تغطية الكرمل

 

تغطية الكرمل

محمد الأسعد

ملاحظة من “كنعان”

عزيزنا محمد،

 

ما تكتبه جيد وحقيقي، ولكننا نود الإضافة إلى أن كثيرا من المذيعين والإعلاميين العرب يعرفون حيفا وكل فلسطين والماساة بكل تنفاصيلها، لكن الانظمة والحكام يمنعونهم من قول ما يشير إلى حقيقة الكيان الصهيوني . هناك الجهل وهناك العمالة، ولا ندري ايهما أخطر.

 * * *

قبل عقود من حريق غابات الكرمل الأخير، بأحراج زيتونها وصبارها وأشجار خروبها، رأي الكاتب الصهيوني المدعو “إبراهام يهوشع” في مايشبه الكابوس هذا الحدث، وتخيل كيف إن حريقا أتى على غابات الكرمل، فكشف عن أساسات بيوت القرى الفلسطينية، وأظهر الى العيان ما حاول  الكيرين كيمت، أي صندوق  الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، إخفاءه حين غطى أنقاض القرى بالمزيد من الأشجار غير المثمرة.

 

كان ذلك كابوسا بالنسبة لهذا الكاتب، وهو كابوس شبيه بالكوابيس التي عاشها المستعمرون الذين جلبوهم من بلغاريا وتركيا وكردستان والمغرب وأسكنوهم في قرى الكرمل بعد اقتلاع سكانها العزل بالتهديد والمذابح. كان كابوس المستعمرين الأوائل هؤلاء، حسب رواية صهيوني آخر هو “ميرون بنفنستي”، رؤى تراودهم لعيون مهددة تنظر إليهم ليلا وتحيط بهم من كل مكان، وكان أصوات صرخات الفلسطينيين الذين ذبحتهم عصابات الهاغاناه في أسرتهم وعلى أبواب بيوتهم وعلى طرقات الكرمل الوعرة، وكانت أحجاراً تتساقط عليهم من السماء. ويقول بنفنستي إن هذه الرؤى هي التي كانت وراء هروب الصهاينة من قرى الكرمل، ومن ثم اتخاذ قرار بتدميرها، مع الإبقاء على قرية عين حوض، وتحويلها إلى مستعمرة “فنانين”.

 

لهؤلاء الصهاينة كوابيسهم، ولكن الكابوس الذي ألم بي وأنا أتابع أخبار وصور الحريق الهائل الأخير على شاشات الفضائيات العربية كان كابوسا من نوع مختلف. كابوس أن شاشات الفضائيات العربية بدا أنها غير معنية بمعرفة  أن جبل الكرمل الفلسطيني تم احتلال قراه وتدميرها بالقوة المسلحة بين آيار وتموز من العام 1948، وإن الأسماء التي تداولها مذيعوها، مثل “دالية الكرمل” و” عسفيا” و “عين حوض” هي قرى الفلسطينيين، وليست مستعمرات صهيونية، وإن قرانا الأخرى التي هدمت مثل “أم الزينات” و “إجزم” و “عين غزال” و “بلد الشيخ” و “جبع” ما تزال أنقاضها شاخصة تحت الأشجار الخبيثة التي زرعها الصهاينة. بالطبع هناك مستعمرات زرعوها في جبلنا، بجوار قرانا أو على مبعدة منها، ولكن هذه جزء من المشهد الملفق الذي اصطنعه المحتلون.

 

حين يظهر خبر من هذا النوع الذي سمعناه وشهدنا صوره، ألم يكن الأولى بعباقرة الإعلام العربي أن يعرّفوا المشاهد أيا كانت جنسيته بحكاية هذا الجبل ومأساة أهله، سواء منهم من لا زال يعيش بين شعابه في قرى لا تعترف بها دولة الإغتصاب، أو من شردتهم المذابح على طرقات المنفى؟

 

لقد أضاف هكذا إعلام، يغطي حدثا في الجبل الفلسطيني كأنه يغطي حدثا بين هضاب القمر، كابوسا إضافياً إلى كوابيسنا السياسة والإجتماعية والأخلاقية حين مُسحت فلسطين عن الخريطة العربية، وتحول فيها أبشع محتل لبلد عربي إلى حليف استراتيجي، إنه كابوس الوعي الضائع، أو الزائف إذا أردنا الدقة. وفي مثل هذا الكابوس لا يتراءى فقط إعلام أبله غير مسؤول، بل ثقافة غادرت مسمياتها، بعد أن غادرت معناها وأصبحت رغوة كلام تنقل ما لا تعيه، وتعرض ما لا تفقهه، وتتباهى بالمهنية والموضوعية والحقيقة.

 

أين المهنية والموضوعية والحقيقة لدى من يجهل أو يتجاهل أن جبل الكرمل الفلسطيني أرض محتلة لها أصحابها، وإنه تحت الأشجار المحترقة سيشهد من يتجول هناك صخور بيوتنا وصبارها وآبار مياهها وشواهد قبور إخوة وأخوات وأمهات وآباء؟

 

كان كابوسي الأول الذي يلازمني منذ الطفولة هو مشاهد سكان قرى الكرمل، والطائرات تلقي عليهم قنابلها، وجحافل العصابات الصهيونية تجتاح بيوتهم ليلا، فيفر من يستطيع الفرار، ويسقط من يسقط بين الصخور قتيلا، ويقع في الكمائن اليهودية من يقع. ولم يكن يخطر ببالي أن يواجهني يوماً كابوس ثقافة النسيان والتجاهل وتملق قطعان المستعمرين، ثقافة إعلام لايفقه إن الحاضر بلا ماض يصبح مقطوع الرأس، كسيحا لن يقوى على العبور إلى غده، ولا إلى أي غد ممكن.

 

وأتساءل الآن، كما تساءلتُ في الماضي، ترى هل وضعت هذه الثقافة وهذا الإعلام لافتة “ممنوع الإقتراب” على حافة بحيرة فلسطين وأهل فلسطين؟

 

كنت في ستراسبورغ الفرنسية ذات يوم أروي أمام جمهور حكاية جبل الكرمل، فاعترض أحد الحاضرين على طرح الموضوع من أساسه بحجة أنه ماض وانتهى، ونحن اليوم نعيش واقع عملية سلام واتفاقيات، فقال أحد الحاضرين: ولكن هذه الرواية تتحدث عن واقع قائم أيضا. وذكره بملايين اللاجئين المنتشرين في المنافي، واللاجئين الذين يعيشون بالقرب من قراهم المدمرة حتى هذه الساعة  وهم ممنوعون من جني محاصيل زيتونهم ودفن أمواتهم في مقابر قراهم المهجورة. اللاجئين الذين محت وجودهم اتفاقياته مع المحتلين، وقال، حتى وأنت تفكر باتفاقياتك، أليس المنطقي أن تأخذ أهلك اللاجئين بالحسبان؟ أن تأخذ الماضي الحي في الحاضر إذا أردت السلام الذي تزعم أنك ذاهب إليه؟

 

المفارقة أن المعترض كان “فلسطينيا”، أما من رد عليه فكان مصريا “يهوديا” تم تهجيره إلى فلسطين في الخمسينات، وما زال يتمنى أن يعود الفلسطينيون إلى قراهم  في الكرمل حتى يشعر باكتمال انسانيته المفقود.