لا يصلح الغرب إلا عدوا

لا يصلح الغرب إلا عدوا

أحمد حسين

 

سقط رئيس ساقط، بدون أن يترك وراءه فراغا يمكن أن يملأه الشعب. وقد أثبت شعب تونس أنه ِشعب في غاية الشجاعة، وعليه الآن أن يثبت أنه أيضا يملك الوعي إلى جانب الشجاعة، ويقوم بخلق الفراغ الذي يستطيع أن يشغله لحسابه. لا يصح أن يترك أثرا من عهد دفع الثمن من دمه ليتخلص منه، وإلا فإن تضحياته ستثتثمر ضده، في إعادة السلطة إلى التداول النخبوي السياسي، الموزع بين مراكز القوى الدولية. نظام زين العابدين، مثل معظم الأنظمة العربية، كان قحبة دولية تتوزع ولاءاتها بين الحلفاء الغربيين، ولكن ليس بالتساوي. تصرفت دائما بناء على أساس المفاهمات القائمة في تقسيم النفوذ داخل معسكر الحلفاء. واليوم لم يعد هناك حلفاء حقيقيون سوى أمريكا والصهيونية. وهما اليوم، تعملان معا على تصفية معاقل النفوذ الأوروبي القديمة لصالحهما، تمهيدا لإقرار تراتبات العولمة والبقاء في موقع السيادة العالمي. وأوروبا أفاقت اليوم، كما يبدو، على أنها كانت طيلة الوقت، مجرد قحبة دولية، تعمل في خدمة التحالف الأمريكي الصهيوني. وهناك الأن إلى جانب القحاب الرئاسية الأوروبية، أوساط وقوى ضغط قومية، تحاول استعادة مواقعها الإستعمارية القديمة، في المنطقة العربية وأفريقيا بشكل خاص. لذلك فإن ما جرى الآن ويجري في تونس، يجب أن ينتقل إلى مرحلة الثورة الشعبية، التي تخرج السياق كله من هيمنة الحرب الباردة بين أمريكا والصهيونية من ناحية، وأوروبا من ناحية أخرى، وتضعه تحت سياق التحرر القومي. هذا السياق هو الفراغ الشعبي الوحيد القائم والدائم، القادر على استيعاب كل التطلعات التحررية للشعب التونسي العربي , وإلا فإن استبدال قحبة دولية فرنسية – أمريكية، بأخرى أمريكية صهيونية خالصة، سيكون بداية لضياع جديد و”ديمواقراطي”، تقوده قحاب النخب السياسية لواشنطن وتل أبيب في الداخل، نحو هاوية أعمق.

 

إن الشعب التونسي بالذات لا تنقصه النخب الشعبية. ويستطيع ببداهة الوعي والإلتزام، أن يجد نخبه الشعبية القومية هذه، ويوكل إليها مهام المرحلة الثورية الحالية، ويضع وراءها مرحليا كل شجاعته النادرة واستعداده للتضحية. وليعلم الشعب التونسي أنه يمسك بين يديه الأن مصير الساحات العربية كلها، وأنه سيفوز بفخر تحرير أمته ومستقبلها.

 
من أحقر مرحلة تاريخية مر بها شعب من الشعوب وأمة من الأمم، بشهادة يوميات عصر القحاب الدولية العربية. إن النتائج التي ستسفر عنها الهبة التونسية، هي ذاتها التي ستنعكس على الساحة العربية والدولية. إما أن تحولها قحاب النخب السياسية والحزبية والنقابية، إلى هبة إصلاحية ديموقراطية، أي إلى فيلم أمريكي صهيوني، أو أن تتصدى لها النخب الشعبية وتخلق منها تحولا ثوريا، يفتح باب الخلاص الدائم، من سياق الإضطهاد العالمي للأمة العربية.

 

كل الثورات التحررية قامت بها الشعوب، ودفعت ثمنها بالبداهة التحررية من دمها، وخانتها الأحزاب المتطفلة عليها والنخب التنظيرية، وأخيرا باعتها لمن يشتري من أعدائها. إن سوق السياسة، مثل أسواق السلع ليس لها أخلاق اجتماعية، ومن الخطر أن تشترى من أحد ثورة جاهزة لا تصلح لواقع المرحلة التطورية التي يمر بها شعبك. لقد أفادت التجربة أن الثورات الجذرية يجب أن تبدأ من إمكانها العملي والموضوعي القومي، وليس من الثورات التي تبدأ من الأممية، وتنتهي في حضن الصهيونية. أنا فقط أسوق لكم تجربة الثورة الفلسطينية التي أنتهت بنظام عباس. تذكروا ما فعل هؤلاء الأوغاد من تجار الثورة، بالشعب الفلسطيني، حينما باعوه للصهيونية تحت لواء التحرر من القومية، لأنها رجعية، بينما الصهيونية تقدمية. لا تخطئوا كما أخطأنا ذات مرة، ودفعنا وجودنا كله بسبب هذا الخطأ. لم يوصل إلشعب الفلسطيني إلى حضيضه الحالي سوى تحالف اليسار اللاقومي مع الصهيونية التي تطالب اليوم بتهويد العالم. هذا درس تعلمناه، فدعوني أتطفل به عليكم على سبيل التذكير. دعوني أتطفل عليم أيضا بالتذكير بالدرس الذي تعلمناه جميعا من أمميي الخلافة، الذين ليس لهم مهمة، كما يدعون، سوي محاربة العولمة الأمريكية الصهيونية، ليقيموا نظام العولمة الإسلامي على أنقاضها. إنهم الأبناء الشرعيين لامريكا والصهيونية والإمبريالية الحديثة، وذراعها الإرهابية التي أصبحت أمريكا وحلفتها، تخيفان بها الأعداء والأصدقاء في العالم على حد سواء.

 

أكبر أعداء الثورات، هو ما يسمونه التهدئة، أي وقف اندفاع الحركة، قبل تحقيق أهدافها الجذرية، لإعطاء الفرصة للحركة المضادة لالتقاط أنفاسها. هذا التوقف في منتصف الطريق حول الغموض، هو عادة الفرصة الذهبية للمتطفلين والإنتهازيين والثورة المضادة. لحظة الموت هي التي تتوقف فيها اليد من الضغط على الزناد، قبل انتهاء المعركة.

 

في حالة الشعوب العربية لا تنفع الهبات الشعبية التي تتوقف عند المطالب الإجتماعية ورفع مستوى المعيشة، إذ أن الظلم الإجتماعي في حالتنا ليس ظلما اجتماعيا في مجتمعات تنموية مستقلة، وذات وطنية طبقية من نوع ما. نحن مجتمعات لا تعيش فيها الأنظمة على فائض الربح الوطني، بل على عوائد الخيانة، العمالة السياسية وسرقة الشعب والثروة الوطنية لصالح مستخدميهم. فممن تطالب شعوبنا بهذه الأشياء؟ النظام لا يملك شيئا في الوطن الذي يدير شؤونه. بل هو بحد ذاته مملوك لغيره. فماذا تنفع المطالبة من نظام كهذا بالعدالة الإجتماعية، التي تقوم على الإقتسام العادل للثروات وعوائد التنمية الوطنية المتكافئة. إذن فالمشكلة بالدرجة الأولى مشكلة تحرير وطن من اللصوص الدوليين، وتنظيفه من اللصوص المحليين وتشييده على الإستقلال الحقيقي. وهذا يتطلب هبة بمقاييس ثورة وليس العكس. ويتطلب مجلسا ثوريا يتم اختياره ميدانيا، وليس مفاوضين تقترحهم قناة الجزيرة والجامعة العربية. وبدون استقطاب كل فئات الشعب حول وعي الثورة الشعبية، وتحويل كافة النخب غير الشعبية إلى الحبس المنزلي، فلن يحدث جديد على أية ساحة عربية.

 

لا أريد الإسترسال في التطفل، ولكني بمدى ما أعتقد أن الثورة التونسية هي فرصة العمر العربي الضائع، بمدى ما أنا خائف عليها من الفوات. إذا تقدمت نحو المستوى الثوري القومي التحرري، أصبح لكل الشعوب العربية حصة في نفط الخليج المؤمم أمريكيا وصهيونيا. أما إذا نجح أوغاد الساحة في تحويلها نحو التعدد واليموقراطية وإصلاح الخلل، أي ألى فيلم أمريكي كما سبق، فعلى الشعوب العربية الرحمة، وللقحاب الدولية طول البقاء.

 

لا عدو إلا الغرب. ولا سبيل للتحرير إلا وحدة الأهداف القومية بين الشعوب العربية. ولا تنمية اجتماعية وطنية وقومية، إلا بتحرير الثروات العربية وعلى رأسها النفط من أمريكا. أما الأنظمة، فقد رأيتم كيف طار زين العابدين مثل أي لص حقير، وكيف طردوه عن ابوابهم كما تطرد الكلاب، فقط خوفا مما يجري في تونس، وحتى لا يثور معها ثلثمائة مليون عربي ضاقت بهم سبل الخلاص.