كيف نرسم الحدود البحرية؟ ونوقف التفريط بالحقوق..!

 

 

كيف نرسم الحدود البحرية؟ ونوقف التفريط بالحقوق..!

العميد الكتور امين محمد حطيط

 

        من المؤلم ان يجد المواطن حكومة دولته غائبة والحقوق الوطنية سائبة ينهشها كل من امتلك قدرا من علم او قوة، اما من يقبضون رواتبهم بصفتهم مسؤولين حكوميين رسميين، فان فئة منهم تعيش  في عالم الشأن الخاص وفي طلاق مع بالشان العام الذي لا يلتفتون اليه الا لينهبوا منه الاموال ويكدسوا الثروات، و فئة لا تعلم كيف تتصرف لتحفظ حقا وتصون كيانا وفئة قليلة تعلم وتملك الارادة لكن لا  يصغى اليها لان فئة المستثمرين والانتهازيين والجهلة هم الاغلبية في هذه الدولة وللاسف.

        نقول هذا الان وهو امر ليس وليد الساعة بل فرض التذكير به ما يثار حول الحقوق اللبنانية في الثروات البحرية خاصة في الغاز الذي اكتشف في المجال البحري اللبناني بكميات هائلة تجعل من الحقل الذي وجدت فيه من اكبر واغنى حقول الغاز في العالم، حقل تسعى اسرائيل لوضع اليد عليه غصبا خارج القانون ويتلهى لبنان وحكومته  “العاطلة عن العمل” بالمناكفة  الكيدية والسياحة السياسية وغير السياسية، فما هي القضية وكيف نحفظ الحقوق؟

        يبدو مما اعلن ان الحقل الغازي المكتشف يقع مقابل الساحل الجنوبي للبنان وعلى مسافة تتراوح بين 45 و 70 كلم عن ساحال  صور- الناقورة. وهو يتمدد ايضا جنوبا ليواجه ساحل فلسطين المحتلة من الناقورة حتى شمالي حيفا، الامر الذي يعني واقعا ان الحقل في  جزء منه يقع ضمن المياه البحرية والمجال الحيوي الاقتصادي اللبناني وفي الجزء الاخر هو فلسطيني. ما يطرح مسألة ايجاد الخط الفاصل بين القسمين او بعبارة اخرى رسم الحدود البحرية بين لبنان وقلسطين المحتلة.

        في قواعد القانون الدولي العام كرست صلاحية رسم الحدود بين الدول للدول ذاتها، ولها ان توافقت ان  تستعين بطرف ثالث تفوضه بالمهمة، وان تنازعت تلجأ الى حكم او محكمة دولية تفض النزاع، وان تطور الموقف بما يهدد الامن والسلام الدوليين لها ان تلجأ الى مجلس الامن لاعادة الهدوء بوسائله. وفي الحالة اللبنانية نرى ان الحدود في واقعها قائمة  ويمكن ان يتابع شأنها كما يلي:

الحدود البرية: تم ترسيمها في العام 1923 وتمت  المصادقة عليها في العام 1932 لدى عصبة الامم وباتت حدود دولية معترف بها لا يعاد النظر بها الا باتفاق الطرفين، وعندما احتلت فلسطين و بعد حرب 1948 اكدت اتفاقية الهدنة بين لبنان و اسرائيل على هذه الحدود واعتبر خط الهدنة مطابقاً لها. اما الخط الازرق الذي اعتمد في العام 2000، فليس له علاقة بمفهوم الحدود و لا يؤثر عليها ولا يمس بها وسقطت صلاحيته في آب 2000 بعد الانتهاء من التحقق من الانسحاب.

        في الفترة ما بين 1949 و 1965، كانت لجنة الهدنة وباشراف مراقبي الهدنة تتعهد المعالم الحدودية البرية وبشكل متواصل وتتثبت من وجودها في النقاط المحددة احداثياتها في اتفاقية 1923 بوليه ـ نيوكمب.

        لم يتصد احد من لبنان او سواه لمسألة الحدود البحرية لان وضعها في الاصل سهل لا يثير خلاف، فهي معروفة ومحددة بحسب القانون الدولي العام في جزئيها، المياه الاقليمية و هي على بعد 20 كلم من الساحل، والمياه البحرية المشكلة للعمق البحري الحيوي للدولة، وتبعد في البحر الى ما يتعدى ال 120 كلم. اما ترسيم الخط الفاصل بين مجالي دولتين، فان امره يقع تحت نفس القواعد التي ترعى الحدود البرية، وهنا في الحالى اللبنانية، وبما ان لبنان واسرائيل في حالة حرب ولا يمكنهما الاتفاق ويحتاجان الى طرف ثالث فاننا نرى الحل كما يلي:

ان يبادر لبنان الى رسم حدوده بمفرده و يتقيد بقواعد القانون الدولي السالفة الذكر، ويستعين بمراقبي الهدنة فقط للمواكبة، ويضع الخرائط ويودعها الامم المتحدة الحاقا للخرائط البرية. وليس لقوات اليونيفل صلاحية في الشأن هذا فهي ليست وريثة لمراقبي الهدنة كما ان انتدابها يقع تحت اللعنونان العسكري الامني ولا يتصل بمسألة رسم الحدود لان النزاعاللبناني الاسرائيلي لم يكن نزاعا حدوديا بل كانت اعتداء من اسرائيل على ارض تعترف هي بلبنانيتها.

        اذا اعترضت اسرائيل لبنان وبالوسائل القانونية السلمية، يكون للبنان ان يراجع الجهات القضائية الدولية بما في ذلك محمكة العدل الدولية، وان اعترضته بالقوة العسكرية هنا  يمكن للبنان ان يرفع ششكوى لمجلس الامن ويطلب قرارا منه لبت النزاع وتنظيم الامر. 

        اما السلوك اللبناني الحالي فهو سلوك مستهجن وغير مقبول بدءا من طلبه  من الامم المتحدة وتاليا من اليونيفل ـ قوات الامم المتحدة في الجنوب ـ ترسيم الحدود المائية، وهو امر ليس من صلاحياتها و يجب ان لا تفوض بذلك خاصة وان تجربتنا معها ليست سعيدة في العام 2000 وهي التي حاولت اقتطاع 18 مليون م2  من لبنان لتقديمها لاسرائيل واجهضنا خطتها، وليس كافيا ايضا ان نعلم مجلس الامن بما تقوم به اسرائيل ونتفرج، والاخطر من كل لك هو السلوك اللبناني الرسمي في مجال وضع اليد على حقل النفط، واقل ما يقال في هذا السلوك انه تفريط بالحقوق الوطنية، وان المفرطين، لو كانو في دول تحترم نفسها لاقتيدوا الى المحاكم الوطنية الجزائية.

        ان الادارة السيئة لملف حقل الغاز البحري من قبل لبنان حاليا ستؤدي من غير شك الى ضياع الثروة الطبيعية اللبنانية في البحر و تذكر بسلوك كان قائما في العقود الثلاثة الاولى لقيام دولة الاغتصاب في فلسطين، ويشكل اساءة بالغة لتضحيات المقاومة و دماء شهدائها الذين حرروا الارض، ولهذا قد يكون للمقاومة موقف ما في هذا المجال، فكما بادرت بعد ان تقاعست الدولة وحررت الارض فهل سيكون لديها مبادرة اخرى لتحمي الحقوق التي لا تجد سلطة رسمية تحميها؟

:::::

المصدر: “البناء” اللبنانية http://www.al-binaa.com