أبو ماهر اليماني.. آخر رموز الزمن الفلسطيني الجميل

 

أبو ماهر اليماني.. آخر رموز الزمن الفلسطيني الجميل

نبيل المقدم http://www.assafir.com/Images/btn_Send.gif

 http://www.assafir.com/Images/btn_Send.gif

        بعد عشرة أيام يحل عيد الميلاد. لن يجد شهداء فلسطين في مقابر صبرا وشاتيلا و«الشهداء» و«البرج» الفلسطيني الأخير الذي لم ينساهم. لن يأتي أبو ماهر اليماني الى موعده، في كل عيد مع كل الشهداء. أقعده المرض وأتعبته معاندة الرياح، فكلما حاول شد رحاله الى فلسطين، كان قطار المستسلمين واللاهثين للتسويات بأي ثمن، يعود بالحلم الى الوراء.
        تعددت الأحزاب و«الثورات» و«الجبهات» وتبدلت وجوه الزعامات والقيادات الفلسطينية لكن أبو ماهر اليماني ظل هو هو. الفلسطيني الذي اكتسب صفة المناضل ليس بعمر الالتزام الحزبي، انما بالحضور في كل تفاصيل العمل الفلسطيني. في العمل المسلح والسجون والنقابات والجبهات وعلى ارض المخيمات بين الناس.. حتى صح القول إنه ضمير فلسطين ومن بقي من ثوار «الزمن الجميل».
كان أحمد حسين اليماني في السادسة من عمره عندما غادر قريته سحماتا في الجليل الأعلى للمرة الأولى عام 1930. توجه الى عكا برفقة والده. اعتقد أن الحشود التي شاهدها على الطريق، في طريقها لحضور عرس لإحدى العائلات الميسورة. في سجن عكا شهد احمد اليماني عرساً من نوع اخر: ثلاثة من المجاهدين الذي شاركوا في ثورة البراق عام 1929، وهم عطا الزير ومحمد جمجوم من الخليل وفؤاد حجازي من صفد، قررت السلطات البريطانية إعدامهم. مشهد هاماتهم على اعواد المشانق يشحن إرادته تصميماً متواصلا على استعادة فلسطين الى احضان اهلها الشرعييين.
        لبي والده نداء الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. قرر المجاهدون التصدي للانتداب البريطاني والاستيطان اليهودي الزاحف. ارسل ابنه احمد الى السوق. باع له بقرته الوحيدة واشترى بثمنها بندقية لوالده. عرف الانكليز بأمره واعتقلوه وانهالوا عليه ضرباً قبل ان ينقلوه الى معتقل المالكية.
على مقاعد الدراسة شارك أحمد اليماني في الاضرابات والتظاهرات ضد الانتداب البريطاني وعانى عسراً شديداً في نفقاته. ما يزال يذكر استاذه نيازي شديد في مدرسة صفد الثانوية الذي طلب من تلامذته كتابة نص عن وعد بلفور وحفظه غيباً. أراد تذكيرهم بغدر الاحتلال البريطاني وإيقاظ روح الاستعداد والمقاومة.
        جربته الوظيفية الاولى بعد تخرجه في المدرسة الثانوية في اوائل الاربعينيات كانت في دائرة الاشغال العامة. وضع احمد اليماني يده على الكثير من مواقع التزوير. شاهد الموظفين اليهود يتلاعبون بالمستندات ويسرقون مواد البناء وينقلونها الى المستوطنات. رفض السكوت وأبلغ مديره الالماني الجنسية بالامر فقام بفضح المتلاعبين. رد اليهود جاء بمحاولة اغتياله جزاء نزاهته.
        احكم اليهود سيطرتهم على سياسة التوظيف والاجور في المؤسسة. الوظائف والدرجات العليا كانت من نصيبهم كذلك الفرق في ألأجور. سعى احمد اليماني الى حماية حقوق العمال العرب في الدائرة. اقنعهم بالانضمام الى جمعية العمال العربية الفلسطينية وتأليف نقابة خاصة بهم. انتخب ابو ماهر امين سر لها.
        عمله النقابي فتح له طريق التواصل مع سامي طه امين سر جمعية العمال العربية الفلسطينية. عرض سامي عليه التفرغ كمنظم للنقابات. حماسته للنضال جعلته يقبل العرض. لم يتوقف عند ميزان الرواتب الذي كان يميل بشكل كبير لمصلحة عمله الاول.
        شارك احمد اليماني في اللجنة المركزية التي شكلها ابناء المناطق الفلسطينية للدفاع عن قراهم بوجه هجمات العصابات الصهيونية. اتخذت اللجنة قراراً ببقاء اعضائها في القرى حتى لو اغتصبها اليهود.
        شارك ابو ماهر في حرب فلسطين عام 1948 وأسهم بتعبئة المقاتلين وتجميعهم وإرسال النجدات الى «جيش الانقاذ». لم تنفع محاولات ابيه إقناعه بالمغادرة. بعد انهيار المقاومة اصر على البقاء. قال له «افضل الموت في سحماتا”.
        كان احمد اليماني اول الواصلين الى مقر اللجنة المركزية في قرية ترشيحا، وسط اشتداد قصف الطيران، قام بإحراق كل الاوراق والمستندات والتقارير حتى لا تقع بيد العدو اذا احتل القرية ومقر اللجنة.
        اعتقلته العصابات اليهودية بعد سقوط قريته سحماتا عام 1948. اتهموه بمقاومة جنودهم. مارسوا عليه ساديتهم الحاقدة ضرباً وركلاً. أجبروه على غسل اواني الطعام وجمع محتويات المنازل التي كانوا يسرقونها. شاهد ابو ماهر وهو موثوق على شجرة اهله وهم يشردون الى جنوب لبنان. بضعة اسابيع امضاها في معسكرات الاعتقال قبل ان تبعده القوات الصهيونية الى لبنان. في طرابلس التأم شمل العائلة من جديد. اختفت مشاهد البيوت الدافئة. حشر النازحون في عنابر يتناوب عليها الطوفان والحر كل في موسمه. فرحة اللقاء لم تكتمل. والده كان قد عاد الى فلسطين للبحث عنه.
        عمل ابو ماهر كاتباً للحسابات في احدى الشركات. لم تطل إقامته. قدم استقالته وعاد الى فلسطين لكن الى الضفة الغربية هذه المرة. التحق مجددا بجمعية العمال العربية والفلسطينية في نابلس عام 1949. انتصاره لحقوق العمال ازعج السلطات الاردنية. قيدت حركته وأمرته بإثبات حضوره يومياً في دائرة الامن العام. شعر احمد اليماني ان حركته النقابية باتت مشلولة. عاد الى بيروت.
        فصول جديدة من الملاحقات عاشها ابو ماهر. كانت «الشعبة الثانية» اللبنانية وراء كتابة سطورها. بحثت عنه في كل نشاط قومي ووطني قام به الطلاب في المدراس التي علم فيها. اعتقل نحو خمس وخمسين مرة خلال عشرين عاما. كان يحتفظ دائماً بحقيبة صغيرة فيها ما يحتاجه في المعتقل. كان يعتبر الاعتقال امراً عادياً. وكان نادراً ما يبوح بما يلاقيه اثناء فترات اعتقاله المتكررة.
        بعد كل خروج من وراء القضبان كان ابو ماهر يجد قرارات الطرد من العمل بانتظاره. لم تثنه الاستضافات القسرية في السجون وقرارات التشريد عن البحث عن محاولات جدية لتغيير واقع الهزيمة. هزه مقال منشور للزعيم السوري الوطني عبد الرحمن الشهبندر عام 1935، ينبه فيه من الخطر الصهيوني على فلسطين. حمل البيان الى عدد من الاصدقاء وقرروا تشكيل «المنظمة العسكرية لتحرير فلسطين» عام 1950. بيانات المنظمة اثارت غضب السطات الاردنية وطلبت من السلطات اللبنانية التعاون معها لملاحقة مصدريها.
        تعرف ابو ماهر الى وديع حداد عام 1951في بعلبك. زار وديع حداد مع وفد من الجامعة الاميركية في بيروت المدرسة الفلسطينية التي كان احمد اليماني يعمل مديراً لها. دعاه حداد الى ندوة ثقافية في بيروت. هناك تعرف الى جورج حبش للمرة الاولى. بعد عام من تعارفهما، فاتحه وديع حداد للمرة الاولى بأمر إنشاء «حركة القوميين العرب».
        عام 1959 التقى ابو ماهر اليماني مع وفد من الحركة بالزعيم العربي جمال عبد الناصر في دمشق. طالبه بتدريب الفلسطينيين وتسلحيهم لخوض معركة التحرير. صافحه عبد الناصر في نهاية اللقاء قائلاً له «الشعوب لم تهزم يوماً».
        كلف الدكتور وديع حداد ابو ماهر مساعدته في تشكيل خلايا للمقاومة داخل فلسطين. مهمته كانت اختيار العناصر وتحديد اماكن حفظ السلاح. العملية الاولى للحركة كانت عام 1964 في ذكرى وعد بلفور. تنجح المجموعة الفدائية في تنفيذ مهمتها داخل فلسطين. تصطدم في طريق عودتها بكمين للجيش الصهيوني قرب الحدود اللبنانية ويستشهد خالد أبو عيشة ويؤسر آخر بعد إصابته. العملية الثانية حصلت عام 1966 واستشهد جميع المشاركين فيها.
        لقاؤه الأول مع ياسر عرفات كان عام 1965. التقاه في منزل أحد الأصدقاء في بيروت. كان ابو عمار متنكراً ورفض الإفصاح عن هويته الحقيقية. كانت ترتسم في مخيلة أبو ماهر الاوصاف التي نقلها احد القيادات الفلسطينيية من داخل الضفة الغربية عن شخصية عرفات. واجهه بحقيقة هويته لكنه تمسك بالإنكار. اتفقا على تنفيذ مهمة مشتركة داخل فلسطين بين حركة فتح وحركة القوميين العرب. المهمة لم تتم لأن عناصر فتح المكلفة بالتنفيذ لم تأت الى نقطة الانطلاق.
        ابو ماهر كان أحد مؤسسي «إقليم فلسطين» في حركة القوميين العرب، وهذا الإقليم هو الذي تحول في نهاية عام 1967 الى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وفي «الجبهة الشعبية» كان أبو ماهر أحد صانعي مجد هذه المنظمة التي قدمت آلاف الشهداء والجرحى والأسرى وكان ممثل «الجبهة» شبه الدائم في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
        وصل اتفاق على خفض منسوب التوتر بين منظمة التحرير والحكومة الاردنية عام 1970 شارك احمد اليماني في صوغ بنوده. يفاجأ الفلسطينيون بالانقضاض عليهم من الجيش الاردني بعد يومين من توقيع الاتفاق بين الملك حسين وياسر عرفات.
        واجه أبو ماهر المعلومات عن اتصالات سرية بين بعض قياديي منظمة التحرير والادارة الاميركية عام 1974 باقتراح قدمه الى جورج حبش بتجميد عضوية الجبهة الشعبية لتحرير لفلسطين في منظمة التحرير الفلسطينية. ما لبث أن عقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه باسم الجبهة قرار التجميد.
        حين سار كثيرون في ركاب الماركسية وتبنت الجبهة الشعبية الاشتراكية العلمية، لم يكن ذلك غريباً على أبو ماهر وهو المناضل العمالي البارز منذ ما قبل النكبة. غير أن انتماءه لم يتبدل، على الرغم من الاحوال المتبدلة، فقد ظل للأمة العربية ولفلسطين، ولم تغير الاحداث التي عصفت بفلسطين قناعاته الاشتراكية والقومية والوطنية على الاطلاق، بل عاش دائماً، ولا سيما في حقبة ما بعد أوسلو يجمع أناشيد الاطفال في فلسطين ليعلمها إلى أطفال فلسطين في لبنان.

:::::

عن “امجاد العرب”
http://www.amgadalarab.com/index.php