هناك “سيدي بوزيد” في جميع أوطاننا

 

هناك “سيدي بوزيد” في جميع أوطاننا

د. عيدة المطلق قناة

 

        ربما لم يدر بخلد أي سلطة في أي مكان أنها حين توصد أبوابها.. وتعطل أجهزة الاستقبال لديها.. وتحتكر أبواق الإرسال.. وتعلن في البلاد حالة “العمى والصمم والخرس”.. سيطلع عليها من يخترع طريقته الخاصة للاتصال.. 

        حين يصل الانسداد مداه.. فيغطي كافة الآفاق والمساحات.. وتضيق السبل أمام الناس حيث لا عمل ولا تنمية.. لا خبز ولا كرامة.. لا حرية ولا سيادة.. وتوصد الأبواب.. فإن هناك من سيجد الوسيلة لنسفها وفتحها!!

        غالباً ما تبدأ الانتفاضات من مستصغر الشرر.. ولكن عندما  تكون الشرطة لها بالمرصاد فتهرع بعديدها وعددها وعتادها وتفرط في استخدام القوة.. وينتشر الغاز المسيل للدموع في الفضاء فتحتجب الرؤيا.. كما يضيق النفس والأفق..

        وحين تنهال العصي والهراوات الغليظة على الأجساد.. تنطلق الحجارة  وتبدأ المواجهات والاشتباكات وأعمال التخريب…

        وحين  يخترق الرصاص أول الأجساد.. تخرج الأمور من عقالها، وتنحرف الأحداث نحو منعطفات خطيرة..  فتتمدد المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات.. ويخرج الغضب عن السياق وتسود قاعدة شمشون (عليّ وعلى أعدائي يارب)..  فتقتحم المؤسسات.. ويتم الانتقام منها حرقاً وتحطيماً وتدميرا ( دونما اعتبار إلى أنها مؤسسات وطن وممتلكات شعب)  فتكون الحصيلة قتلى وجرحى ومعاقين ( غالباً ما يكونوا من جميع الأطراف).. وأضرار مادية جسيمة تنال من قدرات الوطن..

        فحين ندقق في انتفاضة تونس يبدو لنا بأن “السلطة المحلية في محافظة سيدي بوزيد التونسية”  لم تدرك أنها حين تستكبر على عربة “لبيع الخضار” خاصة بالمواطن التونسي “محمد البوعزيزي- 26 عاماً”  فتحطمها وتصادر بضاعتها.. وتوصد أبوابها دونه.. فإنها تكون قد استلت صاعق التفجير الأول من غمده ليكون القرار الحاسم بخروج ” البوعزيزي ” من الحياة صاخباً ساخطاً ملتهباً على الملأ.. كما لم تدرك تلك السلطة والسلط الأعلى منها بأنه حين تسيل الدماء وتلتهب النفوس.. ويخترق رصاصها الأجساد..( ليصبح قتل الشباب المتظاهرين كـ”محمد لعماري في مدينة “منزل بوزيان” التونسية ممارسة اعتيادية )  فإن القبضات سوف تتحطم.. لتخرج من بينها آلاف الصواعق المزروعة في ملايين المراجل المضغوطة..  لا على مدى الجغرافيا التونسية فحسب بل بالتأكيد إلى غير مكان.. فمفردات المشهد التونسي كانت قبيل السابع عشر من ديسمبر / كانون الأول 2010 التونسي هي ذات المفردات على امتداد الجغرافيا العربية والإسلامية المبتلاة!!

        ولعل المتابع لحركات الاحتجاج وانتفاضات الشعوب في منطقتنا العربية تحديداً يلاحظ تطابق مفردات المشهد الغاضب.. تبدأ من الاحتجاجات المطلبية البسيطة كالتشغيل.. ( إذ تتفاقم معدلات البطالة خاصة بين خريجي الجامعات (من الجنسين) في كافة أقطار الأمة.. مما أدى إلى تردي الأحوال المعيشية والاجتماعية.. عبر حصار “الفساد والغلاء والكساد والاحتكار.. والتهميش الاجتماعي والتمييز بين الناس والمناطق والتوزيع غير العادل للثروات والفرص.. وهاهي الانتفاضات تتنامى وتتصدى باللحم الحي لإشكالية الاستبداد واحتكار السلطة وانتشار حمى التمديد والتوريث والعبث الفج بالدساتير حتى باتت الأوطان وما فيها من ثروات وبشر تركات يتوارثها الأبناء عن الآباء..

        لقد توحدت سمات مجتمعاتنا العربية بفعل السائد من السلوكيات السلطوية ( سبحان الله كأنهم قد تتلمذوا على شيخ واحد).. ففي كل أقطارنا هناك بطالة وظروف معيشية متردية.. وهناك  ضعف في التنمية وضعف في الخيارات وغياب للبدائل.. أسفر عن ظلم اجتماعي وتهميش واسع النطاق.. يحدوه تباين طبقي فاحش.. واستجداء للوظيفة.. من مؤسسات الفساد والرشوة والاحتكار..

بالمقابل هناك قبضة أمنية ثقيلة.. وغياب للشفافية،  وكبت للحريات وغياب الحوار.. اللهم إلا عبر القنابل المسيلة للدموع و العصى و الرصاص.. و التعذيب و الإعتقال.. وفي حالة الاعتقال هناك تعذيب منهجي وانتهاك صارخ للكرامة الإنسانية.. وسجن انفرادي تفوقت به السلط العربية على غيرها في كل الدول العربية السلطة مختزلة في شخص أو نخبة تسلقت الحكم عبر آليات غير مشروعة وفاسدة.. هناك نهب مبرمج ومنهجي للثروات الوطنية واحتكارها من قبل لصوص المال العام..

 

        هناك غياب مطلق للديمقراطية واستغلال بشع للمنصب العام.. وغياب كامل للرقابة.. وتغول سلطة على باقي السلطات عبر آليات العبث بالدساتير وتفصيل القوانين وشرعنة التزوير والتزييف وإفساد الذمم والمحاباة واستغلال النفوذ.. فصار الاستبداد واقعاً والقمع منهجاً والتعذيب وسيلة.. 

        هذا الوجع العربي:

·        عناوينه واحده.. “ظلم و طغيان وحيف و حرمان واستكبار”..!!

·        ونتائجه واحدة… ” احتقان وغليان شعبي وغضب مكبوت وتذمر في كل مكان”..!!

·        عملياته  واحدة.. “هبات جماهيرية عفوية.. سرعان ما تتحول إلى اضطرابات اجتماعية عنيفة.. وأفعال احتجاجية متدحرجة!!

·        شعاراته واحدة ولو تعددت اللهجات…  فالشوارع العربية تصحو على وقع  صرخات ” كفاية”.. “لا للتمديد ولا للتوريث.. ولا للاستبداد”.. ” حريات.. لا رئاسة مدى الحياة.. “التشغيل استحقاق.. ياعصابة السراق”.. “عار يا حكومة الأسعار”.. ” شغل.. حرية.. كرامة وطنية،!!

·        ومطالبه واحدة..  فجل الانتفاضات العربية هي من أجل: التنمية العادلة.. ووقف التعاطى الأمنى مع تحركات الجماهير.. وحرية التعبير ونزاهة الانتخاب.. ودولة القانون والمؤسسات.. ووقف التطبيع مع العدو الصهيوني.. والوقوف بوجه الهيمنة الصهيو- أمريكية..

·        وردات فعل الأنظمة واحدة.. حيث غالباً ما يكون الأداء في التعاطي مع هذه الانتفاضات فاشلاً ومضطرباً  يتجلى برد أمني عنيف..وإعلام تضليلي..  يقوم على التشويه والتعتيم وتزييف الحقائق و حجبها.. و انتهاكات فظة لحقوق الصحفيين والنشطاء.. و غياب كامل للحكمة والعقلانية..!!

 

        في ضوء هذه التقاطعات الحزينة.. وعلى وقع المشهد التونسي.. يمكن التأكيد بأن “انتفاضة سيدي بوزيد”  على “طريق الحرية والكرامة” ليست الأولى.. و لن تكون الأخيرة… ففي كل بلد عربي هناك سيدي بوزيد تتحفز!!

eidehqanah@yahoo.com