حركات الإحتجاج في الشارع العربي

حركات الإحتجاج في الشارع العربي

من هو العدو الأجتماعي؟

أحمد حسين

 

ما دامت الشعوب العربية  تفصل بين العلاقة مع إسرائيل وأمريكا، وبؤسها العام، فلن تصل إلى أية نتيجة في نضالاتها الشاحبة والمتواضعة على رغيف الخبز والحريات الإجتماعية. الشعوب العربية فقيرة وجائعة ومتخلفة تنمويا ومنهوبة ومهانة وطنيا وقوميا، ليس بسبب ملازمة الحظ السيء، وإنما، وأولا، لأنها تبحث عن الأسباب مباشرة في عيوب أنظمتها بمعزل عن كون هذه الأنظمة  وتلك العيوب، انعكاسا مباشرا، لاستبناءات تخريبية  محلية، وراءها أمريكا والصهيونية، ممثلة بإسرائيل، اللتان تشكلان قيادة للإمبريالية العالمية. لا يمكن  لأي نظام عربي تنفيذ أية أجندات غير أمريكية، أو تبيحها له أمريكا. فوضع التبعية والإختراق المذهل الذي تعيشه القطريات العربية، بلغ مستوى غير مألوف تاريخيا، داخل روابط التبعية بين ( الدول ). وفي حين من المفروض أن للعرب دول قطرية مستقلة، فإن الهيمنة الخارجية على هذه الدول تتجاوز الظاهرة الإستعمارية القديمة، إلى  ظاهرة  الإغتصاب السياسي والإقتصادي والثقافي، أي إلى الملكية الشاملة للوجود الإجتماعي.  وإذا كان هناك حاجة للوثائق، فإن هذه الوثائق لن تقول أكثر مما نرى ونعيش واقعيا. كل ما ستكشفه توثيقيا، يمكن أن يوثق الأسماء والأدوار فقط، وفيما عدا ذلك لن تضيف شيئا، إلى  صورة المضمون العملي  الأغرب للتاريخ الإجتماسي. هذا الواقع العملي  المعاش، هو أن ( الدول العربية ) تقوم بدور مؤسسات أو شركات اقتصادية إسرائيلية أمريكية، ليس لها نظام اجتماعي متكامل على الإطلاق. كل مسؤول سيادي أو ناشط مدني مؤثر في ( هذه الدول ) – مع استثناءات شكلية  قليلة –   هو موظف لدى إسرائيل وأمريكا، يعمل تحت طائلة العزل من منصبه، وعميل نظامي مافيوي لمصالحهما السياسية والإقتصادية الستراتيجية. فكيف إذن يمكن لشعب أن يقيم حركته الإجتماعية والتنموية، في جغرافيا بشرية  كهذه، ليس لها سيادة  وطنية  على الأرض أو الثروة أو المصير السياسي؟ وماذا يمكن لمثل تلك (الأنظمة ) أن تفعل لشعوبها، إذا كانت امريكا وأسرائيل، تريان في إفقار الشعوب العربية، وتمزيق بناها الوطنية، وتعطيل حركتها الإجتماعية، مصلحة استراتيجية عليا لهما؟

        مع بعض الموضوعية والوعي، لا أخاف من اتهام هذا الكلام بالمبالغة. أخاف حقا أن يتهم بالسذاجة، لأن الواقع ربما هو أسوأ بكثير، يصل إلى الطعن في هوية بعض الأسر العربية الحاكمة. وهذا الكلام ليس جديدا، فقد نشر في كتب ومجلات  جادة. وسواء صح هذا الكلام أو لم يصح، فإن  مجرد طرحه دليل على أننا نعيش تاريخا مشبوها، وأن علاقة المواطنين بالنظام تمثل علاقة انفصال وهاوية من الإغتراب المتبادل، وأن ما يسمى الأنظمة العربية، هو مجموعة من السراديب المعتمة المتربصة بشعوبها لصالح أمريكا وإسرائيل بالذات.

        ما دفعني إلى كتابة هذا الكلام، هو الحركات الأجتماعية الإحتجاجية، وبشكل خاص، في قطاعات الكدح اليومي، التي أخذت تظهر في بعض البلدان العربية، وتنزل إلى الشارع بتردد كبير. آخر تلك الحركات هو ما يجري في تونس الأن، وفي مصر والأردن منذ زمن.

        إن التحرك الإحتجاجي المنظم  في مجال الكدح، تنظمه عادة الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية أو كليهما معا، وربما فئات وجمعيات أخرى من مؤسسات العمل المدني والأهلي، على خلفية الظلم الإجتماعي المشترك بين المحتجين، وعلى خلفية الوعي  الأدنى  لملابسات واقع الحال الإحتجاجي وساحته الوطنية. وهناك أسئلة مصيرية هي التي تقرر نتائج مثل هذا التحرك. هل هناك ثقافة احتجاج طويلة النفس؟ ماهي نسبة الصمود المتوقعة داخل القيادات والجمهور المحتج؟ هل هناك وعي ابتدائي، لواقع أن الشعوب العربية، هي،  رهينة اجتماعية وسياسية بيد قٌيادات مشروع العولمة الأمبريالية، ممثلة بأمريكا والصهيونية، اللتان تملكان السيادة الرعوية الحقيقية على مصير الشعوب العربية، من خلال علاقتها بالأنظمة، ومن خلال آلياتها التنفيذية المزروعة في الجسد العربي؟ وأن أي نضال اجتماعي دفاعا عن الخبز والحرية، يجري داخل فخ  هذا المشروع، الذي يجب تفكيك آلياته التخريبية ميدانيا، وتحرير سياقات الحراك الجماهيري من هيمنة كواليس الإحتواء؟ لا قابلية طبعا،وبالمرة، للنظام أن يستدخل موضوعيا أي حراك أجتماعي، لأن وضع الساحة العامة  لا يتعلق به، بكونه وجودا غير موضوعي، بمدى ما يتعلق بأمريكا وإسرائيل. فهل الساحة العامة مؤهلة بالوعي والتعبئة لاحتضان هذا الحراك كلوجستية شعبية بديلة عن القيادات الحزبية والنقابية المخترقة والمفخخة حتما؟  هذا الحلم حاليا  أمر غير متوفر إطلاقا على الساحات العربية، المعوقة وطنيا ووعيويا بموروثها الثقافي. ومع ذلك، ولذلك أيضا، لا خيار آخر أمام أي حراك، عن اجتراح قياداته الشعبية النخبوية ميدانيا، والتحرك على ساحة  البديل الشعبي مهما كان واقع الحال. ومع التركيز على بعض التعبئة المعرفية  السهلة، واستنفار سوء الحال، يمكن تكوين شهامة معرفية وعيوية  قادرة على التحريك الجزئي المتطور  ميدانيا.  إن المقصود ليس بالطبع  قضية استدعاء إيديولوجي للثورة، لأن الواقع بلغ حدا من السوء، بحيث أن الزمن الموضوعي الداهم يستوجب وقف تدمير البنية الإجتماعية، للمحافظة على العينة الوعيوية التي تبقي  خيار الثورة قائما. والحركات الإحتجاجية  تصلح مدخلا  تطوريا لكل ساحات التحرر الإجتماعي  العاجل إذا استطاعت هذه الحركات تفكيك الألغام المدنية التي زرعها مشروع الهيمنة في طريقها. ونشوء الأزمة الإجتماعية التي يمكن أن تحل أماميا، هي خطوة نحو التثوير الشعبي التحرري المتدرج  الذي يطرح نفسه من خلال ايديولوجية الرفض الطبقي التلقائي لأشكال الظلم الإجتماعي. بعد التجربة الأخيرة، وتعثر إنسان الأيديولوجيا أصبح ” على الناس أن يحرروا أنفسهم “، بإيديولوجية الرفض التلقائي لمافيوية العصر، على طريقة أسانج، وألا ينتتظروا الإيديولوجيات، التي خسرت العالم لأمريكا على طاولة الأحزاب المخترقة. على أي حراك شعبي  أن يتبع  مخزون الرفض الشعبي، بحرفياته ونصوصه المتعددة، وحتى بالإحساس الأمي بالظلم، وتحويلها إلى قوة تغيير.  ويجب الإنتباه والحذر بشكل خاص، من الأيديولوجيات والأحزاب المرممة ليبراليا وصهيونيا، التي  دمرت الماركسية، وتواصل تدمير آثارها النظرية، مثل فصائل وخلايا وأحزاب الشيوعية الجديدة، واليسار الجديد، التي تعيد فتح دكاكينها بدعم مدني صهيوني وليبرالي. هؤلء منطقيا هم  أخطر آليات أمريكا والصهيونية في المنطقة العربية، ولهم فضل معروف  في  دعم حركة ” التحرر اليهودي” ضد الرجعية  الفلسطينيينة.  وهم لم ولن يتغيروا أبدا، من حيث أنهم يشاركون أمريكا والصهيونية، العمل في درء الخطر القومي العربي على  مستقبل………من؟

        وما ينطبق على أولئك ينطبق على حركات ” القومية الدينية ” التي هي أكثر جوهرية في  اجتثاثيتها للقومية العربية من أمريكا وإسرائيل وخلايا الشيوعية العربية العميلة. ولا علاقة بنيوية للعقيدة بمثل هذه الحركات، فهي تكوّن بمجملها طبقة اجتماعية قديمة تستغل الدين، للوصول إلى الحكم، وتعلم أن عدوها الإجتماعي والسياسي  الأول هو التحرر القومي العربي.

        إن الإحتجاج بشكله الجاري حاليا، لا مكان له  في موضوعة الحاجة، ومن حيث المحصلة،  إلا بالتحول نحو الشعبوية، تحت طائلة أية ظروف معادية. وإلا فإن هذه الإحتجاجات ستتحول، على يد مؤسسات العمل المدني الدولية والمحلية، التي لا أمان لها بالمطلق، إلى خامات تستولي عليها كل الجهات  المعادية بآلياتها الجاهزة دائما، من أنظمة،  وإعلام تخريبي ممنهج، وعملاء،  ثم تجييرها لتصبح حاويات لمستحضراتها السياسية.  وعلى الشرائح الإجتماعية، لكي تكون منطقية مع  حراكها، أن تضع في اعتبارها  الموضوعي، أنها تخوض حربا احتجاجية مباشرة لتحرير رغيف الخبز والمواطن، من براثن السياسة والنظام والعولمة وآلياتها، وأن كل سقوط لمعقل من معاقل هؤلاء  هو بالتحديد الخطوة التي  تقرب تحرير رغيف الخبز ورغيف الحرية، من غوانتانامو أمريكا وإسرائيل القائم في كل (دولة عربية)، وأن النظام هو السجان فقط. وأن التحرر في عصر الإيديولوجيا السياسية  الوحيدة، والنظام السياسي الوحيد، في عالم  الما بعد الأمريكي الصهيوني، هو مهمة الإنسان القومي والوعي الماركسي  معا في أي بلد في العالم الثالث.  وذلك لأن  الإلتزام بالتحرير والتحرر الإجتماعي، يعني تناقض الوعي مع الواقع الإحلالي الذي تقيمه أمريكا والصهيونية  على ساحات الوجود الإجتماعي، قبل أن يكون التزاما بأية نظرية فلسفية للتحرر. فالإنسان  بطبيعته التطورية المحكومة بعلاقات  ظرفية موحدة للزمان والمكان والحركة، هو حتما إنسان وكائن قومي بالحتم الموضوعي والعلمي  الشامل. أي أن الأنسان كائن اجتماعي ( ملتزم تلقائيا وعفويا، أي بالحتم الموضوعي، بسياق كينونته الخاص ).  فأين هو موقع الجدل التطوري في الواقعة القومية، الذي يمكن أن يشكل افتراقا جوهريا  ضديا عن الأخر القومي، لتتهم تلك الواقعة من جانب اليسار أو الشيوعية أو، مؤخرا، مشروع العولمة،  بالتناقض مع جوهر التحرر؟ هل سبب التناقضات الإجتماعية  التى قامت على خلفيتها الإمبريالية هي القومية، أم الطبقية؟  فإذا كانت الطبقية هي السبب، فما معنى إلحاق الفقر القومي الطبقي بنقيضه التحرري، والفقر الشيوعي الطبقي  بالثورة التحررية؟ أليس هذا  مجرد سخف  حزبي سببه الخوف الحزبي الضيق، من خطر الواقع القومي الفعلي، على الخصخصة الحزبية للتحرر، أي بيعه للطبقية المحلية والعالمية؟ أليس هذا هو ما حدث فعلا في النهاية؟ ولماذا يجب إلحاق القومية العربية  بأصالتها التطورية التحررية، كرد  جدلي على اعتداء النقيض الطبقي العالمي، بظاهرة القوميات  الأوروبية المريضة، التي  تربت في حضن الجشع الطبقي الإستعماري، والعداء العنصري للآخر العالمي التحرري؟  هل هذا الإلحاق يملك المصاقية العلمية والموضوعية؟ إنه لا يعود حتى علمويا، حين يفترض مرددوه، أن الأنتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية في مجتمعات الرفاه الإمبريالي ممكن نظريا، ولكنه غير ممكن  في المجتمعات القومية، العربية على وجه الخصوص. 

        وطبعا، يدخل في هذا السياق الدجلي الحزبي، الأحزاب الدينسياسية، والليبرالية الحديثة التي تحولت إلى حركة فلسفية  فرويديانية،  يتحزم أتباعها بصور المذيعات في فضائيات السي أي أي.

         لقد تحول عالم النظام والحكم والسياسة إلى  ملكية أمريكية صهيونية، ولا يجوز منطقيا أو موضوعيا  توهم وجود بنى تأسيسية منظمة، ليست عميلة أو مخترقة من النظام العالمي، القائم في حدود الإملاء السياسي للقوة من جانب الشريكتين. لأن ترك الفراغات لا يتلاءم  مع  طبيعة مشروع يريد صياغة جديدة، لكونية  بإنسان جديد وغير تاريخي  بالمعنى التطوري.      

        إن توضيح صورة الساحات الإحتجاجية العربية الحالية، بتوجهاتها الديموقراطية والسياسية، وقياداتها التقليدية، وغياب وعي الربط الموضوعي بين سوء الحالة الإجتماعية، وبين الأعداء  القوميين والتحرريين، الدوليين والمحليين، يغلب احتمالات التشاؤم على احتمالات التفاؤل. فمن غير الممكن الفصل بين النجاح وبين العمل الموازي لتنظيف ساحات الإحتجاج من الألغام الأمريكية الصهيونية. إن ما يرعب أي نظام عربي هو التناول الشعبي والقومي، للممارسة الإحتجاجية، وثورية التعامل مع آليات  مشروع الشركاء السياديين المحلية.  فهؤلاء الشركاء ليس لديهم أية أوهام تخالف موضوعية مشروعهم. والأليات التي زرعوها والتي كان من مهامها أمن النظام، سوف تتحول إلى آليات لاستبداله، إذا بدأ يفقد السيطرة  على مواطنيه. فعلى مستوى بلد كالأردن تربطه بإسرائيل علاقات سلام وشراكة تأسيسية قديمة تصل إلى ما قبل إعلان قيامها رسميا بعقود طويلة، فإن  سوق الخضار والفواكه لا يمكن أن يكون ساحة أردنية سيادية. والمحافظة على النظام الأردني بشكله الحالي هي حاجة إسرائيلية مدفوعة الثمن، وعلى النظام أن يثبت جدواه ويضبط الساحة على  وضع الجدوي السياسية والأمنية، وإلا  فليذهب إلى جهنم. وفي تونس فإن علاقات التطبيع العملي مع إسرائيل تشكل أكثر من معاهدة سلام، وعلاقاتها بأمريكا هي كما ذكرنا سابقا غير عادية. وتونس، مثل قطر تماما، هي محطة انطلاق أمريكية إلى الجوار الأفريقي، ومركز من أهم مراكز التطبيع  مع إسرائيل في ذلك الجوار وما يليه. وعلى النظام التونسي الأن أن يغادر جزئيا أو كليا إذا استمرت الإحتجاجات، وأصبحت تشكل خطرا على مصالح السياديين الأمريكان. وأي استبدال ناجح للنظام من جانب أمريكا، سيكون خطوة نحو الأسوأ بالنسبة للشعب التونسي أو أي شعب عربي آخر، وبالنسبة للمحتجين. وما لم يفعّل الإحتجاج آلية الربط بين مصير حركته والتصي لتلك الأليات فلا مجال لأي تفاؤل.

        أما  مصر فهي خصوصية عربية في حقل من التشابه القُطري.  لذلك فإن الوقوف عندها مليّا يعطي صورة أكثر حداثة للتبعية. فالنظام يبدو إسرائيليا وأمريكيا، أكثر بكثير مما هو مصري. ( لاحظوا قنصلية أربيل التي تزامنت ملاصقة مع تصريحات البرزاني حول  الدولة الكردية المستقلة ). ومؤدى هذا،  أن النظام المصري له دور سياسي وظيفي يتعدى المحلية إلى القطرية، وأحيانا الدولية. ومصر أعرق دولة نظامية في العالم العربي، وهي دولة مؤسسات فاسدة بالكامل، ولكنها من حيث الشكل الوظيفي تشبه مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة. والشعب المصري عموما له تجربة متميزة في قضايا الحكم والسياسة، أكثر من أي شعب عربي آخر.  ولكن نقطة ضعفه هي التلكؤ. فهو إما أن ينام نوما عميقا، وإما أن يواجه بكل قوته. ومع ذلك فإن حال الشعب المصري مع نظامه الأسطوري، لا  تسر الصديق، إلى درجة أن رئيسه الأسطوري، يتعمد أحيانا استفزاز الرأي العام، ويبدي بوضوح أنه لا يقيم وزنا كبيرا له.  ولعله يعتبر هذا جزءا من حربه النفسية على معارضيه، أو تلميحا إلى قوة النظام المدعم بأنجع جهازي مخابرات في العالم. على ضوء هذا النمط البلدي من العلاقات بين رئيس النظام  ومواطنيه، وعلى ضوء علاقاته الحميمة، التي تبلع حد التدين، مع أكبر عدوين لشعبه، تبدو معظم الحراكات الإحتجاجية في مصر، زفات هامشية، أو انتهازية سياسية، يقف وراء معظمها  منافسو النظام على الحب الأمريكي، مثل الإخوان، وحزب الوفد الليبرالي  المحافظ، وجوقة البرادعي الإستعراضية. أي أنها في النهاية ظواهر تحريكية امريكية، ليس ضد مبارك، إنما ضد فكرة التوريث الأسري، التي لا يمكن لأمريكا  حامية الديموقراطية تأييدها علنا. أي أن القضية الإجتماعية غير واردة في هذه الإحتجاجات، بدليل أن البديل الشعبي للنظام في الشارع المصري، هو حركة الإخوان، أي حركة الخلافة ونظام الزكاة والصدقة، التي لا يقبل بها أي عقل أو وعي اجتماعي. ولعل هذا البديل الخطر، هو ما جعل حزب الرئيس الوطني، يخلع العذار في  انتخابات البرلمان، ويتجاوز الدستور باشا باستهانة، لكبح جماح الإخوان من الوصول إليه، كأكبر قوة معارضة للتوريث. عندها يمكن فهم استفزازات الرئيس لمواطنيه، بأنه تهديد مباشر بتخريب الدنيا حولهم، إذا لم يوافقوا على توريث نجله.

         في جو كهذا من الموالاة  الأسرية،  والتبعية المطلقة للغير، على  الشعب المصري إذا كان جائعا،  أن يختصر الطريق ويحتج أمام سفارة أمريكا وإسرائيل، لأنهما هما النظام المصري، أو أن يبحث عن طريق آخر لتحرير الرغيف. ولكن تحرير الرغيف هو خط أحمر لدى جميع الشركاء السياديين.

        إن توفير الخبز والعدالة، مرتبطان مباشرة بمشروع للتنمية الوطنية. ومشروع التنمية هذا، لا يمكن في قوانين  التجربة  الإجتماعية  أن يديره  غرباء،أو إداريون موظفون  برواتب لدى دولة أخرى، خاصة أمريكا وإسرائيل. فهما معا تشكلان استراتيجية بنيوية  واحدة، هدفها منع قيام مشروع تنمية عربي كهذا بأي ثمن. هذا الهدف  هو الذي يقف بالأساس  وراء إقامة إسرائيل، وضياع فلسطين.  كل هدف آخر، يتجاوز استنزاف العالم العربي، وتدمير بناه التحتية وإنجازاته بشكل دوري، لقتل كل مقوماته التنموية المفترضة، ماديا ومعنويا، يعتبر هدفا ثانويا. ولن تسمح الشريكتان أبدا، بنشوء أي حراك اجتماعي  عربي، يؤدي إلى الضغط  والحراك الذاتي  في اتجاه التنمية الوطنية أو القومية، أو بلورة وعي اجتماعي مؤثر. هذا هو الخط الأحمر في سياسة الشريكتين. لذلك لن تسمحا أيضا بتسلل قيادات  وطنية حقيقية  إلى الشارع العربي، وبأي ثمن. ففي مصر، كمثل أيضا،  تحاولان فرض شراكة ديموقراطية على مبارك، مع الإخوان المسلمين، لضمان عدم عودة العدو  القومي المشترك لكليهما إلى الشارع المصري.  فمن خلال تداول السلطة والمعارضة بين هذين الجناحين اللاقوميين، وتعاطيهما السياسي اللاقومي، سيغرق الشارع المصري في العدمية القومية، التي يسعى مشروع الشريكين إلى تحقيقها في كل بلد عربي. فإذا كان الحزب الوطني في السلطة، والإخوان في المعارضة، كان تأمين المزاج السياسي للشارع  المصري  مثاليا،  وأصبح قلب معادلة الحكم بالديموقراطية، من جانب أمريكا وشريكتها، قضية شكلية فقط.  ولن  يكون هناك  خوف  من التحصيل السياسي للشارع من هؤلاء أو هؤلاء.  هذا علاوة على أن الإخوان ليسوا حركة سياسية بمزاج سيطرة حزبوي، وإنما  هي حامل لأيديولوجيا اجتثاثية  شمولية ستلغي  مستقبل الحزبية، ولعبة التداول الديموقراطي للسلطة، مما يضع الطرف المنافس  في مزاج اجتثاثي مقابل، ويجعل الطرفين  يتحركان  في دائرة المنافسة على الولاء للسيد المشترك  فقط.    

        وبالنتيجة، وفي كل بلد عربي، تظل التنمية الوطنية والشعبوية والإجتماعية، حلما سجينا لا يمكن أن يتحقق إلا بالثورة الشعبية أو الإنقلاب  النخبوي.  وهذا مدى افتراضي غير مرئي حاليا. فإرهاصات الغضب الثوري لم تعد قائمة تقريبا. لقد فقدت دورها للعبة الديموقراطية الأمريكية.  فاستخدام الديموقراطية الغربية في العالم الثالث، تشكل سوقا لتمثيل المصالح الفئوية، تمكن أمريكا من تكوين الأحزاب أو شرائها، وخلق الإشكالات وتوظيفها تخريبيا.  كما أنها آلية مثالية لرصد الجماعات والأفراد الذين يمكن الإستفادة منهم في  خدمات الإستكشاف والتوجيه السياسي مقابل أجر. وعلى سبيل المثال تعتبر، ساحة المراسلة، لبعض الفضائيات المحورية لجهاز المخابرات الأمريكي،  عينا  راصدة على توجهات الإحداث، وجمع المعلومات. وعلى شاشتها يتم الترويج  المقنع، والدس السياسي، ودعم الأعشاش المخابراتية  داخل الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني.  وامتحان المرشحين للإستخدام  العمالاتي، من خلال شاشتها الغنية بالخدمات. وعلى سبيل المثال أيضا، فإن جملة دس وحيدة  خلال كلام كثير، أدلى به مقدم إحدى البرامج في إحدى الفضائيات المشغلة مباشرة من جهاز السي أي آي، ساهم في تغيير نتائج الإنتخابات الأخيرة في لبنان لصالح  تيار المستقبل. هذه الأمثلة الهامشية ترمي إلى القول أن تغيير الإتجاه بدون تغيير الوعي، وبدون اكتشاف آليات اللعبة الأمريكية الإسرائيلية القذرة والمحكمة، وعلاقتها الوثيقة بتخريب المشروع التنموي الشامل في الفضاء القومي العام، لن يؤدي إلى نتائج أمامية، بل يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، واستبدال العملاء الفاشلين، بعملاء أكثر نجاحا.

        الشعب العربي موجود على أجندة التصفية السياسية والإجتماعية الشاملة لمشروع العولمة والشرق الأوسط الجديد. والنفط العربي موجود على أجندة النهب، وتصفية دوره الحاسم في التنمية الإجتناعية. والإنسان العربي في طريقه إلى فقدان اجتماعيته  القومية، بوصفها دينامية العمل التنموي. وبشيء أقل من الثورة المتنامية، على اتساع كل التحديات، ستصل التصفية الإجتماعية منتهاها قريبا جدا. فالإحتجاجات النقابية  على النظام، قد تكون تمهيدا لاستبداله بنظام أكثر نجاعة لمشروع  التصفية الدولي.