هل هناك شعب آري في جنوب العراق؟

 

هل هناك شعب آري في جنوب العراق؟

د. ثائر دوري

 

الكارثة الحقيقية التي تتعرض لها أمة ليست احتلال أراضيها بل احتلال عقول نخبها، لأنالنخب هي عقل الأمة، فهي التي تُنتج المشروع المجتمعي العام الذي يهتدي به عامة الناس. وقد احتل الغرب عقول نخب أمتنا منذ بدء اتصالها به قبل قرن ونيف،  فأغلب نخبها مستلبة وبعضها تحول إلى مجرد ببغاوات تردد ما تقوله المركزية الغربية التي تحاول الغاء أمتنا من التاريخ والحاضر والمستقبل.

 

تفترض المركزية الغربية أنه لا يوجد في المنطقة الممتدة من عمان إلى الأطلسي أمة واحدة،  بل مجموعة شعوب وقبائل واثنيات وطوائف متحاربة متصارعة وبالتالي فهي بحاجة دائمة لقوة خارجية لضبط صراعاتها وكي تحول دون وصول الاقتتال إلى مرحلة الإفناء المتبادل، وكي تجد المركزية الغربية الأساس التاريخي للتفتيت الذي صنعته بهذا الحوض الحضاري الواحد المتكامل الممتد من عمان إلى الأطلسي،  تقوم بعملين متكاملين فهي تعمد من جهة إلى تجاهل الوحدة السياسية والحضارية التي عاشها هذا الحوض يوم حكم العالم في عهد الدولة العربية – الاسلامية،  تتجاهل هذه المرحلة لأنها غنية بوثائقها التاريخية والكتابية التي لا يمكن العبث بها بأي شكل. وبعد أن تتجاهل هذه المرحلة بالقفزمن فوقها كالبهلوان إلى عصور ما قبل التاريخ وهناك يبدأ التزوير والقص واللصق،  تزوير المعطيات الأركولوجية أو تفسيرها بطريقة لا تمت لروحها بصلة،  مع تجاهل كل وثيقة لا تفيد في تفتيت المنطقة،  وكل ذلك سعياً لإثبات أن هذه المنطقة لم تكن يوماً وحدة حضارية أو سياسية متكاملة بل هي مجموعة من الحضارات المتصارعة،  كما أن الشعب الذي يقطن هذا الفضاء الجغرافي ليس له أصل سلالي و ثقافي واحد،  وبذلك يمتد التقسيم الراهن إلى شيع وطوائف وقبائل ودول قطرية إلى فجر التاريخ ويصبح حالة طبيعية ويمكن أن يبني الغرب عليه مشاريع تقسيمية وتفتيتية جديدة،  وسرعان ما يتبنى هذه الأفكار أكاديميون ومثقفون لديهم الجاهزية الفورية لتبني كل ما يأتي من الغرب من تجاهل وتزوير: تجاهل المرحلة العربية الإسلامية،  وتزوير ما سبقها.

 

لنتأمل ماذا فعل الأمريكان بالعراق منذ لحظة احتلاله، فقد قسموا البلد إلى: سنة،  شيعة،  وأكراد  رغم أن التقسيم الطائفي لا يستقيم مع التقسيم القومي،  كما أن بين الأكراد سنة وشيعة. إلا أن المحتل الأمريكي لا يعنيه المنطق. وهذه السياسة ليست جديدة بل هي استمرار لسياسة سايكس بيكو،  فمنذ انهيار الدولة العثمانية لم يعترف الغرب بالعرب كقومية بل نظرإليهم كطوائف وقبائل وعشائر. في حين اعترف بالأكراد،  والأتراك،  والفرس كقوميات. وتفسير ذلك يكمن أن العرب يشكلون قلب الحضارة العربية – الاسلامية ولا يمكن أن تنهض أمم هذه الحضارة بدون نهوضهم فهم الأكثر خطورة،  لذلك صنفهم الغرب أعداء من الدرجة الأولى،  والبقية من الدرجة الثانية.

 

لقد اتخذ الغرب قراره بمنع وحدة العرب حاضراً،  وحاول ويحاول جهده كي يضرب وحدتهم التاريخية الممتدة إلى آلاف السنين. وقد بذل جهوداً  كبيرة وصرف أموالاً هائلة فافتتح جامعات ومعاهد بحث علمي،  وروج نظريات في سبيل ضرب الوحدة التاريخية،  كما استطاع تجنيد عدد كبير من الأكاديميين الناطقين بالعربية يتبنون نظرياته ويرطنون بلسانه فلا يرون في تاريخ أمتهم إلا كل رذيلة،  ويفتتون كما أراد الغرب و يزيدون.

 

ونبقى في العراق فبعد حكاية السنة والشيعة،  التي يبدو أنها لم تشبع غريزة التفتيت عند الغربيين لأن هذا التقسيم رغم خطورته يبقى ضمن اطار العروبة والإسلام،  وبالتالي يمكن لهذا الجرح أن يلتئم بسهولة في لحظة تاريخية مناسبة،  فكان لا بد من تفتيت أعمق. يتوجب على السكين أن تنزل في الجسد العراقي أعمق من الصفاق والعضلات لتصل إلى العظام كي تزحنها. هنا بدأت حكاية اختراع أصل تاريخي موهوم للعرب العراقيين الذين يسكنون في الجنوب،  فعلى بعض مواقع النت بدأت بعض المقالات تتحدث عن أن شعب الجنوب هو من سلالة السومريين،  وبالتالي فهم من أصل آري ولا يجمعهم شيء مع السنة العرب الساميين على اعتبار أن الأكراد تم انتحال أصل آري لهم قبل عشرات السنين. وعلت أصوات تطالب بإقليم سومر الفيدرالي.

 

يمكنك على النت أن تجد كل أنواع الكتابات من السخيفة الرديئة الغريبة إلى الرصينة الجادة لأن هذه هي طبيعته المفتوحة التي تتيح لكل إنسان أن يقول ما يريد ولو كان لغواً لا طائل من ورائه. لكن الصدمة الحقيقية عندما ترى أن هذا الهراء واللغو المتعلق بما أطلقوا عليه “شعب جنوب العراق” يتسرب إلى كتابات تبدو في ظاهرها رصينة ومكتوبة من قبل أشخاص يفترض أن يكونوا بنفس الرصانة. ومثال ذلك الفصل الرابع من الكتاب المعنون “التطهير الثقافي في العراق” والصادر عن مكتبة الشروق الدولية،  الذي كتبه عباس الحسيني بعنوان “الوضع الحالي للتراث الأركيولوجي في العراق”،  فإذا تغاضينا عن حقد الكاتب على النظام السابق الذي جعله ينسى أنه يكتب فصلاً في كتاب يفضح جرائم المحتل الأمريكي الثقافية في العراق ليتفرغ لفضح ما يسمى بجرائم النظام السابق وإدانة كل ما قام به من ترميم للآثار بحجة انعدام المهنية. إذا تغاضينا عن كل ذلك نجد أن الأفكار السابقة عن وجود شعب منفصل في جنوب العراق يرجع أصله إلى السومريين (الآريين حسب ما تقول المركزية الغربية) والأكاديين قد تسربت إلى عقل الباحث و الأكاديمي والأركولوجي مدير المتحف العراقي السابق السيد الحسيني،  فهو يتحدث عن شعب منفصل  يطلق عليه “شعب جنوب العراق” أو “العراقيين الجنوبيين”، ويتحدث عن تاريخ “العراقيين الجنوبيين” المغرق في القدم باعتبارهم شعب منفصل متميز. يقول الحسيني أن صدام حسين قاد “حملة رسمية للإرهاب والانتقام ضد الجنوب،  لم تكن تهدف إلى شيء أقل من تدميره – ويشمل ذلك الشعب وتراثه وبيئته. ولما كان العراقيون الجنوبيون يتمتعون بأطول تاريخ للتراث والمجتمع المدني،  فقد شرع النظام في محو كافة آثار تلك العلاقات الثقافية………………مدعياً ان شعب الجنوب ليس من العراقيين،  إنما من الأجانب – أي الفرس – الذين تحركوا مؤخراً إلى المنطقة. وتتناقض هذه الادعاءات بشكل واضح مع المخلفات الثقافية للسومريين والأكاديين في الإقليم”

ويتابع الحسيني القول:

(( ويقرر المتخصصون في سكان الجنوب أنه بالرغم من الصعود الحديث للتشيع،  فإن سكان الجنوب يتمسكون بشكل كبير بالتقاليد والمقتنيات القديمة لأسلافهم. وتقوم أدلة لغوية على انحدارهم من السومريين والأكاديين القدماء،  كما توضح العديد من الكلمات وأسماء الأماكن من هاتين اللغتين. والتي ما زالت باقية في اللهجات المحلية))

 

ألا يذكركم هذا الكلام بحديث سعيد عقل وشارل مالك عن الأمة اللبنانية المنحدرة مباشرة دون وساطة من الفينيفيين، وألا يذكركم هذا بالحديث الصهيوني عن انحدار المتهودين الخزيين  من سلالة العبرانيين! ويكمل الدكتور عباس الوصفة الغربية المعروفة  فيقفز فوق الحضارة العربية – الاسلامية رغم أنه مختص بالتاريخ الإسلامي، ومن يقفز فوق كل منطق ويعيد ما يطلق عليه “شعب الجنوب ” إلى جذر انقرض منذ ستة آلاف سنة متجاهلاً الحركات السكانية وتعاقب الحضارات وتزاوج الأمم والشعوب والقبائل. ومن يقفز هذا القفز لن يضيره أن يقفز فوق الحضارة العربية – الاسلامية التي كانت بغداد صانعة الصفحة الأكثر نصاعة فيها. ففي نهاية فصله يقدم رؤية شاملة لوضع للتراث الثقافي في العراق، فيُقسم الثقافة العراقية إلى حقبتين رئيسيتين،  القديمة والإسلامية. يستفيض بالحديث عن الحقبة القديمة وتقسيماتها بثلاث صفحات تقريباً ( 96 – 97 – 98 ) من صفحات الكتاب. ولا تستحق الحقبة الإسلامية من عباس الحسيني سوى أربعة أسطر فقط،  ولا يرد اسم العرب قط. فهذه الحقبة بدأت حسب الحسيني “بتوسع الإسلام عقب معركة القادسية بين الساسانيين والقوات الإسلامية”. مع أن المنطق السليم يقول إن صفحة الحضارة العربية – الاسلامية هي الأكثر نصوعاً في تاريخ العراق قديمه وحديثه فقد كانت بغداد ولقرون طويلة عاصمة العالم المعروف في ذلك الوقت،  وسكان العراق بعربهم وكردهم وتركمانهم،  بمسلميهم ومسيحييهم،  بسنتهم وشيعتهم. ينحدرون ثقافياً من حضارة هذه المرحلة!

 

نعود لنكرر أن هزيمة الأمم لا تكون عسكرية بل ثقافية وحضارية حين تتبنى نظرة المنتصر وعاداته وتقاليده،  وحين ينشأ من بين أبنائها من يروج لأفكار محتليه وهذه حال أمتنا وحال الأستاذ الحسيني.