هل فهمت السلطة في تونس الرسالة فعلا ؟

 

هل فهمت السلطة في تونس الرسالة فعلا ؟

جمال محمد تقي

 

يتساقط المزيد من الشهداء بين المحتجين والمتظاهرين المستائين من تردي الاوضاع الاقتصادية والسياسية في تونس، وتوغل السلطة في اغلاق بوابات التعبير المشروعة، فاغلقت الاجهزة القمعية نوافذ الطرق في سيدي بوزيد وغيرها من المناطق، ولم ييأس المحتجون، فقد فتحوا منافذا في قصرين والمهدية وغيرها، ولن يكون الامر بعيدا عن تونس العاصمة نفسها.

الجروح والندب لا تداويها خطب الرئيس المتلفزة والمعلبة والمعبئة بروائح تهدئة الخواطر، والتخويف من اهوال ومخاطر الحراك الشعبي الحقيقي.

ان الهوة بين السلطة وسيدي بو زيد وقصرين وكل مدن وارياف تونس لا تردمها الخطب الجوفاء والعصماء، فهل تردم الهوة القائمة بين الظالم والمظلوم والحاكم والمحكوم بالتهديد والوعيد ؟

الاحتجاج الذي لا يرتوي الا بالنزول للشارع هو خط احمر في عرف السلطة التي تعودت على تزويق سياسة الاخصاء الشرطوية وبيعها في سوق ديمقراطية الوهم، كاشاعة لا تجد من يشتريها في شوارع سيدي بو زيد وكل شوارع تونس، التي تغلي مع كل حالة غلاء جديدة، وسرقة جديدة، وتهميش جديد ومع كل حالة استثمار فاسد ومستبد جديد، ومع كل حملة جديدة من الاعتقالات بين الصحفيين والطلاب والعمال والمحامين والمعارضين والنقابيين الاصلاء، ومع كل دورة انتخابية جديدة تعيد انتاج السلطة ذاتها، لان هذه الاحتجاجات العفوية وبالرغم من سلميتها، تعد وبحسب قاموسه الامني وشغفه السياحي، اخلالا متعمدا بالامن العام وتجاوزا للمسموح به من اشكال حرية التعبير، التي يريدها ان تكون خانعة ومكبوتة عبر قنوات ومراسلات غير علنية بين دوائر السلطة والمواطنين، وبالتالي لتكون بعلم وموافقة وتقنين عسس السلطان، والحلول التخديرية والقهرية لاجهزته واعلامه، فالنظام لا يطيق الاصوات المرتفعة، ولا يطيق التحركات غير المبرمجة لانها تكشف حقيقة الصورة التي يحاول زين العابدين تزيينها وتزييفها.

زينة الشباب يحرقون انفسهم احتجاجا على الاوضاع التي لا ترحم ولا تدع رحمة الله تنزل على العباد، ومن يقدم على هكذا فعل احتجاجي مهول يكون قد يأس من امكانية اصلاح هذه الاوضاع المعتمة بالوسائل المتاحة، بل انه لابد ان يكون قد جرب، واكتشف ما هو اكثر دفعا للخروج الى الشارع والتعبير بكل الوسائل الممكنة عن رفضه للحالة المزرية القائمة.

على عادة رؤساء جمهوريات الخوف والتوريث والتبعية في عالمنا العربي، اخذ الرئيس التونسي يردد بخطبته الاخيرة، تلميحا وتصريحا،  كليشة وجود اصابع خارجية تتأمر على البلاد، وان المشتركين بهذه الاحتجاجات هم اقلية مأجورة ومتطرفة وخارجة على القانون، مستغلين بعض الاخطاء المسببة بالنمو والتنمية!

 نستعيد هنا حالة مشابهة، على اعتبار ان الشيء بالشيء يذكر، حالة الوصف، الكاريكتيري، الذي افترى به السادات على حركة الاحتجاجات الطلابية والشعبية في مصر ايام السبعينات، حيث كان المحتجون يعبرون عن استيائهم من سياسته الانبطاحية والانفتاحية امام الاستثمار الخارجي والداخلي الفاسد تلك السياسة الموالية لاعداء مصر وشعبها، فقد قال السادات حينها: ان تلك الاحتجاجات والمواجهات عبارة عن ثورة “حرامية وصيع ” وان هناك اصابع خارجية تقف خلفها، وقد تبين لاحقا ان جهاز امن الدولة المصري نفسه كان وراء الاعمال الغوغائية والفوضوية التي الحقت بعض الاضرار بالمال العام والخاص وذلك لتشويه صورة المحتجين من جهة ولايجاد مبرر لممارسة اشد انواع القمع بحقهم، وايضا لتخويف الفئات الشعبية الاخرى ومنعها من الانخراط في حركة الاحتجاج، اي لقطع الطريق عليها حتى لا تتحول لثورة شعبية عارمة تطيح بالحكم ورموزه.

ارهاب السلطة المنظم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، والذي تمارسه اجهزة السلطة القمعية والبيروقراطية الفاسدة هو الدافع الرئيسي لهذا الحراك الشعبي العفوي والذي يختزل ما تكتظمه تلك الفئات من كبت وحرمان واذلال في معيشتها وحياتها اليومية، فالمستفيد الفعلي من انتعاش السياحة والاستثمارات الخارجية هم طفيليو السلطة وتجارها وحاشيتها واجهزتها الامنية، اما الفتات فهو وحده ما يحصل عليه المواطن العادي هذا اذا بقي شيء منه، وما يزيد الطين بلة هو تحويل الاقتصاد الوطني الى اقتصاد خدمي مرتبط وبشكل مباشر بالاستثمارات الاجنبية التي لا اجندة لها غير استغلال رخص الايدي العاملة لزيادة اربحاها، فاضعاف القطاع العام من جهة وانعدام الاستثمارات الوطنية بالتنمية البشرية والمادية المستدامة وخاصة في مجالات الري والزراعة والرعي، والصناعات التحويلية والاستخراجية، جعل اقتصاد البلاد تبعيا لهيمنة الشركات الكبرى في العالم، وجعلها موضوعيا سائرة بقطار سياسة التطبيع الاقتصادي والسياسي والسياحي مع الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه، وبالتالي جعلها بموقع الحليف لاعداء التكامل العربي كتطلع شعبي ومصيري.

لقد برهنت جماهير تونس مثلما برهنت قبلها مقاومات لبنان وفلسطين والعراق على ان شعوبنا ما زالت قادرة على تغيير اوضاعها، وكحد ادنى مازالت قادرة على الاحتجاج وبقوة تكفي للفت الانظار اليها،  ومرة اخرى يتبين ان النخب والتنظيمات والفعاليات الوطنية ما زالت متخلفة عن اللحاق بها.

نجح مناضلو تونس في تجاوز حاجز الخوف بالرغم من سقوط عشرات الضحايا ليس في سيدي بو زيد  وقصرين وحدها وانما في اغلب مدن تونس، ومازال المحتجون قادرون على ابطال مفعول احجية السلطة وهيلمانها القمعي القديم والجديد، لقد فضحوا زيف ادعائاتها ووعودها الكاذبة بالاصلاحات الاقتصادية والسياسية.

اليوم نجح المحتجون ومناصروهم في مطاردة مواقع الاعلام الالكتروني السلطوية والتي تسعى للتجهيل والتغطية، ليقولوا لاصحابها بان هناك الف طريقة وطريقة لايصال الحقيقة للعالم، وان اغلقوا بابا فسيفتح العقل الوقاد والمتوثب ابوابا وابواب.

الحقيقة المستخلصة تقول ان نظاما لا يتعض من دروس الماضي لا يستطيع التواصل مع المستقبل، وان نظاما لا يستجيب تلقائيا لمطالب شعبه لا يستحق البقاء، والبقاء لله وحده، فمتى يفهم حكامنا انهم كباقي المواطنين لهم مالهم من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات، وبان السلطة تكليف غير مؤبد، وهي امانة بعنق صاحبها وعليه ان يؤديها لاصحابها بكل امانة ونزاهة وعدالة، عسى ان تكون الرسالة قد وصلت فعلا لنظام لا يفهم لغة شعبه، التي كتبت حروفها بالدم، وهي تطالب بحلول جذرية لمشاكلها المزمنة، وترفض كل الوعود والاجراءات الشكلية!