جمهوريات وممالك ماعز وخراف!

جمهوريات وممالك ماعز وخراف!

محمد الأسعد

          بعض الصحافيين ينقل أحياناً تسمية “جمهوريات الموز” من أمريكا اللاتينية ويطلقها على ممالك وجمهوريات عربية. هكذا من دون ملاحظة أن تلك الجمهوريات اللاتينية لم تعد جمهوريات موز منذ زمن طويل تديرها شركة الفواكه الأمريكية المتحدة، بل ومن دون ملاحظة الفرق المهم؛ إن جمهورياتنا وممالكنا لاتنتج الموز بل قطعان الماعز والخراف.

          وثائق “ويكي ليكس”، وبخاصة الأخيرة منها، تؤكد هذا الفرق المهم، وتضيف شيئا لم تصل إليه “عبقرية”حكام جمهوريات الموز، ألا وهو عبقرية “النظرة الاستراتيجية” التي يتمتع بها رعاة الماعز والخراف. فهؤلاء لايقترحون على الحكومة الأمريكية ما يجب أن تفعل في بلدانهم فقط، بل تمتد موهبتهم الخارقة إلى اقتراح ما يجب أن تفعل في رقعة شطرنج اللعبة الكبرى، أي الجغرافية السياسية للأقاليم المجاورة وما بعدها بدءا بأفريقيا فآسيا وصولا إلى الصين. إنهم بكلمة مختصرة يتوهمون أنهم بالتعبير عن صغائرهم ورغباتهم وأحقادهم الطائفية والعشائرية والعائلية قادرين على تحويل لاعبي الشطرنج الأمريكان إلى لاعبي “دامة” في ضياعهم وحاراتهم الضيقة.

        هذه الوثائق تكشف جانبا لم يلتفت إليه المعلقون ممن تناولوها بالشرح والتقديم، جانب الوهم الكبير الذي يعيش في ظلاله أصحاب جمهوريات وممالك الماعز والخراف. وهم أنهم بمجرد “إخبار” أو “دسيسة” أو”نميمة” في السفارة الأمريكية أو الفرنسية أو البريطانية قادرون على توجيه أنظار وأيدي لاعبي الشطرنج الكبار. أو بمعنى أوضح، إنهم، وهم البيادق، قادرون على التحول إلى لاعبين.

        في الخمسينات حاول أحد ملوك الماعز هؤلاء توجيه اللاعب الأمريكي يومها، الرئيس الأمريكي أيزنهاور، فطلب منه تنفيذ ضربة “استراتيجية” إلى نظام جمال عبد الناصر، فابتسم اللاعب الأمريكي وقال لسفيره الذي نقل إليه هذه الاستراتيجية، هذا أمر نحن من يقرره حين يحين وقته. قل لصاحب الماعز أن يهتم بشؤون قطعانه وحريمه.

        وفي الستينات اقترح أحد رعاة الخراف على بريطانيا العظمى عبر سفيرها في اسطنبول أن تسارع إلى الهجوم على مصر عسكرياً، فكتب السفير إلى حكومته يخبرها بهذا الإقتراح مضيفاً “أنظروا إلى ما يقوله هذا الأحمق”!

        ولا يسيطر هذا الوهم على أصحاب هذه المالك والجمهوريات العجيبة، بل يسيطر أيضا على أصحاب الدكاكين التي باعت  بضائع النضال الأممي زمنا طويلا. ففي لقاء لأحد أصحاب الدكاكين “اليسارية” الفلسطينية مع مسؤول سوفياتي عن العلاقات الخارجية في سبعينات القرن الماضي، حاول هذا الدكنجي المزايدة وإفهام هذا المسؤول أن “دكانه لاتهمه قضية فلسطين بقدر ما يهمه أن يرى العلم الأحمر يرفرف فوق العالم العربي”، فضغط السوفياتي على الطاولة أمامه وقال بلهجة جافة ” ولكن قضية فلسطين تهمنا نحن السوفيات”!

        ما تضمنته وثائق “ويكي ليكس” من “خطط استراتيجية” و “طلبات” و”إقتراحات” مصدرها أصحاب جمهوريات الماعز والخراف، وموظفيهم الصغار العاملين وفق نظام الراتب + العمولة، ليست هي التي تحدد خطوات لاعب الشطرنج الأمريكي بالطبع، فهو من يعرف متى يحرك أحجاره وإلى أين يوجه خيله وأفياله وجنوده في مواجهة خيول وأفيال وجنود اللاعبين المنافسين، وليس هؤلاء الحمقى. ولكنه، وهذا أمر جدير بالملاحظة، يستفيد من شيء واحد؛ من معلوماتهم التجسسية التي يجمعونها بحكم مناصبهم، كما كان يفعل بمعلومات الملك الأردني “نو بيف” الشهير ذو راتب المليون دولار من المخابرات الأمريكية.

ولاعب الشطرنج عادة، كما نلاحظ في عدة مناسبات، لايأخذ  حتى معلومات هؤلاء الجواسيس مأخذا جاداً إلا بعد تدقيق وتحقيق في مؤهلات هؤلاء الهواة في عالم الجاسوسية. إذ كثيرا ما اكتشف أنهم، حين تعجزهم الوسائل يلجأون إلى إختراع وفبركة أخبار وأحداث تعبر عن رغباتهم لا عن وقائع حقيقية استدرارا للمزيد من المال ومظاهر الأهمية في عين السيد اللاعب.

        لاعب الشطرنج الأمريكي هو اللاعب والمفبرك حين يجدّ الجد ويحتاج الأمرحكماً إلى فبركة وخداع، ودور هؤلاء لايتجاوز دور البيادق التي تتحرك بلمسة إصبع أو زر. بل هو القادر حتى على فبركتهم واختراع وظائف “ملوك” أو “رؤساء” لهم، هم الذين مؤهلاتهم الوحيدة لاتتجاوز رعي الماعز والخراف في أفضل الأحوال لو وقفت الأمور على أقدامها في وطننا العربي وكفت عن السير على رؤوسها.

        من هنا يخطئ من يظن أن مانقلته الوثائق من أقوال هذا أو ذاك هي التي تحرك السياسة الأمريكية وترسم لها استراتيجياتها، فتلك لها مؤسساتها، لها مجمعها الصناعي-العسكري الضخم، أي جملة الشركات الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وليس حتى هذا الموظف أو ذاك، ولا حتى الرئيس الأمريكي نفسه.

        إن ما ورد في هذه الوثائق لايعدو أقاويل وتمنيات ورغبات قد لا يصف اللاعب الأمريكي أصحابها إلا بصفة الجواسيس الأقزام الذين لايرون كامل رقعة الشطرنج، ولايعرفون إن هناك لاعبين آخرين هو من يحسب لهم ألف حساب. هذا في أفضل الأحوال. أما في أسوء الأحوال، فلن يرى فيهم إلا حمقى وأغبياء يتصورون أن مواهبهم في رعي الماعز والخراف تؤهلهم ليكونوا لاعبين إلى جانب أسيادهم.