مصر مقاول باطن اقليمى

 

مصر

مقاول باطن اقليمى

محمد سيف الدولة

 

كانت مصر حتى حرب 1973 ، هى اللاعب الرئيسى فى الوطن العربى .

أو بلغة المهندسين ، كانت هى المقاول العمومى فى المنطقة ، فهى تتحرك و تعمل لحسابها ووفقا لأجندتها المستقلة .

أما الآن ومنذ أكثر من ثلاثة عقود ، فلقد تحولت الى دور المقاول الصغير ، الذى يعمل لصالح ومن باطن الولايات المتحدة الأمريكية التى أصبحت هى المقاول العمومى الجديد والوحيد فى المنطقة .

فكل ادوار مصر وسياستها الخارجية تتحدد طبقا للأجندة الأمريكية :

 افعلى هذا ، لا تفعلى ذاك

 تدخلى هنا ، ليس لك شأن هناك

وهكذا .

* * *

ورغم ذلك لم تحظ مصر بالدور الرئيسى فى مقاولات الباطن الأمريكية فى المنطقة.

لأن اسرائيل هى التى تحتل هذه المكانة .

فهى التى تقوم بأعمال الهدم والبناء الأساسية .

و الأعمال التى تعجز عنها ، يقوم الأمريكان بتنفيذها بأنفسهم ، كما حدث فى العراق .

اما مصر وأخواتها ، فتسند لهم بعض مهام “التفنيش” مثل الترميمات والصنفرة والدهانات .

فهى مجرد مقاول باطن صغير لأعمال التشطيب التى يرغب فيها الأمريكان لتمرير وتجميل وشرعنة مشروعاتهم العدوانية فى المنطقة .

* * *

أقول هذا بمناسبة اجتماع القمة الأخير بين قادة مصر وليبيا وموريتانيا مع الرئيس السودانى فى أواخر ديسمبر 2010، لإقناعه بتمرير انفصال الجنوب الذى يسمونه استفتاء .

فعلى الأغلب ، ان هذه الزيارة وهذا الدور الصغير المحدود جاءا بتكليف امريكى صريح .

اما الطبخة الكبرى فلقد تولاها الأمريكان والأوروبيون والصهاينة بأنفسهم .

فمنذ منتصف التسعينات وهم يعدون لهذا الانفصال من خلال سلسة من الخطوات المتتالية:

·       بدأت بفرض سلسلة عقوبات على السودان

·       وبضرب مصنع الشفاء للأدوية .

·       وباشعال الحرب الاهلية مع الجنوب

·       ثم بدعمه بالسلاح الامريكى والصهيونى

·       وكذلك دعم دول الجوار السودانى : اثيوبيا واوغندا واريتريا وكينيا للتحرش بالسودان عسكريا وسياسيا .

·       وتكليف منظمة الإيجاد بالجانب السياسى والاخراج القانونى  .

·       واستبعاد قاطع وصريح لأى دور مصرى او ليبيى او عربى فى هذا الملف .

·       والضغط بشدة لتوقيع برتوكول ماشكوس 2002 و نيفاشا 2005 .

·       وتوظيف البعثات والقوات الدولية فى السودان و التى شاركت فيها مصر ، للدفع فى هذا الاتجاه .

·       وتوظيف المحكمة الجنائية الدولية لابتزاز القادة السودانيين والضغط عليهم .

·       ووضع ملف السودان تحت الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة الذى يبيح استخدام القوة .

·       الى ان استوت المسائل وجهزت الساحة .

·       ليتم الانفصال الاستفتائى تحت سيف الإكراه الامريكى فى 9 يناير 2011.

·   وهنا تُكَلف مصر بمهمة صغيرة ولكنها ضرورية بإيصال رسالة تهديد للسودانيين أن ” يمرروا الانفصال والا ستكون العواقب وخيمة ”

·       فتفعل .

* * *

و لم تكن هذه هى المرة الاولى

فسياسة مصر الإقليمية فى العقود الثلاث الماضية ليست سوى أعمال تنفيذية لتكليفات من هذا النوع .

وللتذكرة :

·   من 1982 حتى 1993 تشارك مصر فى الضغط على منظمة التحرير الفلسطينية للاعتراف باسرائيل والتنازل عن فلسطين التاريخية ، وتنجح فى مهمتها .

·   وفى الفترة من 1982 الى 2010 تقود مصر كل الأنظمة العربية فى اتجاه انهاء الصراع العربى الصهيونى ، والقضاء على أى إمكانية للمواجهة المسلحة ، وتسييد منهج التفاوض هو الخيار الوحيد ، مع الاكتفاء بحدود 1967.

·   وفى 1991 تشارك مصر وأخواتها بقوات رمزية مع قوات التحالف الغربى بقيادة الأمريكان لإضفاء شرعية على الاحتلال الأمريكى للخليج والتدمير الأول للعراق فيما عرف باسم حرب تحرير الكويت .

·   وفى الفترة من 2003ـ 2010 تسمح مصر بعبور البوارج والطائرات  الحربية الأمريكية فى قناة السويس والمجال الجوى المصري وتشارك فى تدريب الشرطة العراقية ، وتعترف بنظام الاحتلال هناك بإرسالها ببعثة دبلوماسية مصرية .

·   وفى الفترة من 2005 ـ 2010 تشارك مصر فى الحصار المفروض على غزة ونزع سلاح المقاومة ، وفقا لمتطلبات الأمن الاسرائيلى فتوقع اتفاقية فيلادلفيا عام 2005 ، وتغلق معبر رفح ، وتبنى الجدار الفولاذى لتدمير الأنفاق  2009.

·   وفى الفترة من 1974 حتى 2010 ، تعمل الادارة المصرية على تصفية وملاحقة كل القوى الوطنية المصرية المعادية للكيان الصهيونى وللهيمنة الأمريكية .

·       والقائمة طويلة .

* * *

أما المقابل الذى يمنحه الأمريكان لنظامهم و مقاولهم الصغير فى مصر ، فهو حمايته واطاله عمره وتغطيته دوليا فى كل ما يفعله فى أهل مصر وشعبها .

* * * * *

القاهرة فى 30 ديسمبر 2010