فلسفة الصمود الفلسطيني

فلسفة الصمود الفلسطيني

أحمد حسين

        الصمود كمفهوم عملي من مفاهيم المواجهة، هو منع تحقيق الأمر الواقع المعادي، وإبقائه تحت طائلة الصدّ والإلغاء. ولا يكفي المحافظة على باب الصراع مفتوحا بالرفض وحده. لأن الرفض المعنوي يمكن أن يتزامن مع التسليم للعجز، فيجنح إلى السكون ويتحول إلى حزن رومانسي تائه. وما لم يشكل الصمود والرفض  معا دينامية حاضرة ومستقبلية  للفعل، فلا معني تاريخي لهما، لأن جدلهما التطوري يكون معطلا على صعيد الصراع. فالصمود معناه التماسك الوجودي في الحاضر لصناعة فرص التحول نحو تغيير التوازنات القائمة، في المستقبل.

        ومن الآفات الميدانية التي يتعرض لها الصمود هو تحويله من قبل الإنتهازيات المختلفة، إلى زمن سياسي يخدم مصالحها ويؤدي بالتالى، إلى  صمود شكلي هدفه تفريغ المضمون من المعنى والفعل. فالأنظمة العربية على سبيل المثال معنية باستمرار الزمن السياسي للمحافظة على حد أدنى من من الحضور الشكلي، لنفي الشبهات عن دورها ووزنها السيادي الحقيقي من ناحية، والمساهمة في صناعة التسوية السياسية  التصفوية، من خلال ثقلها المالي، ومؤسساتها السياسية الخدماتية، والتسويق الإعلامي  لدعاويها بالإلتزام القومي، من ناحية أخري. لذلك هي معنية باستمرار معاناة الفلسطينيين داخل العبث السياسي، لتوفير زمن سياسي جار ٍ لها كحساب البنك، يبرر شكليتها النظامية والسيادية، ويجعل من وجودها الفاقد للمعنى، على هامش المشروع الغربي، يبدو وكأنه شيء ما سياسي وسيادي، يشبه ما يجري في الأنظمة الحقيقية. كل الشعارات تدعم القضية الفلسطينية، وتدعم الفلسطينيين، وتؤكد على أن القرار يجب أن يكون فلسطينيا بالكامل، بشرط تحمل النتائج. بمعنى آخر نحن نؤيدكم ولكننا لا نستطيع أن نفعل شيئا، أكثر مما هو حاصل من أجلكم. لذلك عليكم أن تتخذوا القرار المناسب، الذي يحفظ دماء الشعب الفلسطيني. والقرار المناسب هو الصمود  والإعتدال. أي تقديم التضحيات من أجل التسوية.

        يلتقي هذا التمديد الزمني  في اللاجدوي، مع استراتيجية أكثر خبثا في الجانب الصهيوني، الذي يراهن  من خلال تفرده العسكري، على تمديد الصراع، وسياسة إنجاز المراحل. وهو يرمي بذلك إلى استيفاء كل إمكانات التصفية الجسدية والمعنوية للمصطلح الفلسطيني، وتقعيد إنجازاته المرحلية وتحويلها إلى تدرجات الأمر الواقع. فمن ناحية يستنفذ الرفض الفلسطيني، ويفرض استدخال الواقع الجديد، على الفلسطينيين بدموية المشاهد اللاحقة، و يفرضه على الساحة الدولية المحايدة، بالإكراه السياسي الصهيوني والغربي.  وهناك أمر آخر يرتبط عضويا بالمشد هو، استبناء المواطن العسكري المتعصب، وتعميق اسبارطية “المجتمع المهدد” لخلق التلاحم الإجتماعي بين خليط الثقافات والمصالح، داخل بنيته التركيبية المصطنعة، مستعينا بإعلام ٍ مُعسكر ٍ حتى العظم، ومواز للمراحل المتجددة، يقوم بمعالجة الأحداث والإنجازات وتصنيعها للإستهلاك على غرار يناسب  استراتيجية النظام. 

        والفلسطينيون ليسوا بحاجة لمن يطالبهم بالصمود. فلا يوجد شعب يمكن أن يستوعب ضياع وطنه لأن غيره بحاجة إليه.  ولكن صمود الفلسطينيين خلال عقود الصراع الطويلة، لم يستطع أن يتجاوز الرفض والتمسك بالحق. أي لم يتجاوز الصمود المعنوي إلى الصمود الدينامي. ظل الصمود فكرة مجردة  ودما مسفوكا وتضحيات ذاتية. لقد استطاع النظام العربي والصهيوني أن يملأوا  هوة الفراغ السحيقة التي أعقبت النكبة، بأقزام سذج ومنحرفين من أمثال عرفات ومن جاء بعده، وبمنظمة من أبناء العائلات التي ساهمت في النكبة بقسط وافر، أسموها منظمة تحرير فلسطين. قامت هذه المنظمة الخليجية المشؤومة، بدورها المسرحي بإخراج إسرائيلي خالص  – بعلم وبدون علم – وتقاعدت. لقد واصل الفلسطينيون – كشعب ساذج سياسيا، الولاء  لقيادة موظفة توظيفا، من أشباه المثقفين من السلالات العميلة، ممن ولدوا على مزبلة المشروع الصهيوني، أو الشرفاء الساذجين عديمي الإرادة والوعي الذين فقدوا عذريتهم لاحقا. كان الفلسطينيون قرابين لتزويد المشهد السياسي، ومنظمة التحرير بدماء الضحايا وبطولات النخب الشعبية، ولم تتح لهم أية فرصة للتواجد على مشهد اللعبة إلا بدمهم وحده.  ليس هناك حرب أو ثورة أوحركة تحررية بدون عقل شعبي أو ثقافة تعبوية مفصلة وموضوعية، وبدون جدل تطوري داخلي،  يمكن أن يكتب لها النجاح.  سياق كهذا، لا  يمكن أن ينتج عنه غير الكارثة. فكيف وهو سياق  مهمته منع التواجد الشعبي على الحركة، وقطع الطريق على  تحول التجربة الشعبية المريرة، إلى  وعي  ثوري؟

        في الوقت الذي كان الشعب الفلسطيني يقدم التضحيات الأسطورية، ولا يرى سوى النتائج السياسية العكسية لتضحياته , ويتساءل عن السبب، كان قادة منظمة التحرير يحاولون تبرير ” فشلهم ”  بالأغاني الثورية.

        وكان اليسار الفلسطيني يواصل طريق الفهد وبكداش وحبيبي  بوله ناري،  وينظر للثورة  على أنها  تعميق العلاقات المدنية  مع اليسار الصهيوني، أي بالتطبيع.  لقد أعلن اليسار الفلسطيني انتماءه الأممي الألثغ لأخوة الشعبين، ورفع لواءها عاليا بين الفلسطينيين، وكأنهم هم المسؤلون عن النكبة بسبب رفضهم للتقسيم. وبعبارة أخرى قال ما يقوله كل صهيوني متشدد في جميع انحاء العالم. فما الذي حدث؟ لا شيء! واصل الشعب الفلسطيني  إلقاء التحية على اليمين واليسار وكأنهم ليسوا خونة. فأي صمود أعمى، هذا!!!

        كبارالمثقفين والمبدعين والشعراء والأكاديميين،  لم يكن لديهم الوقت للدعوة إلى وضع إستراتيجية للصمود، لأنهم كانوا مشغولين بمغازلة المرحلة  سراً وعلنا.  كل يوم يخرج علينا واحد من أبناء الروميات، يجلس في ندوة سياسية، أو قاعة فندق مع أحد  الصحفيين، ويقدم برنامجا للتسوية، طلب إليه إلقاؤه، لنشر الضباب حول النوايا الصهيونية في المرحلة. لم يكن الشعب الفلسطيني يدرك بأميته السياسية، أن هؤلاء المنعمين من عائلات الإقطاع الفلسطيني  هم في معظمهم استمرار أسري لسلالات  ارتبطت بطلائع الهجرة والإستيطان الصهيوني  في فلسطين منذ بدايته. لم يقل لهم أحد أن هؤلاء هم أعداؤهم الداخليون  الحقيقيون، وأنهم ربطوا مصيرهم بالصهيونية منذ عشرات السنين  قبل النكبة. وأنه من المحظور في منطق المواجهة أن يسمح  لهم بالتواجد في مواقع القيادة.  ولكن للأسف الشديد ما يزال هؤلاء، وبالتحديد بسبب خيانة اليسار العربي والفلسطيني وتواطئه المنحط، يشكل الكادر القيادي الأكبر في  “هرم” السلطة المقلوب، يفتك كالخلايا السرطانية بالبنية الوطنية. فأي صمود مع أمية سياسية واجتماعية شعبية كهذه، وبنية خيانية  عريقة كتلك؟

        أما الإخوان المسلمون، فهم مخلصون للقدس، وأفغانستان، والبنك الإسلامي، أكثر من إخلاصهم لحيفا وفلسطين ومخيمات اللاجئين، ولو أنكروا ذلك. والحركات الإسلامية الأخرى، تقاتل بإخلاص لا شك فيه عن مشروع الخلافة بما في ذلك فلسطين. 

        فما هو محور الصمود الفلسطيني إذن؟ هل هو التضحية  وحدها؟  كلا طبعا! لا محور لها سوى الرفض والصمود  واستعادة الحق،  ولكن  بدون أية مرجعيات ميدانية أو استراتيجية. هناك مرجعيات  سياسية تتلاعب وتستثمر وتخون وتسرق، وتتكلم باسم الدم الفلسطيني والشعب الفلسطيني، ولكن التنظيم الشعبي غير موجود، والصوت الشعبي يهمس في الدواوين والإجتماعات الثلاثة والرباعية فقط. أين هو التنظيم الثوري الذي يتجاوز الخلل في موازين القوى بالصمود، ولكنه يدرس ويحدد ويجدد ويبدع آليات الصمود، واستراتيجياته، وتكتيكاته، على أسس التجربة الشعبية الميدانية، ويلاحق الفشل بالدراسة وإيجاد الآلية البديلة. الصمود المتربص والمعقود بتصور الماضي والحاضر  والمستقبل، غائب.  المرجعية الشعبية  التعبوية غائبة، لأنه  لم يعد وجود لميثاق وطني فلسطيني ثوري وليس سياسي، توضع نصوص التعبئة على قياسه.  يوجد صمود، وتضحية وعذاب، ومعاناة، وفشل متكرر، وقيادة سياسية معادية لشعبها، ولا يوجد بديل واضح.  مثقفو السلطة يتحدثون  عن رموزية وقدسية منظمة التحرير، لسبب معروف، هو إخفاء الفراغ حتى لا يملأه الشعب، وتوفير الرواتب للأعضاء، والمصلحة السياسية  المشتركة مع الصهيونية وأمريكا والنظام العربي، ولكن ما هو سر الولاء الشعبي الفلسطيني، لآليات الماضي الذميمة. يترحم كل القياديين  على عرفات – أي ” راسبوتين ” الخليج –  داخل  “الثورةالفلسطينية” ويترحم عليه  معهم معظم الفلسطينيين. وتقتل السلطة الفلسطينيين بالسلاح الإسرائيلي، وترميهم في السجون الإسرائيلية، ولا يبدي الشعب الفلسطيني أي اعتراض جماهيري يكافيء الفعلة الرهيبة. ” سلطة ثورية ” مكونة من رأسماليين تضاعفت ثرواتهم عدة مرات دون أن يسألهم أحد، من أين لكم هذا؟ رواتب وزارية  وشبه وزارية توزع على أعضاء ناد للتبعية والخيانة،  ليس له  صفة حقيقية من أي نوع، ولا أحد يعترض. فهل صمود الشعب الفلسطيني الدموي هو من أجل  استمرار  لعبة السلطة  والدولة والرواتب  واستمرار الخيانة والنهب؟

        حينما يكون الصمود بدون مرجعية وطنية عامة، أي ميثاق وطني ملزم، ومؤسسة ثورية تعاقب على الخيانة والتعاقد، يصبح الصمود فضاء مفتوحا للمغامرين والمدسوسين والمتعاقدين، وإقليما مثاليا لحركة النقيض في اقتناص فرص التبرير وصناعة الأحداث. يصبح الدم تحت رحمة السياسة، والوطن تحت رحمة النقيض. ويصبح الصمود بطولة عبثية، والطريق إلى المستقبل طويلا، ومرتفع الكلفة.

 

هذا هو الواقع المتبنى. انتظار ما ستلد الحبلى. كل المراحل حوامل. تضع مرحلة حملها، وتعقبها مرحلة حامل، ونبدأ بانتظار ما ستلد، وفي كل مرة تلد فلسطينيا أكثر تشويها وعجزا وضياعا وتجاهلا، والأسوأ دائما قيد الإنتظار. هكذا فعلوا بشعبنا الفلسطيني. قتلوه حيا، وأسقطوه صامدا. قتله أبناء الأسر الفاخرة التي  تتطفل كذبا على الأنبياء ورجالات التاريخ العربي والهجري. هؤلاء القتلة المأجورون، من سماسرة الأراضي، الذين كانت تمولهم الوكالة اليهودية ليشتروا الأراضي باسمهم، ويبيعونها لها، ما زالوا  هم قادة الشعب الفلسطيني.  هؤلاء الذين كانوا يقبّلون  ” شولا ” من وراء الزجاج، بمزرعة كاملة، نهبوها من الفلاح الفلسطيني، هم الذين أوكل إليهم استعادة الحق التاريخي للفلسطينيين. هكذا تموت الشعوب!  تموت بالصمود الفارغ من المضمون، الذي يشتريه  أعداؤها بالمال، ويدعمونه بالأغاني، والشعر، والمقالة، والصحف، ولأذاعا ت، والمطبعين، والمعتدلين، واليسار الفلسطيني  الألثغ.

        هل نحن شعب مسحور، أم تالف، أم ماذا؟ ألمعاناة هي  روح الجدل وليست عذرا للعجز.  من رحم المعاناة يولد التطور والوعي، وتجترح المعجزات. منها يولد المستقبل وفيها يجاف غثاء الماضي، وتحاسب الذات والتجربة. هي التي تحول الحديد إلى فولاذ، وليس الحديد إلى خشب، لحظة المعاناة هي التي تتحول إلى لحظة رفض وغضب، وتتغلب على  لحظة الخوف والصمت والتجاهل. هي التي تصنع المعرفة ولحظة التغيير.  هل شعبنا مسحور؟ كيف يرضى بجيف الماضي، والعملاء المجربين، دليلا إلى المستقبل. كلما ازدادت معاناتنا ازددنا تعلقا بالماضي الساكن.  وليس هذا فقط، بل نحن أصبحنا نعود إلى الوراء. قادتنا يزدادون عمالة. حياتنا تزداد سوءا. التزامنا يزداد ضعفا. وعينا يزداد تخلفا. كتابنا ومفكرونا وشعراؤنا  وأدباؤنا يزدادون تحللا وإسفافا ودونية لأن شرط الإبداع الإلتزام بكل ميادينه الإنسانية. أما الأنوية فتنتج وطنية كاذبة وتطبيعا  وشحاذين يسيئون إلى الكرامة  الإنسانية. المفكرون في الداخل الفلسطيني، أي الذين يجيدون الخطابة، وطنيون حتى العظم، ولكنهم يحبون الكنيست أكثر من الوطن. والأكاديميون، أي فرسان الكلام المكرر، ليسوا أقل وطنية،  ولكنهم يحبون العلاوة في الدخل أكثر من الوطنية. أما ” المبدعون ” فهم قمة الوطنية، ولكن قسما كبيرا منهم يحبون الهامبورغر أكثر من فلسطين. إنهم يتسكعون في الندوات والمؤتمرات الصهيونية، في الداخل والخارج بصفة وطنيين، من أجل صفقات الهامبورغ، والوصلات الفنية على الهامش. وهم يزدرون وطنيا كل من يعارض التطبيع والتسوية. فلماذا نضحك على أنفسنا وندعي أننا شعب صامد باختيارنا؟

 

        أعطونا إسم  مؤسسة صمود فلسطينية شعبية واحدة  عدا منظمة التحرير هناك والكنيست هنا! فمتى يزول السحر؟ متى يغادر أبناء الروميات إلى المقاهي الخاصة. متى يتوقف  الهراء النضالي والسياسي والثقافي والفكري والإبداعي؟ لقد أصبحنا نعاني من الطرافة في هذا العالم. يتندرون بنا في الأفلام والروايات والملاهي الليلية فلماذا نحتج ضد الأمانة للواقع، ولا نحتج على الواقع نفسه؟ لماذا لا يحمل الشعب وعي الحالة  والتجربة التي مرت به، وينزل إلى الساحة، ويقول للسفلة: كفى! بل أكثر من كفى! الشعب هو الذي سيجركم إلى المزبلة. سيتمرد الوعي على الجهل، والغضب على التجاهل، والإبن على الأب، والعائلة على العائلية، والرفض على التطبيع، والصمود الفاعل والمبدع، على الصمود الشكلي. إننا نموت! لم يبق لنا سوى خلع العذار مع السفلة، وخلع العذار مع  كل من يخرج على ميثاق  الوطن ولو بكلمة  الواحدة. 

        لماذا المطبعون والمتعاقدون والعملاء  أكثر فعالية والتزاما بخستهم، من الفلسطيني الملتزم بوطنيته؟ المرحلة في غاية الشراسة، والمآدب والسيوف تستفز الجوع والخوف. ولكن مهما كثر السفلة فالشرفاء أكثر منهم، فما معنى هذا الدمار المعنوي إذن!؟ ولماذا نتجاهله ونترك للأوغاد ساحاتنا، وللماضي حاضرنا ومستقبلنا؟

        الصمود ليس صمودا على واقع الدم والتضحيات البطولية المرتجلة.  الصمود أمامية الحركة، ووضوح الهدف، والتخطيط، وتدخل الإرادة  الشعبية، والتغيير إلى الأفضل. الصمود صمود في التطور  وليس صمودا على السكون.  تعبرنا المراحل المعادية ونحن مكاننا “صامدون “.  أعقمتنا التجربة التي كان من المفروض أن ننجب منها إنسانا فلسطينيا يسابق الوعي والمراحل. أين هو؟ أين هي؟ أين هم؟