الامور فيها الى افورقي، وفعلا تم اسقاط منغستو عام 91 وتم استقلال ارتيريا الكامل عن اثيوبيا بعد عامين من هذا التاريخ، بتفاهمات منداحة نحو الوجهة الامريكية الاسرائيلية، وذات الشيء بالنسبة لاثيوبيا.  اما اقليم اوغادين هذا الاقليم الصومالي تاريخيا وجغرافيا، والذي تقطنه قبائل صومالية مسلمة خاضت كفاحا مسلحا للانعتاق من السيطرة الاثيوبية، فلم حصل على ما يريد لان ما يريده لا يصب لمصلحة السوفيات ـ على ايام سياد بري ـ ولا يصب لمصلحة امريكا بعد الاطاحة بنظام منغستو، فهو ما زال يتحين الفرصة السانحة لانتزاع حقه في تقرير مصيره، شعب اوغادين الذي يزيد تعداده عن الخمسة مليون والذي تزيد مساحة اقليمه على ربع مساحة اثيوبيا يعمل مجددا من اجل تحرير نفسه، خاصة وان هناك حقائق جديدة تعيشها المنطقة برمتها، واهمها ان زيناوي وحزبه يسيرون بالبلاد نحو ديكتاتورية جديدة تعتاش على افتعال المشاكل مع الجوار وايضا من خلال اللعب على التناقضات الداخلية بين الشعوب والاقوام المنضوية تحت الخيمة الاثيوبية، وان مراهنة الامريكان واسرائيل على الدور الاثيوبي ليكون شرطي القرن الافريقي قد حفز النظام الارتيري لمراجعة مواقفه خاصة بعد الحروب الحدودية المكررة بين البلدين، لذلك نجد رفضا ارتيريا للتدخل الاثيوبي بشؤون الصومال ومحاولة استضعافه بتكريس حالة تشظيه، بنفس الوقت نجد رفضا للمساعي المحمومة من اجل تقسيم السودان واسقاط حكومته المركزية، وهنا يتسق النظام الارتيري مع نفسه فهو يقود دولة ذات اغلبية مسلمة وتتخللها الاصول العربية قديما وحديثا، ويمكنها ان ارادت ان تعول على الحركات المعارضة للنظام الاثيوبي الذي يتصف بالشيفونية الدينية والاثنية المغطاة بنمط من الحكم الفدرالي غير العادل، هذا اذا اخذنا بنظر الاعتبار بان الاصول الاسلامية والعربية تشكل العمود الفقري لاكثر من 45 بالمئة من سكان اثيوبيا ذاتها، لا كما تدعي الاحصاءات الحكومية غير الدقيقة من ان نسبتهم حوالي 30 بالمئة!

الشعب العفري هو احد الشعوب العربية القديمة التي ما زالت تحتفظ بلغتها القديمة المكتسبة من الحامية نتيجة اختلاطها بالشعوب الكوشية في القرن الافريقي الذي هاجرت اليه قبل حوالي 4 الاف سنة، والان يشكلون ما نسبته 4 بالمئة من سكان اثيوبيا وهم يقطنون منطقة خاصة بهم ـ المثلث العفري ـ وهي تعتبر خامس اقليم اثيوبي من حيث المساحة، ولهذا الشعب امتداد ديموغرافي في ارتيريا حيث يشكلون هناك مانسبته 10 بالمئة من السكان، ولهم امتداد ديمغرافي في جيبوتي بنسبة سكانية تقدر بحوالي 50 بالمئة  العفريين بالمطلق مسلمين، ويتطلعون لتحررهم واقامة كيانهم المستقل، وفيهم قوى منظمة تعارض النظام الاثيوبي الذي يميز بين الاقاليم ذات الاكثرية المسلمة وتلك ذات الاكثرية المسيحية من حيث مشاريع التنمية البشرية والخدمات وايضا الاستثمارات المرصودة من الميزانية العامة للاقاليم هذا اضافة للتميز في سياسة التوظيف والتمثيل في الحكم، ومن مطالبهم احترام الحدود التاريخية لاقليمهم في اثيوبيا وضرورة تثبيت تلك الحدود بخرائط رسمية معتمدة.

لي اصدقاء من عفر اثيوبيا يؤكدون عزم اهاليهم ونخبهم وتنظيماتهم غير المعلنة على العمل مجددا لنصرة اخوانهم اهالي اقليم اوغادين من اجل استقلاله كما يعملون هم انفسهم على اقامة كيان عفري مستقل عن اثيوبيا يقيم علاقات تكامل مع ارتيريا والصومال وجيبوتي، وهم يتطلعون لتفهم وتضامن عربي واسلامي لنصرة قضيتهم العادلة، خاصة وان سياسة التبشير الغربي تتمدد في القرن الافريقي بعد ان قطعت اشواطا في اوغندا وجنوب السودان، هذا اضافة للتغلل الاسرائيلي المتفاقم في اثيوبيا ذاتها وتسربه الى جنوب السودان بعد ان بنى لنفسه طوقا حصينا في جنوب وغرب القارة السمراء.