من المطبَّع:

 

من المطبَّع:

الطبقة العاملة، الاتحاد العام، أم رئيس الاتحاد؟

عادل سمارة

 

لم ينته الجدل حول العلاقة غير السوية بين الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين وبين الهستدروت كاتحادعمالي للكيان الصهيوني. ولم يبادر الجانب الفلسطيني هذا إلى أكثر من تجميد اللقاء مع الجانب الصهيوني دون أن يبدي لا اعتذاراً  ولا النية لشكل جديد بل مختلف عن مضمون العلاقة الجارية مع الهستدروت، وإنما اكتفى بالاستنكاف عن اللقاء في برلين!.

ويبدو أن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إنما يسير على نهج درج في الأوساط السياسية الفلسطينية ومفاده، أن الخطيئة بحق الوطن  والشعب والحق العام لا تستحق لا الاعتذار ولا المراجعة، بينما يستحق اي خطىء من فرد ضد آخر صلحا عشائريا أو اعتذاريات مثقفين أو دعاوى في المحاكم. وربما لهذا نرى فلتان العديد من الأفراد ومن ثم الكثير من المؤسسات تطبيعياً في الأرض المحتلة سواء في الاقتصاد أو السياسة أو الثقافة أو الأكاديميا…الخ تطبيع مع الكيان، وتطبيع مع الغرب الراسمالي وتطبيع مع المانحين مالاً أو بعثات، وتطبيع لمصالح كمبرادورية وتطبيع في المدارس وتطبيع في المنتديات، وسلسلة تطول ولا تنتهي. وحبذا لو نتنبه بأن هذا الفلتان الفلسطيني إنما هو قاطرة التطبيع العربي!

 

فالحق العام وحتى الذاكرة بعد اتفاق أوسلو المشؤوم غدت محط بل مطية لمختلف ألوان الخروقات. ولو أردنا كلمة حق، ولو مُرَّة، لقلنا ولماذا يعتذر الاتحاد العام طالما لم تعتذر المؤسسة الكبرى التي طالما تردَّد أنه من مكوناتها. هذا علماً بأن الاتحاد العام في دفاعه عن نفسه استخدم منظمة التحرير ايما استخدام مما حولها إلى إسفنجة امتصاص الخطايا.

وإذا كان مألوفاً القول ان الشيطان يكمن في التفاصيل، ففي الحالة المعطاة، تكمن الشياطين في التعميمات ومحاذرة التحديد والتعيُّن بما يسمح لمن يجب إدانته بتغطية النفس بالمؤسسة. وهذا في حد ذاته قبل أو اسبق على مضمون ودور المؤسسة بما يُثبت أنها ليست مؤسسة من أصلها.

كان صحيحاً قرار اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل المتمثل في تجميد عضوية الاتحاد العام لنقابات  عمال فلسطين. ولكن، من قال أن الاتحاد الذي يدفع بالعلاقة مع الكيان الصهيوني إلى هذه المدارات هو حقاً في قلق من قرار اللجنة الوطنية حتى لو ابدى انزعاجاً من القرار؟

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أليس الأصح هو الدخول في بنية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين والطلب من مختلف مكونات الاتحاد تحديد موقفها ورأيها في ما قام به رئيس الاتحاد السيد شاهر سعد سواء في هذه الواقعة أو غيرها؟ لو كنت ضمن هذا الاتحاد لتوجهت بالسؤال إلى الطرفين:

إلى رئيس الاتحاد سائلاً من الذي خوَّله بما فعل مع الهستدروت؟

وإلى اللجنة الوطنية: لماذا يتم تجميد عضوية الاتحاد وكأنه كتلة واحدة تصطف وراء رئيس الاتحاد؟

بكلمة أخرى، لماذا لا يتم الحوار مع مختلف مكونات الاتحاد ليحدد كل موقفه؟

وربما يمكن توجيه السؤال إلى مكونات الاتحاد نفسها، لماذا تم السكوت على ما قام به رئيس الاتحاد؟ وهل قام بذلك وحده، ولماذا لم يحاول من لم يشارك رئيس الاتحاد ما قام به، لماذا لم يحاول استنكار ذلك؟

أعتقد أن هذه هي الخطوة التالية لتجميد عضوية الاتحاد العام وصولا إلى فرز داخلي في البنية نفسها كي لا يُظلم من لم يشارك، ولكي تتحدد المسؤولية وبالتالي يدفع الثمن من قام بالخرق ولا أحد غيره.

 

أيهما العنوان الصحيح

 

يتضح من بيان اللجنة الوطنية ومجمل النقاش حول موقف الاتحاد العام أن الاتحاد الدولي للنقابات ITUC  منحاز إلى الكيان الصهيوني. وعلى اية حال، ليس جديداً هذا في الحركة النقابية وحتى العمالية العالمية ولا سيما مستواها القيادي المتذيل في كثير من الحالات للأنظمة الحاكمة، اي للطبقات البرجوازية في النظم الراسمالية بالطبع. وهذه المواقف اليمينية ليست جديدة منذ الحرب العالمية الأولى على الأقل حيث انحازت حتى أحزاب شيوعية لصالح برجوازياتها، ناهيك عن تاريخ طويل من فساد قيادات النقابات العمالية ورشوها إما المصلحي أو العقيدي من قبل الطبقات الحاكمة.

وعليه، إذا أخذنا بالاعتبار، أو إذا اتفقنا، على أن الوضع الفلسطيني هو حالة تحرر وطني، فإن من الضروري محاذرة الركض وراء الدخول في أي محفل دولي فقط بدافع لهفة وضع هذا الإسم هناك. فليس كل مكان مقدساً. بل إن كثيرا من الدول ترفض عضوية كثير من المحافل لأنها خاضعة لسيطرة بل ومسيرة من قبل أنظمة هي عدوة الأمم وخالقة الحروب. وبمعنى اوضح، أداة أو ميدان تجوال وهيمنة من المركز الراسمالي المعولم والنظام والحركة الصهيونية.

وهذا يطرح السؤال، حتى لو دخل الاتحاد العام عضوية الاتحاد الدولي للنقابات دخول من يود القول نحن هنا، لماذا يفتح علاقات مع الهستدروت؟ هل كان قبوله في الاتحاد الدولي للنقابات مشروطاً بالتطبيع مع الكيان الصهيوني الإشكنازي؟ إن كان الأمر كذلك، فكان لا بد من سحب طلب العضوية بل عدم التقدم به اساساً.

والسؤال الآخر هو: ما الذي يرغم الاتحاد العام للنقابات على التواصل  أو اللقاء مع الهستدروت علماً بأن المبدأ والواجب هو المقاطعة؟ إذا كان مبرر العلاقة هو السير على خطى منظمة التحرير الفلسطينية في الاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي فبئس السير من الإبن على خطى الأب! فالمفروض في الطبقة العاملة أن تكون أكثر جذرية من البرجوازية وطنيا وطبقياً حتى وإن كانت البنى والوعي الطبقي في كلتيهما في دائرة رمادية، إلا أن هذه الرمادية في التكوين والوعي الطبقيين لا تنفي القدرة على رؤية الطريق الصحيح واشتقاق الموقف الصحيح.

وإذا كان التواصل مع الهستدروت بهدف تحصيل مستحقات وحقوق العمال من الضفة والقطاع الذين أُستُغلُّوا أيما استغلال قوميا وطبقياً في مواقع العمل داخل الكيان، فإن موقع تحصيل هذه الحقوق ليس العلاقة المباشرة بما هي تطبيع، وبما هي إعطاء تشريع لاغتصاب فلسطين، وليس الموقع الطبيعي الاتحاد الدولي للنقابات، بل منظمة العمل الدولية ILO.

ومنظمة العمل الدولية أفضل ليس لأنها جزء من الأمم المتحدة، بل لأنها جزء من الأمم المتحدة فإنها قد تتردد كثيرا عن الاتحياز المفضوح لصالح الكيان الصهيوني أو التورط في مواقف مسيسة بشكل فاقع. ويكفي أن دفعها لتبني حقوق العمال الفلسطينيين يوفر على الاتحاد العام الاضطرار لعلاقة بالهستدروت حيث تتحول القضية هناك إلى قضية دولية وليس مجرد قضية حقوقية خالية من السياسية بينما قضية شعبنا سياسية قومية بالمطلق. وبكلمة، فإن منظمة العمل الدولية لا تستطيع التلاعب المفضوح، كما ويمكن إحراجها/ بينما في الاتحاد الدولي للنقابات تتوفر فرص التلاعب بشكل اوسع كما اتضح.

بعض ما لم يقله العمال

لست أدري كم مضى من الوقت على رئاسة السيد شاهر سعد للاتحاد العام[1]، ولست أدري هل انتخب، وإن حصل فهل هو لمدى الحياة؟ ولست أدري ما هي هذه الحركة النقابية التي لا تعرف الاتتخابات. صحيح أن هناك انتخابات داخل كل كتلة نقابية على حدة، مما يبين أن هذه الكتل هي ملحقات سياسية تنظيمية بيروقراطياً بتنظيماتها السياسية. هذا حال الانتخابات الكتلوية، بينما الاتحاد العام يتركب بالكوتا، فإن هذا نفسه، إن صح تقديري، هو الذي يعفي رئيس الاتحاد من اية إدانة أو محاسبة. ويبدو ان هذا ما سمح له بهذه العلاقة مع الهستدروت.

ودون خوض في التفاصيل، فإن المطلوب إتحاد عام للعمال وليس اتحادات عمالية للتنظيمات السياسية، وكأن كل تنظيم هو كيان قُطري!. كما من المطلوب كذلك تحديد فترة رئاسة الاتحاد، وعدد مرات الترشح. وإذا كان لا بد من تسييس الاتحاد وتحديد هويته الوطنية، وهذا ضروري وهويته الطبقية وهذا ضروري كذلك، فإن محاسبة الرئيس الحالي على التطبيع يجب ان لا تقل عن منع ترشيحه لنفسه أو ترسيح غيره له مرة جديدة. أو إعطائه الفرصة للدفاع عن موقفه وإثبات أن التطبيع هو الطريق الصحيح!

 



[1]  أذكر انني التقيت وفدا من منظمة العمل الدولية ورتبت وحضرت اجتماعا له مع الاتحاد العام للنقابات في نابلس عام 1975 وكان ذلك خصيصاً لمستحقات عمالنا في الكيان. ماذا حصل منذ ذلك الزمن السحيق حتى اليوم. آمل ان يكون خيراً.