قصائد رمادية (2)

قصائد رمادية (2)

أحمد حسين

 

أسطورة

 

أود لو أريق كأسك على قدمي

ولكن ليس لأني أكرهك

بل لأن واجبي أن أفعل ذلك

سادافع عن إنسانيتي

ولكن كيف أفعل ذلك

بدون أن أدافع عن إنسانيتك أيضا

هذا هو الثمن

الذي يجب دفعه لمن لا يستحق.

 

لا يحق لك أن تسقط

من أجل كعكة

أو من أجل رغيف إضافي.

أن تغتال إنسانيتك

لتتعشى مرتين،

أو لتزيد من أناقة مطبخك.

هذا إسراف على حساب غيرك

ربما على حساب رجل لا يعرفك،

فمن أجل أن تكون ماذا؟

كل الكلاب تفعل مثلك

لكن بدون أن تفقد كرامتها

فماذا ستكون أنت

بعد أن تتعشى مرتين

من خبز كلب أخر.

 

كم مرة ستخون فلسطين

إنها بلاد صغيرة،

لا تتسع لأكثر من فلاحيها

وبضعة بهائم

 لاستخراج الخبز من التراب،

وقليل من الأبقار للحليب،

وبضعة كلاب لحراسة الغنم

من وحوش البرية 

التي لم تخن وطنها

عداك أنت.

 

هل قرأت عن دمية الخشب

التي كان لها أب مزيف،

لقد انتزعَتْ إنسانيتها من السحرة

رغما عنهم.

هذه طبعا أسطورة

ولكن هل تظن أنك حقيقي؟

لا يمكن

فالطبيعة لا تتضمن الخيانة.

 

 

حلم

 

لن نلتقي بعد اليوم.

 

حينما يصبح لكِ علم وجيش

 وشرطة،

وبرلمان ومؤسسة للتأمين

وميادين مركزية لها أسماء

وفريق وطني لكرة القدم

وأوركسترا ومتحف وجامعة،

وحينما يصبح لكِ أدباء وفنانون

وشعراء ومفكرون لا يثيرون الضحك،

ويصبح لكِ رئيس يعرف أنه كذلك

 ووزراء لا يسرقون المطابخ

 ودمى الأطفال،

 يبيعون الأباء للسجانين

ويهدون لأطفالهم الدمى،

وحينما تسيرالفتيات

في الجامعات والشوارع بدون نقاب

ويربين أشبالهن كاللبؤات الناعمة،

عندما لا يكون لكِ شهداء منسيين،

وخونة يحملون العلم

وصلعاتهم  تلمع في الظلام

لكثرة ما ربتت على رؤوسهم 

قفازات الأقدام…..

 

حينما يحدث ذلك كله

سأكون بعيدا في اللاشئ،

ولكن يكفيني الآن

أن أجلس مع الحلم

وأغمض عيني

وأرى كل ما ذكرت

وأفرح.

 

إن الواقع هو الماضي 

والحلم هو الحقيقة

لأنه وحده

 يحمل رسائل االناس

إلى المستقبل.

 

قصة

 

أرتَدُّ الليلة

إلى مقبرة الذاكرة

وأقرأ في مخطوطات الألم ْ

المكدسة فوق الرفوف،

عن الذين شربت معهم القهوة،

وأكلت كستناء الفلاحين

في مقهى الليمونة المجاني،

فوق التراب الذي جلس تحته آباؤنا.

 

أعلق في رقبة الذاكرة

مسبحة بعددهم

تطول شيئا شيئا،

فأعرف أن مسافة الذاكرة  بالمقابل

تقصر باستمرار.

هذه هي المعادلة:

عش أكثر

تمُت أسرع.

 

حين جاء دورهم

لتعليق صورهم على ائحائط،

وأسمائهم على الحجارة،

وضاقت المقبرة بهم،

انتهكنا ملكية الظل

 تحت شجرة البلوط،

فاحتلوا بصمت

 مقهاهم الجديد

يتوافدون واحدا قبل الأخر.

 

المسافة بين شجرة البلوط

والليمونة في ساحة المسجد،

عشر دقائق بسرعة التابوت،

وبينهما الآن

مدرسة للفلاشا مورا،

تبعد عن المسجد دقيقتين.

أما المقبرة 

فنصفها الآن للموتي،

 ونصفها لسيارات الأجرة،

 وبجانبها ملهى البلوطة

الذي يملكه مهاجر سلافي

إسمه  الجديد نتان،

يقدم الكستناء الروسية للزبائن

مع كؤوس الشراب. 

 

زرت الملهى لأقرأ الفاتحة،

رآني نتان وعرف،

قال لي بدماثة:

أنت أول عربي يأتي إلى هنا!

قلت ولدت هنا!!

ابتسم وتركني أكمل الفاتحة،

وحينما انتهيت

قال لى الشرطي

بخشوع يليق بالمكان:

تفضل معي

هذا المكان لليهود فقط!

قلت له:

لايوجد هنا يهود

ولا أمكنة يهودية

هل صدقت هذه الأسطورة؟

قال: ماذا يوجد هنا؟

قلت:

إذا كنت لا تعرف

فماذا تفعل هنا؟

قال والبخار يتصاعد منه:

تعال معي إلى المخفر

فسألته:

أليس المخفر لليهود فقط؟

 

أخبروني فيما بعد

أنه أطلق علي الرصاص

ومات.