الاقطاع الفدرالي وراء ارهاب المسيحيين في العراق؟

الاقطاع الفدرالي وراء ارهاب المسيحيين في العراق؟

جمال محمد تقي

في البدء لنتفق على جملة حقائق برهنتها يوميات الاحتلال الامريكي للعراق طيلة السنوات الثمان الماضية، ومنها ان للاحتلال اجندة هي ابعد بكثيرعن مجرد اسقاط حكم صدام حسين وازاحة حزب البعث عن السلطة في العراق والاتيان بزمر تؤدي ما يرسم لها فيه من ادوار، وهي راضية مرضية، فأسقاط الدولة العراقية برمتها واقامة كيان هش محلها مع الشروع التدريجي بتقسيم البلاد طائفيا وعرقيا هو في صلب تلك الاجندة الاحتلالية، ومنها ايضا ان تفاصيل الفوضى الخلاقة هي ذاتها تفاصيل القتل والارهاب بالاصالة عن المصدر او بالوكالة عنه او بالتناغم معه عن بعد او قرب، فمرتزقة شركات الامن الخاصة ليسوا من المحسوبين على القوات الامريكية، والامر نفسه بالنسبة لفرق الموساد المتنكرة بهويات ومواقع مموهة في بغداد واربيل ودهوك والسليمانية ونينوى والبصرة، وهكذا الحال بالنسبة لاجهزة الاسايش التابعة لحزبي البارزاني والطالباني، انه ذاته بالنسبة للقاعديين الذين يخدمون الامريكان في الانشغال عنهم بعمليات التطهير المذهبي، اما القوات الحكومية النظامية فان لها دورها المشهود في تلك الفوضى لان عقيدتها القتالية ذاتها طائفية وعنصرية، وهذا ينطبق ايضا على الدور الايراني وتحركاته من خلال فيلق القدس والميليشيات الممولة من قبله، كل هذه الجهات وانشطتها متظافرة كانت ام متصادمة، تتخادم بنتائجها مع خارطة طريق الفوضى الامريكية الخلاقة التي يسير عليها العراق بقوة الدفع الامريكي!

المستفيد من تهميش وتقزيم وتصهير وتهجير الوجود التركماني والفيلي واليزيدي والشبكي والصابئي في العراق، هو نفسه المستفيد من ذات الممارسات ازاء المسيحيين، فالاحزاب الطائفية الشيعية والاحزاب العنصرية الكردية والتكفيريين السنة هم من يمارس سياسة الترهيب والترغيب ازاء هذه الشرائح الاصيلة في النسيج الوطني العراقي، وعندما لا يؤدي الترغيب دوره معها فان الارهاب سيكون لها بالمرصاد، فالاحزاب الكردية تعد العدة لقيام دولتها الموعودة، وحتى يتم استكمال ادوات هذا القيام فهي تدفع بالاقليات الدينية والعرقية التي تشاركها وتتداخل معها في التواجد بنفس مناطق نفوذها ـ داخل اقليم كردستان وحواليه، فيما يسمى بالمناطق المتنازع عليها ـ الاحزاب الكردية تضغط على التركمان داخل الاقليم، وداخل محافظة كركوك للرضوخ والتسليم بالموافقة على ضم كركوك الى اقليم كردستان، مقابل منحهم حكما ذاتيا داخل الاقليم، وهذا ما طرحه الحزبان الكرديان من باب ترغيب التركمان بالتوجه الكردي، وعندما وجد الحزبان بان الاستجابة ضعيفة من قبل التركمان، كثف الحزبان من ارهابهما ضد التركمان في كركوك وتلعفر وحتى داخل اربيل ودهوك، ويستطيع اي مراقب التمييز بين المواقف المعلنة للجماعات التركمانية داخل المناطق الخاضعة بالمطلق لنفوذ الحزبين الكرديين وبين مواقف الاغلبية التركمانية في تلك المناطق التي ما زالت تقاوم سياسة الضم والاحتواء والتكريد في كركوك ونينوى، فبعض تركمان اربيل ودهوك اجبروا على تبني المواقف الكردية، حتى ان بعضهم استكرد فعليا، هذه الحالة تمارس ايضا على المسيحيين العراقيين على الرغم من كونهم ورثة حق تاريخي اصيل في حضارة العراق، وتواجدهم يفوق التوجد الكردي الوافد على منطقة شمال العراق بما فيها منطقة اقليم كردستان ذاتها، بمعنى ان الاكراد هم من كانوا ضيوفا تاريخيين على الاكاديين والاشوريين اجداد المسيحيين وليس العكس، الان وبعد ان وصلت  سياسة الترغيب والترهيب الكردية على مسيحيي العراق الى نقطة مفصلية من التراكم المضلل، يطرح الاكراد مشروع الحكم الذاتي للمسيحيين في سهل نينوى وبنفس هاجس الضم الكردستاني، وكمرحلة اولى  يدفع الاكراد باتجاه تشكيل محافظة مسيحية مستقطعة من محافظة نينوى المتاخمة لحدود اقليم كردستان، يتبعها ترهيب وترغيب جديد يهدف الى الحاق المحافظة المسيحية باقليم كردستان، بالتزامن مع تجريد محافظة نينوى ذاتها من المناطق التي تسكنها الاقلية الكردية، وذلك لتقزيم نينوى والنسيج الوطني الصامد فيها بوجه مؤامرة التقسيم التي بدت وكانها معكوسة ـ من الجزء الى الكل ـ اي تقسيم الاجزاء اولا لتسهيل المهمة الاكبر، التقسيم الكلي للعراق، والذي يريدوه تحصيل حاصل.

 هذه المؤامرة التي تجري برعاية امريكية اسرائيلية وبتنفيذ عنصري وطائفي من لدن القوى المتنفذة في بغداد واربيل، تسير متدحرجة ككرة الثلج كلما تدرجت كلما كبرت، فلم يعد خافيا على احد التواجد الاسرائيلي الفاعل في شمال العراق وتحديدا في اقليم كردستان، حتى ان بعض المسؤولين الاسرائيليين يصرحون لاول مرة بان انبياء اليهود في الموصل هم ارث اسرائيلي يجب استرداده وهو في مكانه!

ان علاقات قادة الحزببن الكرديين باسرائيل قديمة ولكنها اليوم تشهد انتقالة نوعية، تؤشر على قيام حلف استراتيجي بينهما، وهذه المرة برعاية امريكية كاملة.

اليس ملفتا انه وبعد عملية ارهابية كبيرة ضد المسيحيين في بغداد، كما حصل في عملية كنيسة النجاة، لا يجري الحديث عن ضرورة تفعيل دور الدولة بحماية امن مواطنيها في كل مكان، واولها في  العاصمة، انما يجري الحديث في اربيل عن استحداث محافظة مسيحية برعاية كردية، يتجمع فيها مسيحيو العراق؟ وهنا دعوة ضمنية لتهجير المسيحيين المتواجدين في بغداد وجنوب العراق!

لا نستغرب في الايام القادمة اذا ظهرت دعوات رسمية لتجميع الفيليين في محافظة خاصة بهم تستقطع من الحدود الادارية لمحافظتي ديالى والكوت، ولا نستغرب من الدعوة لاقامة غيتو في البصرة وبغداد للمتبقين من الصابئة، يتمتع بالحكم الذاتي الخاضع لحكومة اقليم الجنوب الشيعي، او للحكومة الفدرالية في بغداد، كما لا نستغرب اذا اعلن دولة رئيس كردستان، عن اقامة مناطق للحكم الذاتي لليزيديين والشبك، وذلك لتكريس الانعزال المكوناتي المكفول بنظام الفدرلة التقسيمي، المعادي لدولة المواطن بمعزل عن دينه وجنسه وانتمائه العرقي!

ليس من مصلحة الداعين لبناء عراق خال من النعرات التقسيمية، الطائفية والعنصرية، اضطهاد او ارهاب اي فئة عراقية كانت، بل ان من مصلحتهم تأكيد روح التعايش والتسامح والاندماج، ومن الواضح ايضا ان من مصلحة دعاة فدرلة العراق ومن يقف خلفهم ممارسة هذا الدور، لغرض دق الاسافين واثبات استحالة نمط العيش المشترك بدولة المواطنة غير المفدرلة في العراق، والحقيقة ان ما قاله السيد مسعود البرزاني في واحدة من تصريحاته الصريحة : ” ان استقرار العراق واسترجاع قوته ليس من مصلحة الوضع الفدرالي في الاقليم الكردستاني والسائر باتجاه اقامة الدولة الكردية المنشودة. ” هو شهادة بليغة تؤكد مصداقية ما ذهبنا اليه.