«ويكيليكس» والفضائح: كيف نتخطى فتنتها؟

«ويكيليكس» والفضائح: كيف نتخطى فتنتها؟

امين محمد حطيط

في نظرة معمقة لما يجري على صعيد نشر الموقع إلكتروني «ويكيليكس» لكم هائل من الوثائق الاميركية السرية ترتسم لدينا الصورة التالية: موقع إلكتروني يديره فرد ويعاونه بعض الفنيين والمساعدين، يصل الى ملايين الوثائق السرية التي خزنتها وتداولتها أجهزة أميركية من المخابرات ووزارة الدفاع الى وزارة الخارجية وبعض دوائر القرار والاتصال وسفارات. نشر يحصل على دفعات ومن مكان معروف وبمتناول أجهزة المخابرات الغربية فضلا عن القضاء المحلي، وثائق سرية تنشر وفيها من الفضائح ما يجعل كل ما تم تناوله فيها عرضة للتساؤلات.
إن نظرة على هذا المشهد في مضمونه وتتابع حلقاته تؤدي بالعاقل المتبصر الى القول وبشكل ليس فيه حرج بأن من سرب الوثائق هي أميركا نفسها وليس في العمل سرقة أو سطو أو.. الخ، انما هو تسريب منظم يرمي فاعله الى تحقيق أهداف خطط لها، والآن قد نسأل من المسرب؟
الارجح أن المسرب هو جهاز السي اي اي (المخابرات المركزية الاميركية) أو البيت الابيض نفسه وهو احتمال لا يستبعد أو مجلس الامن القومي الاميركي وهو احتمال وازن.
لماذا كان النشر وما المقصود منه؟ هنا نعود الى التسلسل في النشر حيث إن الدفعة الاولى من الوثائق كانت تمس بالسلوك الاميركي في أفغانستان، وهو مس لا يخلو من الايجابية لمصلحة الجيش الاميركي رغم سلبياته الكثيرة عليه والايجابية تبرز لجهة إظهار بطش هذا الجيش وقسوته ما يخيف العدو منه ويحقق للجيش سطوة تخشى، أما السلبيات فيمكن تجاوزها أميركيا لان أميركا لا تأبه لرأي عام ولا تكترث بقواعد دين أو أخلاق والكل يذكر فظائع سجن أبو غريب وغوانتانامو التي وعد باراك أوباما بإقفاله والمحاسبة عليه ثم تراجع واعتذر.
اذاً تكون الوثائق في الشق المتعلق بأميركا مرجحة للايجابيات غير آبهة للسلبيات، وفضلا عن ذلك كان التعرض في موجة الوثائق الاولى للشؤون الاميركية من أجل كسب أمرين، الاول القول بأن الوثائق سرقت أو سربت من غير علم أو تدخل رسمي أميركي حتى تتحلل أميركا ممن مسؤولية ما سيأتي، والثاني بأن الوثائق صحيحة وذات صدقية يبنى عليها، وهذا ما يوفر لها الفعالية في الحلقات والاهداف المقبلة.
والآن نصل الى الدفعات الجديدة التي قد لا تكون الاخيرة، والتي تتاول خاصة سلوكيات الزعماء في الشرق الاوسط وطباعهم كما سعيهم كل من جهته لتدمير الآخر وحض أميركا على عملية الفتك بأخ له أو صديق فضلا عن استباحة وطنه ومصادر قوة الوطن، وهذا ما يركز عليه في شأن الوثائق الخاصة بلبنان، ونسأل لماذا في هذا الوقت بالذات تنشـر مثل هذه الوثائق؟
قبل الاجابة نذكر بأن أميركا التي أخفقت في أفغانستان واضطرت للتراجع في العراق وكانت قبلها خسرت الحرب على المقاومة في لبنان… أميركا هذه اعتمدت مع أوباما استراتيجية الانكفاء العسكري وفض الاشتباك والخروج من الميدان بعد اشعاله. ولنتذكر ايضا أن أميركا هي صاحبة نظرية الفوضى الخلاقة التي تريد نشرها في الشرق الاوسط لتدميره اولا ثم تعيد بناءه بما يخدم مصالحها ومصالح اسرائيل.
اذاً خطة أميركا هي نشر الفوضى والانكفاء من الميدان بعد إشعاله. وهنا نسأل: أليست هذه الوثائق بما تضمنته تشكل طريقا فاعلاً لنشر الفوضى وإشعال الميدان الشرق أوسطي الذي تهم أميركا بسحب مقاتليها منه؟ أليست هي الطريقة الاميركية ذاتها التي تدار بها أمور لبنان عبر المحكمة الدولية التي يهول أو يروج لها بأنها ستصدر قرارا يتهم حزب الله بقتل رفيق الحريري من أجل نشر الفتنة بين السنة والشيعة؟
أميركا نشرت الوثائق.. ولا يغير من الحال ما يروج له من ان صاحب موقع «ويكيليكس» قيد الملاحقة القضائية، فهذه مناورة لا تنطلي إلا على أصحاب العقول الضعيفة. وأميركا نشرت الوثائق لأنها تريد الفتنة في المنطقة لتي استعصت عليها، لكن هل تنجح؟
ان السؤال الآن برسم من فضحتهم أميركا من لبنانيين وعرب عبر نشر تلك الوثائق، فهل يسارع هؤلاء الى التوضيح وإنكار ما نسب اليهم مع تقديم الدليل على براءتهم (رغم اننا نميل الى تصديق ما جاء في تلك الوثائق بالمقارنة بين مضمونها وسلوك الاشخاص المعنيين) أو يقر هؤلاء بفعلتهم ويندمون عليها ويسارعون الى الاعتذار، فيفشلوا المخطط الاميركي؟ ام سيراهنون على أخلاقية أميركا ووفائها لهم وإنكارها عنهم لما جاء في الوثائق؟ وهذا أمر مستحيل بفهمنا لتاريخ سلوك أميركا مع أتباعها؟
اننا رغم ثقتنا بأن الوثائق غير مختلقة، وتصديقنا لمعظم ما جاء فيها، إلا اننا نرى في نشرها اليوم أسلوبا أميركيا لتحقيق هدف أميركي في إشعال النار في الميدان الذي تنكفئ جيوشها منه، ولا بأس بأن تلتهم النار بعضاً ممن كان أو يستمر في خدمتها من سكان المنطقة فالمهم لديها أن تنفذ ما تريد، في استراتيجية يبدو انها استعارت عنوانها من أحد الساسة اللبنانيين عندما أضرم النار في عين الرمانة 1975 وقال «لبنان لنا أو للنار». ومن أجل ان لا نقع نحن في لبنان في فخ النار الاميركية، فإننا نرى ان الطريق الاقصر لمنع ذلك هو بملاحقة الامر أمام المؤسسلت الدستورية المختصة من قضائية وسياسية بشكل يكشف الحقيقة فيبرئ البريء، ويعاقب المذنب المجرم بحق الوطن والمواطنين.

:::::

المصدر: “السفير” اللبنانية

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1715&ChannelId=40177&ArticleId=899&Author=%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86