التطبيع يسري في دمِكَ

 

صدور كتاب جديد:

التطبيع يسري في دمِكَ

من استدخال الهزيمة إلى تأسيسٍ لنفيها

تأليف عادل سمارة

 

 

اسم الكتاب: التطبيع يسري في دمك

اسم المؤلف: عادل سمارة

الطبعة الأولى: جميع حقوق الطبع محفوظة 2010

الاخراج: 751541 / 01 – 841829 / ABAAD GRAPH 03

الناشر: دار ابعاد

لبنان بيروت الحمرا بناية رسامني الطابق 7 الهاتف: 751541 / 01

Email: info@abaadpress.com – Website: www.abaadpress.com

التوزيع: الفرات للنشر والتوزيع

بيروت الحمرا بناية رسامني طابق سفلي أول

ص.ب 6432 – 113 بيروت لبنان

هاتف: 750054 – 1- 00961

فاكس: 750003 – 1- 00961

Email: info@alfurat.com

 

إهداء

 

إلى من اغتال وعيها/ه/م التطبيع اليومي والمالي ومتعة اللحظة وكلها تطبيع طبقي، إلى من أعاق التطبيع وعيه/ها وكان العجز عن تمييز التطبيع من الحرية الفردية وتمييز المطبعين من المناضلين، إلى من هزه/ها التطبيع فارتبك الوعي أمام السوق، فاضت روح “الجنين” فركع/ت! إلى فلسطين وقد حزَّها التطبيع من الوريد إلى الوريد… فانبعثت… عِيلَ صبركم وقد صَمَدَتْ ، عمَّا قريب ستأخذكم الدهشة كيف…انتفضت!

 

تقدير

كل ما هو على الأرض للجميع ومن الجميع، لا يُنتج المرء ما لم يبنِ على معارف الآخرين وجهدهم، لا نتاجاً خالصاً لامرىءٍ وخاصة في المستوى الكفاحي. شكري إلى الرفيق مسعد عربيد الذي تابع هذا العمل وحرَّضني لإنجازه وفي هذه المرحلة تحديداً، وإلى الصديقة كلاديس مطر وهي لا تكلُّ تناقشني مخاطر التطبيع والصديقة بردى يوسف التي قرأت النص وأفادتني في الفكرة والمعنى واللغة معاً. والشكر موصول الرفيقة سوسن مروَّة وإلى عناية زوجتي، وإن كنت بقيت على العهد والموقف بعد تصهين الكثيرين فهي قُوَّتي الداخلية.

 

تقديـــم

لماذا يدور الحديث والجدل عن التطبيع؟ ولماذا تجب مناهضته؟ ولماذا الاختلاف عليه؟ ما هو المناخ التاريخي والأساس السياسي ومن ثم الاجتماعي الاقتصادي الثقافي النفسي لحصول التطبيع وبالتالي بدء مناهضته؟

قد يكون مفتاح هذه الأسئلة هو الحدث والتاريخ! وفي هذا السياق هو وقوع هزيمة أدَّى عدم ردِّها أو تجاوزها إلى تجذُّرها واستدخالها أي تحوُّل الهزيمة من مستوى السيطرة بالقوة إلى مستوى الهيمنة تمثُّل الهزيمة واستدخالها وهو ما أفرزته بالضرورة القوى المهيمنة التي تخشى تطور المقاومة وتخشى تطور مشروع الهيمنة البديلة والنقيضة هيمنة القوى الشعبية التي لها مشروعها للهيمنة الشعبية لها طموحها لهزيمة هيمنة العدو بهيمنتها وتصفية سيطرته. واستدخال الهزيمة في الأرض المحتلة لم يعد فردياً، هناك قوىً بقضها وقضيضها تعتاش على مؤسسات خلعتها عليها أوسلو والأنجزة NGOs وأنظمة المركز والحكومات غير الحكومية وخاصة النرويج والسويد والدنمارك – . دول في خدمة دولٍ يتعيشن من حمل  الطيب والبخور للإمبريالية الأميركية والصهيونية والاتحاد الأوروبي. فبالمال والتمويل ومن ثم التموُّل اختُرق الأدعياء في كل فكر: شيوعي، ماركسي، لبرالي، قومي، إسلامي. اخترقت المدرسة والجامعة وبيعت كليات بأكملها. كيف لا ومشروع التسوية هو خطة منهجية تكتنف البيت والمدرسة والجامعة والنوع والحزب والفكر حتى أصبح النشاز أن تنقد التطبيع وأن تدعو للمقاطعة.

والأرض المحتلة ليست كما يُعرِّفها دهاقنة التطبيع الرسمي العربي ومثقفي التطبيع، اي ليست مناطق الاحتلال الثاني (1967) التي لا يخجلوا من تسميتها فلسطين لطمس فلسطين الأم وواجب حق العودة  بل ايضا وأساساً مناطق الاحتلال الأول 1948. هناك التطبيع أعرق وأعمق، فبعد أن كان عضو الكنيست من العرب خائناَ صار اليوم في نظر دهاقنة التطبيع بطلا قومياً ومفكراً لا يُشق له غبار بعد أن أكل من ذهنه معهد “فان لير” بكل حضوره الصهيوني وما بعد الصهيوني، وبعد أن تتلمذ وقضى مثقفون ردحاً من الزمن في الكيبوتصات الصهيونية صاروا قوميين متشددين وغطوا انفسهم بدراسات التوراة! وبعد أن حمل بعضهم كتاب التكريم من الدولة اليهودية تقديراً لخدماتهم في جفعات حبيبة والكنيست، صار قديساً عند مثقفي الأنظمة العربية. لذا، هذا الكتاب موجه أولاً للجزء من شعبنا في الاحتلال الأوَّل ليعرف ويتنبه لمن اسماهم الرفيق أحمد حسين المتعاقدين، ولمن منعه تأدبه الجم عن ذكرهم، اي المتعاقدين سرَّاً في الثقافة والبحث والسوق!

بعد كل ما كُتب وقيل في التطبيع من قِبَل كثيرين/ات ومن أفضله كتاب الراحلة سناء المصري تمويل وتطبيع، فهو يكشف مقدار التركيزعلى تخريب النخبة النسائية النشطة في مصر، لكن  تركَّز  محتواه على المستوى السياسي التحريضي اليومي والتسجيلي والوقائعي، وكل هذا عالي الأهمية، صار ضرورياً الشروع في تناولٍ مختلفٍ لهذا التحدي المعمَّم. تناولٍ يتخطى المستوى السياسي الجاري ولا يهمله، يتعدى التسجيل لهجمة التطبيع المنهجية والجارية راهناً من الأطراف المعادية ذات المصلحة وممارسات المطبعين اللامحدودة. لذا، وجدت من المشروعية بمكان أن يتناول هذا الكتاب بالنقد أطروحات مفكرين غربيين بِيضاً سواء الماركسيين المركزانيين أو ما بعد الحداثيين المضادين للماركسية وللاشتراكية والقومية، ولكن من زاوية تبحث وتؤكد أن مآل من يتبع هذه الأطروحات، قصد ذلك كاتبوها أم لا، هو التحوُّل إلى مطبِّع، فهم يُسوِّقون التطبيع عبر مشروعهم التكفيري بمختلف السرديات الكبرى ومنها الاشتراكية والقومية، تكفيرهم بأي نضال، بينما نحتاج نحن لكل نضال!.

طرأت ضرورة هذا التناول قبل بضعة اشهر اثناء تقديمي محاضرتين في التطبيع ومناهضة التطبيع. لكن مادة الكتاب كانت تتجمع في ذهني وأوراقي منذ كامب ديفيد 1978، ولاحقاً إثر لحظة اغتيال الرفيق ناجي العلي على يد المطبعين في 22 تموز 1987. 

هل تأخرنا إلى درجة أن صار الحديث عن التطبيع أمراً مستهجنا ولغة عصية على الفهم؟  هل تمكن العدو الثلاثي (المركز الراسمالي والصهيونية والكمبرادور العربي) من تطويع وتطبيع حتى من هُم بلا وطن “الفلسطينيين” ومن هم في وطن ولكن بِلا مواطنة “العرب”؟ هل مر القطار وصار بعيداً؟ هل استفحلت الهزيمة وتمكنت من النفوس وتشكلت على هيئة مصالح وتجندت لها طبقات فصار الاحتلال بموجب ذلك عادياً وبالتالي مقبولاً؟

يُبدي الكثيرون استغراباً ما من التركيز على إشكالية التطبيع وكأن إثارتها مثابة رفاه أو بحثٍ من خَليَّ البال عمَّا يُشاغلهُ أو مقاتلة ما لا قِبَلَ لأحد به وعليه. وكأن من يستغربون إنما يعبِّرون من لا وعيهم عن تهافتهم ك “مواطنين” محايدين في وطن لم ينقطع العدوان عليه منذ السقوط الأول لبغداد (1258)، ومن حينها صار لا معنى للحياد. من هنا أُتيَ بمناهضة التطبيع مناهضة التطبُّع بالتطبيع مناهضة استدخال الهزيمة رغم عمقها واستطالتها.

شاغلني سؤال ولم يتوقف بعد: أيُعقل أننا حتى اليوم بعد هذه الدهور من الاحتلالات والاستيطانات والغزوات، حتى اللحظة نضطر لإعطاء مبررات لجدوى وضرورة المقاومة؟ أيعقل أن بيننا من يرفض المقاومة ويجادل مفاخراً بسلبيته واستلابه واغترابه وكأنه يمارس شرف المقاومة؟ هل كل هذا لأن هذا الوطن اُقتيد  من قبل أنظمة حكم تمارس على الشعب القطيعية ومسح الذاكرة أو تقصير عمرها بحيث لا تُعمِّر ولا تستقيم طويلاً ليكون الناس هنا بلا ذاكرة ومن ثم بلا تاريخ، أو ليكتب غيرهم تاريخهم. أليس من لا يُمثِّل نفسه يمثله الآخرون، وهل هناك أفظع من أن يمثلك غيرك؟  هي هكذا، ولكن لماذا نحن هكذا؟

استشاط غضباً وداخله حزن يُنهي النفسَ ولا ينتهي. كان ذلك حين رميته بقولي: “وهل تُرجَّى بينما التطبيع يا رفيقي يسري في دمك”. ولكن: لماذا؟ فما أقلَّ من لا تطبيع في دمه في مجتمع قراره وثروته مستلبين ووعيه مغرَّب، وقمة الاغتراب ذلك الاعتقاد بأنه ليس مغرَّباً! العبرة ليست في الدفاع عن الهبوط اللاإرادي اللاواعي في التطبيع، أو الإقدام على مساومات تبدو صغيرة، مهما كانت صغيرة، فهي تطبيع، أو قبول أعمال ومهمات تُضرُّ بالأمة وبالتالي شعور المطبِّع بان ذلك عادياً لأنه لا يُلحق الضرر بالوسط الضيق المحيط به، لا سيما في عصر تصاغُر الهويات إلى درجة هوية الأسرة بل الفرد! العبرة هي مسائلة الذات وقراءة المسيرة والجرأة في التخطي وتجاوز المحايدة وهفوات التطبيع ومن ثمَّ وجوب الاشتباك وليس في الانكفاء الفردي كالدجاج في اقفاصها مستترة عن النسور، دون أن ترى أن من حشرها هناك هو الجزار الذي يعلفها ليومٍ ما. بكلمة، العبرة هل هيمن التطبيع على وعيك/كِ؟ هل تراخت الروح واستسلم الوعي للرغبة والمتعة والمنفعة والمحايدة، هل طيَّب لكَِ  المطبعون العيش بما أسموه حصتهم من الثروة لقاء ما زعموه نضالهم؟ ليست حصصاً بل قطعا من لحم الوطن وكؤوساً من دمه، كان ديك الجنِّ أكثر رأفةً بكأس ترابها المحروق!.  أي لماذا لم تقرر تجاوز التطبيع؟ هل أُستُلبتَِ إلى درجة تبرير التطبيع؟ هذا هو المعنى الفعلي للتطبيع يسري في دمك. ولأن التطبيع مشروعهم، فلن يتوقفوا، وسيغدقون عليكم كثيراً، ومن يُسقط قيمة صغيرة مآله القيعان.

يستطيع أيٌّ كان أن يعزل نفسه من أجل نفسه، مصالحه ، تجارته، جهته، أو أن يعزل نفسه مع كآبته، محايدته لا إباليته…  لكنه لا يستطيع منع أو صدَّ اسئلة الناس: هل أنت مدني بالطبع كالإنسان بفطرته؟ ماذا تقدم للبشرية، ولشعبك؟ هل تفهم معنى حريتك دون المشاركة والاشتباك للدفاع عنها وفي حالنا هذا هو مناهضة التطبيع.

هنا تنبري المقاومة، بما هي ردٌ إنسانيٌ وإثباتٌ على حق الإنسان بإنسانيته، وبدونها فلا. تأتي المقاومة  لمواجهة التطبيع ، تأتي رداً على عدوان واقع وحاضر ماديٌ وليس فكريٌ وثقافيٌ ومعنويٌ فحسب. بل مناهضة التطبيع شغل يومي للفرد وشغل استراتيجي للقياديين ومشروع تاريخي للأمة وتحليل فكري للمثقفين. وما لم ينخرط هؤلاء جميعاً في حمل عبء المواجهة، فإن الحد الأدنى من الحرية لن يتوفر. لا حياد إنساني تجاه العدوان، اي عدوان، العدوان الطبقي داخل المجتمع الواحد وعدوان الذكر على الأنثى. كل عدوان هو امتهان لحرية آخر. نقيض لمبدأ الوجود الإنساني الحر. ومن لا يدافع عن حريته لا يستحقها. بل هذا يغري ويغوي الآخر على اقتحامها. هل العدوان كامن في فطرة الإنسان، أم طارىء لظروف، أم يستدعيه الضعفاء؟ وهل العدوان لمجرد العدوان بمعنى ممارسة القوة كتمرين رياضي، أم استخدام القوة لكسر الآخر ومن ثم استلاب ما لديه من ثروة وصولاً لما له من كرامة؟ حُزَم من الأسئلة لا تنتهي، لكنها تشير في النهاية إلى أمرين:

أساس العدوان في المجتمع الطبقي وخاصة في طوره الأعلى –حتى اللحظة- مجتمع راس المال المعولم هو الملكية الخاصة، وهذا يجعل العدوان أساسي في هذا المجتمع.

وأساس الإنسانية هي الحرية، والرد على العدوان فطرة إنسانية، فطوبى لمن يقاوم…طوبى له وحده! فهو بالتضحية يحقق معنى وجوده، وهو المعنى الذي لا يحققه الحياد ولا المتاع ولا المكانة.

نعم بدأت التفكير مؤخراً بمدخل مختلف، ولكن غير منفصل عما هو على الأرض وتراءى لي وجوب الذهاب لما هو أعمق بكثير من اليومي أبعد بعقود ترتد لما قبل اتفاق كامب ديفيد بين الطبقة الحاكمة في مصر الساداتية والكيان الصهيوني الإشكنازي. إن ما بدأ عام 1978 وما يدور حتى اللحظة ليس جديداً وليس إفراز تلك اللحظة بل هو استكمال مشروع استعماري عدواني يعود لما قبل القرن العشرين، لنقل هو مترافق مع التناقض التاريخي مع أوروبا الغربية الرأسمالية (وكثير منها ممن يزعمون أنهم ليسوا راسماليين) البيضاء، والذي أخذ دورته شديدة الاستطالة التي بدأت مع بداية الراسمالية الميركنتيلية هولندا وبريطانيا وعبَّر عنها مؤسس البروتستنتية مارتن لوثر كأوَّل من طرح دولة لليهود في فلسطين، هذا هو الصهيوني الأوَّل، نعم ليس يهودياً. بدأت آنذاك وآخر تجلياتها ما تقول به الصهيونية اليوم عن دولة يهودية خالصة. فالتطبيع بدأ مقترناً بمشروع إقامة الكيان الغريب في هذا الوطن كي تسيطر أوروبا التجارية (الميركنتيلية) على الوطن العربي ولا بد للسيطرة أن تفرض التطبيع.

أمَّا وللتطبيع هذه الجذور عبر الاستعمار والنفي الثقافي والإخضاع، فهذا يعني أن مناهضة التطبيع لا تنحصر ضد  الكيان الصهيوني بل ضد النظام الراسمالي العالمي وخاصة مركزه الأبيض وبالطبع ضد التوابع العرب ساسة ومثقفين، اي ضد العدو الثلاثي . قد يحتج البعض على توسيع الاستهداف، وقد احتج البعض منذ عشر سنوات على هذا المدخل حين كتبت فيه، ولكن الواقع يُعلِّمنا أن الاشتباك معولم، المقاومة معولمة  لأن الهجمة معولمة. لا بل وابعد. لقد أصبح التطبيع هو العدو المباشر والأول لقطع ظهر النهضة العربية، إن التطبيع هو تخنيع كل فرد بمفرده. هكذا هو العدوان، وهكذا تجدر مواجهته. فطوبى لمن يلتقط الحدث ويصرخ بنداء المواجهة، وامعتصماه؟ رفض التطبيع يعني تجنيد كل فرد برأسه، فرض عين من أجل المواجهة، فلا إعفاء ولا استخذاء.

رفض التطبيع أوسع من الفرد ومن الطبقة، ومن الأمة. رفض التطبيع امتداد جغرافي على صعيد عالمي، ولا سيما في قضية عالمية. فمن قال أن صراعنا مع الكيان الصهيوني وحده. إذا كان الأمر كذلك، فماذا عن الغرب الرأسمالي بكليته؟ أليس هو الذي خلق هذا الكيان؟ وهل خلقه عبثاً أو كتمرين رياضي؟ رفض التطبيع موقف ضد الاغتصاب والاستغلال واليوم تحديداً ضد العولمة، ليس بمصالحها الاقتصادية وحسب بل ايضاً وبالضرورة بثقافتها، بفكرها بحداثتها وما بعد حداثتها. لذا، فرفض التطبيع واجب إنساني ضد ثالوثه: المركز الراسمالي في حقبة العولمة، والكيان الصهيوني وامتداداته، وأنظمة الكمبرادور العربي المتخارجة ضد الأمة. رفض التطبيع ثورة في مواجهة الثورة المضادة.

ورفض التطبيع هو في الأساس، ومن أجل خلق اساس للرفض، هو رجعة في التاريخ وليس مجرد امتداد في الجغرافيا وحسب. يتطلب في حالتنا رجعة قرن من الزمان على الأقل كي نعرف كيف بُنيت ثقافة التطبيع لأنها ليست جديدة ولا مستجدة. نحن إذن أمام كشف حساب في الزمان والمكان مع كل من لم يقف ضد المركز الرأسمالي الذي خلق الكيان، كائناً من كان.

من هذا المنظور نناقش ومنه نبدأ لنعرف أن التطبيع الذي يسري في دم الكثيرين/ات هو بكل ذلك القِدَمْ وكل ذلك التجذُر. وربما ندرك عندها مقدار الجهد المطلوب، ونفهم بالطبع، لماذا يُطبِّعون ولا يشعرون فقد رافقهم لِبان التطبيع من المهد ورافق أجيال أخرى إلى اللحدْ.

مناهضة التطبيع مشروع إعادة تربية وبناء المجتمع لتعريفه بمكمن التناقض الرئيسي الذي يواجهه. وبتحضير وإعداد النفس للتواؤُم وحمل شروط المواجهة الشاملة. وهي مواجهة لن تحصل غداً، بل ما يحصل الآن وغداً هو مهارشات صغيرة. لذا، فالحديث السياسي والشعاراتي ضد التطبيع هو للاستهلاك اليومي الذي قد يفقد استمراره وتوهجه في نهاية النهار.

لكسب الصراع التاريخي نحتاج لتجهيز وتجهُّز تاريخي. لماذا التجهُز؟ لأن على المواطن أن يبادر ويقدم ويطور نفسه لا أن يكون متلقياً من الأعلى وحسب. أما المثقف، فلا يكفي أن يكون عضوياً وثورياً بل مشتبكاً.

من هنا فمناهضة التطبيع واجب إنساني، أما من حيث المباشرة فواجب عربي وليس فلسطيني فقط، واجب كل فرد بمفرده، وليس فقط واجب المناضل أو الحزبي أو المثقف الثوري المشتبك وحده. هو الكفاح المسلًّح الشعبي، أو بتعبير ماوتسي تونغ: “مستوى من حرب الشعب” ولأن الكفاح المسلّح في حالة انحسار، تقارب الصفر، تشن عليه قوى التبعية المحلية حرب تصفية،  فإن المعركة التي سوف تلعب دورا هاما في الإعداد هي مناهضة التطبيع بما هي عملية تجنيد شعبي واسع وعملية تربوية وتعبوية. هي إشراك ديمقراطي لكل مواطن في المقاومة بدرجات، المهم ألا يستطيع أحد القول إنه لا يستطيع تقديم شيئ في مواجهة التطبيع  واستدخال الهزيمة. إن مناهضة التطبيع في متناول كل شخص، وبوسعه ممارسة درجات منها حتى دون أن يدرِ به أحداً فما بالك بالعسس والشرطة والجلاوزة والعملاء والأعداء؟ ولا نقصد هنا الرفض الجزئي للتطبيع، بل الشكلي، مثلا مقاطعة منتجات المستوطنات الصهيونية والاستمرار في عدم مقاطعة منتجات الاحتلال نفسه وبأكمله فهذا الاختزال شديد الخطورة لأنه يعني أن الكيان الصهيوني دولة شرعية، وجار شرعي!

مناهضة التطبيع هي مقدمة لمشروع نهضوي عربي جماعي يقود الانتماء إليه والتمسك به إلى توفير الخطوة العملية الأولى باتجاه حق العودة. هو مشروع إشراك المهمشين، بل السماح لهم بالمشاركة في قوة مقاومة شعبية تشكل قاعدة قوة المقاومة المسلحة التي تشتد الهجمة عليها. إن العلاقة بين مناهضة التطبيع والمقاومة المسلحة علاقة اشتراط الواحدة للأخرى كما أن الوصول إلى فرض حق العودة يشترط استئصال استدخال الهزيمة.

بقي القول، هذا الكتاب هو محاولة في السهل الممتنع، السهل على القراء العاديين والممتنع على المثقف الحداثي وما بعد الحداثي. سهل على العادي لأنه يقرأ حياته اليومية ويقوم بتطعيمها بقضايا فكرية تصبح مفهومة حين تُربط وتُنقد وتُنسف بالاشتباك مع خطاب غير مكتوب هو وقائع الحياة. وممتنع على المثقف المتخارج فكريا وثقافيا وطبقيا، وربما ليس متخارجاً وطنياً وقوميا وحتى طبقياً، ممتنع عليه لأنه يُرغمه على النزول من علياء الثقافة والخطاب إلى حال حياة القمع والتهميش والاحتلال والاستعمار والاعتقال. هل هذا تصوير مختلف للسهل الممتنع؟

 

محتويات الكتاب

 

إهداء

تقدير

تقديم

الفصل الاول: الفكر الجذري/النقدي الابيض … ناقلة التطبيع

الفصل الثاني: التطبيع مبتداه، تصعيده وآلياته

الفصل الثالث: مرتكزات فكرية لتثبيت التطبيع ونفيه

الفصل الرابع: مقدمات لمآل التطبيع الفلسطيني

الفصل الخامس: المقاطعة مناهضة التطبيع … ملامح مشروع