التطبيع مقدمة للوطن البديل

التطبيع مقدمة  للوطن البديل

جدل عرب الهزيمة

عادل سمارة

 

قرأت ما كتب الصديق هشام بستاني مؤخرا عن التطبيع[1] ( موزاييك .. الموسيقى في خدمة التطبيع مع (اسرائيل) نشاط موزاييك يشمل أفراداً من بلدان في حالة عداء مع (اسرائيل ) مثل لبنان  وإيران) وما كتبه غيره وخاصة عن تدفق المطبعين إلى الأرض المحتلة وخاصة من الأردن العزيز، وازددت معرفة بأن التطبيع يفتك بالوطن والأرض نصف المحتلة وغير المحتلة …بعد!  فهناك أكثر من تطبيع يجري خارج هذه الأرض! لا أود الكتابة أكثر مما كُتب، ولا أكتب هذا للمطبعين، فلن تثنيهم عن دورهم لا الحقيقة ولا البلاغة  طالما طُمست العروبة وغاب الضمير واخضرت الأنفس بالدولار، يا “لخضراء الدِمَنْ”. ولكنني سأحصر هذا القول ضد المطبعين الذين يغزون الأرض المحتلة، نعم هم غُزاة لصالح العدو، ولو كانوا أكثر جرأة لقالوا نعم. وإذا بقي الحال على حاله، سيُجاهروا!

 

حين يتعلق أي أمر بالوطن، فمن الخطورة بمكان التعاطي معه بوجهات نظر. من بوسعه الإثبات أن هذه الأرض ليست تحت استعمار استيطاني اقتلاعي فعلى الرحب والسعة نود أن نسمعه.

 

الأرض المحتلة تعني بلا مواربة وجوب تحريرها بعزمنا وبؤسنا نحن هنا ومن العرب كل العرب. من لا يستطيع ذلك، فليقاطع العدو على الأقل. ليقاطعه في مكانه من الوطن العربي الذي يتجشؤ تطبيعاً. نقول لأي عربي يأتي من عمان إلى الأرض المحتلة نتمنى عليك أن تتجه إلى سفارة الكيان في عمان أو بعثته في قطر، أو أدواته في كل قطرية تمارس التطبيع السري أو العلني. نتمنى أن تُسقط اتفاقية وادي عربة وكامب ديفيد وكثيراً من الاتفاقيات السرية. حين يحصل هذا لن يفكر اي عربي من الأردن بدخول الأرض المحتلة لأنه حينها سوف يفهم طبيعة الموقف وطعم الموقف من العدو.

 

أي مجيء هنا هو نزهة للقادم وليس لنا، هو سياحة، فهو لن يُعتقل وربما لا يصفعه الجندي الإشكنازي بحذائه كما يصفعنا يومياً لأنه يأتي في سياق ما يخطط له العدو. ومن يستطيع القدوم فليتفضل بإدخال ستة ملايين لاجىء من الفقراء والمهلَكين في شتى اقطار العالم. لماذا لا يُسمح لهؤلاء طالما هي بهذه البساطةّ؟

رفضنا للتطبيع لا يعني ولا يشمل سيدة تحنُّ لرؤية أولادها ولا رجلا يريد رؤية أحفاده قبل أن يرحل، فهؤلاء يأتون كثيراً نستقبلهم ونحبهم، نحن نحب أكثر من المطبعين لأننا على الأقل نعاني. ولا يداوي جراحنا مجيئ المطبعين المخملي فهم لا يأتون إلينا بل يُجلبون إلى أمثالهم ويتم استقبالهم كما يستقبل الكيان المستوطنين. لذا، لا داعٍ أن يتذرع البعض بجعل الفلسطينيين الطيبين الآتين لأهلهم مشكلة وعلى اية حال يجري إذلال القلة المسموح لها بالقدوم شر ذِلَة.

 

نحن هنا في السجن، وتحديداً مع احترامي لمسامع الجميع وشهامة العرب القدامى، نحن تحت الأحذية. ولكننا فريقان:

·        فريق يقاوم الأحذية حتى لو برمش العين

·        وفريق يلعقها كما لو كانت ثدي أمه.

 

لا مكان لعربي هنا إلا بأحد هذين الخيارين. فنرجو أن تبتعدوا عنهما وتظلوا هناك.  وهناك لا شك كثير مما يمكن أن تعملوه، ولسنا معلمين لكم.

 

لذا، لسنا بحاجة لمن يزورنا، شكرا على الزيارة وخاصة حين تكون لوزارة الثقافة حيث مكمن التطبيع. فالمقعد الذي جلست عليه هي أو هو، كان عليه بالأمس كاتب صهيوني. في وزارة الثقافة.  يؤسفنا ويحزننا أن نخبر العرب الحقيقيين بوجود مثقفين هنا يبدون كرها واحتقارا للأمة العربية والقومية العربية، ومن ضمنها الأردن بالطبع. يبدون إعجابهم بالصهاينة وبما  يسمى العقل الأوروبي “المبدع والمغامر”.

مَنْ التقيتموهم في وزارة الثقافة ستلقوهم في تل ايبيب، وفي الكيبوتسات حيث يتربى ويتربع مثقفون فلسطينيون من أل 48 ثم يُنادون بالقومية العربية! سنعطيكم ذات وقت أسمائهم. من التقيتمومهم هم “مدراء” منظمات الأنجزة، وهم أنفسهم يستقبلهم البيت ألأبيض.

 

هل تزعجكم هذه الصراحة، لا بأس. نحن هنا منعنا أدبنا ذات يومٍ وذات ضعفٍ وذات إشفاقً عن البوح بتفاصيل تطبيعيين وتطبيعيات مارسوا ذلك في الثقافة والشعر وفي المسرح وفي الكيبوتسات ناهيك بالطبع عن القطاع الخاص والتطبيع الاقتصادي والأكاديميا. كانوا يذهبون هناك ويعودوا يحاورونا ويندسوُّا بيننا وحتى ليكتبوا عن جمال رفض التطبيع والمواقف القومية والاشتراكية. ولكن، والآفة قد وصلتكم، لن نسكت بعد! تماماً كما كان التطبيعيون والتطبيعيات يغتسلون عند ناجي العلي ثم شاركوا في اغتياله، وعاد بعضهم/هن لزيارة ضريحة… لا شك للتشفي!

 

وبصراحة، ليس الخلل عند وزارة الثقافة لأنها وُجدت بموجب أوسلو، هذا دورها، رزقهم، ولكن ليس من الله!. إن الخلل فينا نحن لأن علينا أن نقاطعكم حين يُدخلكم الاحتلال إلى هذه الأرض المُهانة. وربما يكون يوماً يضربكم فيه أطفالنا بالحجارة والبيض الفاسد. وإنني أستغرب لماذا لم يفعلوا بعد! فإذا كنا ندعو إلى تفكيك مفاصل الدولة القطرية، فالمطبعون/ات من مفاصلها المصابة بداء المفاصل.

 

لسنا في شوق للمهزومين.

 

نحن نعلم أن التهالك على الزيارات هنا هو البديل الخطير للدور الحقيقي وهو استرداد الوطن المغتصب. وهو تعبير واضح عن الهزيمة خارج الوطن، هو استخراج فتاوى تغطي على العجز العربي وتغذي عجزنا هنا. هذه حقيقة الأمر. إن أمة مهزومة لا يمكن أن تحرر سجينا بالزيارات والبكائيات. إنتصروا للأمة وبعدها ستدخلوا هنا فاتحين. لقد زارتنا أمهاتنا آلاف المرات في المعتقلات ولم يخرجننا!!!!

 

من يحب فلسطين، فليذهب ليتعلم من أحمد الدقامسة، البطل الشعبي، لم يكن فيلسوفا ولا أمير شعراء بل أميرالأمة كلها. هل قرأتم كيف فكر هذا الرجل؟ ألا يستحق قراءة اجتماعية أتثروبولوجية لفهم ذاكرة الأمة وروح الشعب؟ ألا يستحق رسالة دكتوراة تحلل كيف لا تنسى الأمم الحية جراحها؟

 

لماذا تنبهنا لمناهضة التطبيع اليوم؟ سؤال جوهري ما لم يكن هدفه التبرير. لم نكن نعرف خطورته والحمد لله فهمنا. ما الخطا؟ لم نتعلم باكراً من الإخوة المصريين ، وها قد تعلمنا؟ اين الغرابة؟  وأين العيب؟

 

حين يتعلق الأمر بالوطن لا يوجد كاتب كبير وشاعر أكبر فوق التطبيع وكاتب صغير يجب قطع قدمه التي انزلقت للتطبيع. كان محمود درويش شاعرا كبيرا جدا، وكان تطبيعه اكبر. كُتب عن درويش اكثر مما كتب عن فلسطين ومن أطرف ما كُتب كان من أحد ربيبي الكيبوتسات حيث أدان تطبيع درويش كتابة ثم مدحه في مراسلات سرية!!! أليست هذه أدوار العملاء؟؟؟ . إن الاتكاء على كبير وصغير هي من نمط التفكير التقليدي وأقرب إلى نمط ثقافة الإقطاع. وحبذا لو كان هنا إقطاعاً وليس احتلالآً!

 

باختصار، في الوطن العربي المهزوم الكثير مما عليكم القيام به، أنجزوا مهامكم هناك وحينها يصبح تحرير الأرض المحتلة قاب قوسين او أدنى. إذا كانت الدعوات لأي كان لزيارة الأرض المحتلة جريمة، فإن مجيئكم هو العار بعينه، كم نخجل  منه أمام المثقفين الصهاينة وحتى أمام المتضامنين من العالم. نرجوا منكم أن تذهبوا لسياحة في سوريا أو تركيا أو اي مكان وليس هنا. لا بد أن من اتوا رأوا اقتصاد الكازينو ولم يروا لا السجناء ولا الفقراء.

 

ومع ذلك، إذا أنفقتم فلساً هنا فمآله اقتصاد الاحتلال، وإذا أنفق عليكم من يدعونكم فهم يسرقون ما يسمى “منحة أو مساعدة” للفلسطينيين بدل أن تُنفق على فقراء المخيمات أو مشاريع التنمية أو اسر المعتقلين. بكلمة، مجيئكم مساهمة في دعم اقتصاد الكيان. إسألوا طالب اقتصاد في المرحلة الأولى سيؤكد لكم ذلك.

زرتم وزارة الثقافة. ولكن هل يجرؤ اي منكم على زيارة أسرة استشهادي؟ هل فكر أحد منكم بذلك. ليفعل وحينها سيرى  كيف سيعامله العدو. لندع هذا، فسقفه عالٍ وخطير! هل يجرؤ احدكم، او هل “يتواضع” لزيارة اسرة الشهيد القواسمي 66 عاماً الذي قتل في فراشه قبل ايام؟

 

إن الأرض المحتلة محتقنة بالمطبعين كاكياس القيح، فلا تزيدوها هنا. هل تريدون معرفة ألوان التطبيع هنا؟ لا مجال لتعدادها ، ولكن هنا من يُطبعون في الأبحاث ويطبعون في الكيبوتسات، ويطبعون مع الدول الغربية التي ترعى العدو كإبنها، وهنا من يشترون منتجات العدو ويستضيفونه في بيوتهم، بل هنا قيادات فصائلية تشارك المستوطنين احتفالاتهم.. نعم فالتطبيع ليس فقط داخل الأرض المحتلة بل في الوطن الكبير ومن هنا إلى الوطن الكبير الذي يفتتونه إلى حظائر دواجن!! نرجوكم أن تتركونا وتحموا الوطن ، تحموا أولادكم ونسائكم ورجالكم ومقابركم! هل تعرفون ماذا يريد منا المطبعون العرب والمطبعين من هنا (بالمعكوس)؟ أن نسكت، اي أن نخون!

 

بصراحة وألم: ليس هناك أغرب من محاججات من أتوا ومن يتهالكون كي يأتوا. لذا لا أريد الرد على أحد بالإسم.

 

من يأتي إلى هنا إنما يبارك للصهاينة ارض فلسطين. وهذا ليس من حقه. ليس من حق أحد إسقاط حق العوة بدءاً من قمة سلطة الحكم الذاتي (أوسلو-ستان) وصولاً إلى أي مواطن عربي. إن التطبيع مع الأرض المحتلة هو مقدمات وتمهيد للوطن البديل، فهل يتنبه اهلنا في الأردن لذلك؟ . كفى مواربة ولوياً لأعناق الأحياء. هذا وطن محتل لا يُعاد بتقبيل الأحذية ولا بالبكاء على السجناء. وبالمناسبة لسنا جميعا سجناء، فمن التقيتموهم ليسوا سجناء بل من بينهم سجانين بالمعنى الجسدي وبالمعنى النضالي. هل تعلمون من الذي قمع الخلايا المسلحة في طولكرم والخليل ونابلس… لست أنا! بل من التقاكم بالقبل والابتسامات.

من يأتي إلى هذه الأرض من “المثقفين والخبراء والساسة والفنانين” إنما يأتي تحت راية العدو، فليذهب إلى تل ابيب مباشرة وليبق هناك كما يفعل الساسة العرب منذ حتى ما قبل 1948 لأن المطبعين هم نسل أولئك وليسوا نسل العرب أو كنعان. وهناك سوف يستقبلهم متعاقدون فلسطينيون من أعضاء الكنيست وتلامذة التوراة في الكيبوتس وأعضاء حزب العمل وحتى الليكود. هناك مناخهم فلماذا يتسربون ويتسللون إلى أحشائنا؟ أم أن العدو يشترط تقديس التطبيع (ومعذرة للقدس) تل أبيب اقرب، وأغنى. هناك معاهد تخريج الجواسيس، وهناك فرص اغتصاب النساء الجميلات بالنقود، وهناك يسبح العراة في الكيبوتسات ذكورا وإناثاُ، وهناك المثليون على الأرصفة، فليذهب المطبعون إلى هناك . ومن يدري أنهم لا يذهبون؟ ذات يوم كان هناك احتفال تطبيع في رودس، كتب عنه أحد الحضور من الصهاينة: “كان التطبيع في رودس حميماً ودافئا ومدوَّرا مثل ثدي” بل وذكر اسماء إناث عربيات!! وما كان في رودس لماذا لا يكون في تل ابيب؟ ونخشى أنه في رام الله ونحن لا نشعر. ألم تستضيف رام الله الموسيقار الدموي دانييل برينباوم الذي أعلن تاييده لمذبحة غزة، وكاد أحبته أن يلقوا بنا في السجن من أجله! ألا تقود النرويج التطبيع بالموسيقى في الأرض المحتلة؟ أما آخر نِعَم النرويج هذه فهي ثالث عاصمة دولة تعبِّر منذ اليوم الأول للاستفتاء الكريه في السودان عن حلمها بانفصال جنوب السودان، طبعا بعد أميركا وبريطانيا! من اين أتت بُغاث الدول بهذا الاهتمام!

 

اشار البعض إلى مقارنة بين العراق وفلسطين. لا ايها السادة هناك اختلاف كبير. هناك احتلال ونتمنى بعد أن لا يصبح استيطاناً. ومع ذلك نعم، من يزور العراق عليه أن يدخله سرا للمقاومة. إنما يجب أن لا ننسى أن ما يجري هنا هو اقتلاع بالمطلق. فلنعط المقارنة قرائنها.

 

لماذا لا تستقبلونا انتم؟ لماذا لا تطلبوا وفودا شبابية من هنا لزيارة الوطن العربي؟ ترى هل تخجلون بهذه الأنظمة؟ لا باس إنشغلوا بها إذن. وفروا طاقتكم كي يمر تحرير فلسطين من عواصم القطريات. هكذا بدأ الوعي القومي الثوري وهكذا يجب أن يستمر.

 

ولكن، لا تحبونا كثيراً، انتبهوا، بين من يزوكم منا جواسيس. هل هذا كثير وعيب؟ لا. هناك من توظفهم دولة الكيان والدول الغربية للتجسس. فليس كل من يزوركم من هنا قدِّيساً، فما بالك من يرحل من هنا طوعاً.

 

هل سمعتم بآخر إبداعات التطبيع؟ إنها الرحلات السياحية للمغتربين العرب من حاملي الجنسيات الأجنبية التي يجلبها الصهاينة إلى الأرض المحتلة.

 

وبكلمة أخيرة ومُرَّة: إحموا الوطن العربي، وألف شكر لكم.

 


[1]   والذي ننشرة في هذا العدد من نشرة “كنعان”.