شهداء الجزائر… لم يغادروا

شهداء الجزائر… لم يغادروا

فلا نامت أعين تغدرهم بالتطبيع

عادل سمارة

       رغم ما حل ببلد المليون ونصف شهيد من احتراب وفساد وخصخصة وفقر  وتغلغل أميركي إلى جانب وبالتنافس مع الفرنسي، إلا أن البلد ظل محمياً بحضور أرواح الشهداء. شهداء الجزائر يعودون كما أكَّد الطاهر وطار، وهو بينهم اليوم. يعودون، لأنهم لم يُغادروا. ولأنهم لم يُغادروا يبدو أن من الصعب الغدر بهم وبمشروعهم. وإذا كان للجزائر أن عانت بعدهم الكثير، فهي محتفظة بشموخها برفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وما نتمناه أن تصر الجزائر على رفض التطبيع مع القاتل الفرنسي الذي لم يعتذر بعد! ولا يهم إن كان رفض الاعتذار نتاج عنجهية العنصري الأبيض أو لأن أنفه مُرِّغت في الوحل رغم مسيل دماء شعبنا.

        لم ندر بعد لماذا لم يحصل الوفد المفترض من فلسطينيي الاحتلال الأول 1948 على جوازات سفر من دولة عربية أو غير عربية لدخول الجزائر. وقد حاز غيرهم على جوازات كهذه وكان مصيره أن اصبح مدرسة في التطبيع، وهو ما نربأ بهم عنه.  وقد يكون عدم الحصول هو اللافت أكثر من عدم السماح لهم بدخول الجزائر. هل رفضت دول عربية منحهم جوازات سفر مؤقنة كي لا ينزعج الكيان؟ أم لأنها كانت تريد تمرير أو فرض التطبيع على الجزائر؟ أوكسر شوكة رافضي التطبيع؟

        ليس المقصود هنا التقليل من أهمية هذا الوفد، ولا رفض حقه في زيارة بلد عربي، ولكن، إذا كان الثمن هو تمرير لحظة تطبيعية، فلا شك ان رفض دخولهم كان موقفا جميلا ومشرفاً.

        قد يبدو هذا الحديث ساخناً وسيقول البعض: هذا حديث  متشنج ومتخشب. ليكن، ليس هذا بيت القصيد. بل إن بيت القصيد أن نقول نحن للعرب، كل العرب، حتى إذا ما تراخينا نرجوكم ان لا تتراخوا. وللتراخي في الأرض المحتلة بشقيها 1948 و 1967 تراث وحاضر. هنا يُبرر  التطبيع بسرعة مقلقة ويحظى التطبيع هنا بالغفران: غفران الشخص لنفسه وغفران المرء لصاحبه وغفران الوسط المحيط للفرد ولأكثر من فرد. هناك طأطأة وتلطي عن التطبيع، ولولا أن التطبيع مغفور له هنا لما كان لوفد من الفلسطينيين الذين فرضت عليهم جوازات سفر الكيان أن يفكر بزيارة بلد عربي  بجوازات الكيان، بلد يرفض التطبيع.

        علمتنا التجربة على الأرض هنا أن معالجة مطبِّع واحد أصعب من معالجة سرطان من النوع غير الحميد، فالتطبيع لا علاج له. بل الأمر أخطر لأن المطبع يتحول إلى داعية للتطبيع في العلن مغطيا نفسه بما فعل غيره ليبين أنه لم يقم بالتطبيع طالما غيره فعل وظل مقبولا بين الناس.

        دخول حاملي جوازات سفر الكيان إلى قطر عربي مؤشر على اعتراف قطر عربي بالكيان، وهو إن حصل سيُتخذ مبرراً للعديد من القطريات التي تحلم بمعانقة صهاينة عتاة لوطىء اراضيها!

        بوسعنا في الأرض المحتلة ليس فقط التضامن بل التواصل مع الأسرى ونحن هنا. لذا، ليس شرطاً أن نعبر لهم عن حبنا وامتناننا من هناك فقط.

        ليس هذا القول تقليلاً من قيمة المؤتمرات وصداها، ولكن، كي يعرف المواطن العربي أن المؤتمرات كثيرا ما تكون فرصة سياحية أكثر مما هي شغل للهدف. ولعل أوضح مثال عليها مجيىء بعض المثقفين العرب إلى الأرض المغتصبة ليمارسوا سياحة باسم الوطن  ولكن على اشلاء الوطن نفسه. وهذا يعني ان عدم حضور فريق معين هو أمر مقبول لا سيما إذا كان ثمن حضوره سقطة سياسية قومية لقطر تاريخه النضالي يحول دون سقوطه رغم ما يُحاك ضده.

        وأخيراً، لا بد لنا نحن الفلسطينيين أن نقول للعرب خاصة، أن استمعوا من الأرض المحتلة للأسرى وللمخيمات وللطبقات الشعبية أي للذين عانوا ويعانون وسيعانون من عسف الاستعمار الاستيطاني هذا، فلسان حال هؤلاء يقول: إن الخطوة الأولى على طريق تحرير الأسرى هي في رفض التطبيع. وهذا يستدعي في الحقيقة تشكيل هيئة شعبية عربية لمتابعة المطبعين من حكام ومثقفين وأكاديميين ومن مختلف الفئات. لا بد من حملة شعبية ضد التطبيع تشمل من يطبعون مع الكيان ومع أنظمة التطبيع ومع الدول التي ترعى الاحتلال كسيدة له أو تخدمه كوطيئة له، لا فرق. عندها لن يشعر وفد 1948  بالمرارة كما لن نغضب نحن.

        لعله أمر عظيم ان يقوم الجزائريون بواجبهم تجاه الوطن المغتصب، لكن ما نحلم به  أن يأتينا العرب محرِّرين لا متضامنين وحسب. ولكن، كي يأتوا محررين، لا بد أن لا نكون نحن مطبعين!.