مشروع موسيقي أسسه أردني وإسرائيلية

مشروع موسيقي أسسه أردني وإسرائيلية

هشام البستاني

 

·      موزاييك .. الموسيقى في خدمة التطبيع مع اسرائيل

·      نشاط موزاييك يشمل أفراداً من بلدان في حالة عداء مع (اسرائيل ) مثل لبنان وإيران



 

لا ضير من إعادة التأكيد على أن المشروع الاستعماري الاستيطاني للكيان الصهيوني في المشرق العربي لا يكتمل فقط بالهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي استطاع حتى الآن الحصول عليها بالقوة من جهة, ومن خلال المعاهدات والاتفاقيات المعلنة وغير المعلنة التي أبرمها مع النظام الرسمي العربي من جهة أخرى, بل إن الهدف الأعلى لمثل هذا المشروع هو تحوله من كيان غير شرعي وغير مقبول إلى كيان طبيعي ومقبول شعبياً. هذا ما حصل للمشاريع الاستعمارية الاستيطانية الكبرى في العالم (الولايات المتحدة, كندا, استراليا) إذ لا أحد يشكك لا شرعياً ولا أخلاقياً بهذه الكيانات حالياً إلا بصوت منخفض لا يثير سوى الهزء من قبل خصومه. هذا هو اللب الأساسي لما نسميه التطبيع: القبول بما هو غير عادل وغير طبيعي وغير شرعي ليصبح عادلاً وطبيعياً وشرعياً.

 

إسرائيل (من خلال المفاوضات التي لا تنتهي, ومشاريع السلام والحرب بالتبادل) تشتري الوقت لكسب مزيد من الثبات والوصول الى حالة القبول بالأمر الواقع بشكل نهائي, لكن جهودها لا تتوقف هناك فقط, فهي تعمل أيضاً على اختراق القطاعات الشعبية والمثقفة من خلال مشاريع مختلفة لإدماجها ضمن بنية القوة الاسرائيلية وانتاج وعي جديد مزور حول طبيعة الصراع الدائر في المنطقة, وترويج خطاب التعايش والسلام والحب بين المُعتدي والمعتدى عليه, بين المظلوم والظالم, بين صاحب الحق التاريخي ومن أتى ليُنتج نسخة مزورة من التاريخ لصالحه.

 

ولعل الخطورة تتضاعف إن قُدِّم هذا الخطاب من خلال عمل ابداعي موسيقي أو مسرحي أو فيلمي أو أدبي, لأن الأعمال الإبداعية تحفر في الوجدان العام للناس, وتشكل خلفياتهم وأساساتهم الثقافية, وهي (إن كانت تجريدية مثل الموسيقى) تفتح لهم آفاقاً تخييلية وتشحنهم مشاعرياً وتنسج بينهم روابط واعية ولا واعية, تتحوّل بمرور الوقت الى ذاكرة جمعية وتجربة ذات طابع إنساني. ولا ضير في كل ذلك سوى إن كان التخييل والشحن المشاعري يُستعملان في سياق غسيل وجداني عام – كما غسيل المخ- لتمرير الأكاذيب وحفرها حفراً في ذاكرة الناس.

 

هذا بالضبط ما يفعله مشروع يطلق على نفسه اسم موزاييك, أسسه كل من الأردني جميل سرّاج والاسرائيلية لي زيف بعد ان التقيا خلال المؤتمر السادس ل¯ مبادرة الأديان المتحدة – منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والذي انعقد في شهر 10/2008 في إربد, ليجتمع الاثنان في غور الأردن بعد شهرين فقط بصحبة 10 موسيقيين من الاردن وفلسطين واسرائيل, فتتشكل موزاييك بشكل رسمي وتنطلق بقوة, فكان أن اجتمع في آذار 2009 في شطنا شمال الأردن عشرون موسيقياً لمدة خمسة أيام كانت حصيلتها تسجيل ثلاث أغانٍ وحفلة في عمّان, ثم اجتمعت المجموعة في نيسان 2009 في سيناء بمشاركة اردنية- مصرية- فلسطينية- اسرائيلية, وبعدها التأم شمل الموسيقيين مرة أخرى في سيناء في شهر 10 من عام 2009 بمشاركين من نفس البلدان مضافاً إليهم لبنان, ليخرج المشاركون المفعمون ب¯ الحب بتسجيلين جديدين, ثم شارك الموزاييكيون -كما يسمون أنفسهم- في المؤتمر السابع ل¯مبادرة الأديان المتحدة – منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا والذي انعقد في شهر 12/2009 في مادبا وقدموا ورشة حول الموسيقى كأداة للتصالح والتواصل غير العنيف لمشاركين من العراق, لبنان, اسرائيل, الأردن, فلسطين, الجزائر, مصر, المغرب, ودبي! 

 

الموسيقى كأداة,… هكذا كان عنوان الورشة, وهكذا نفهم بوضوح أن الفعل الإبداعي لدى هذه الجماعة ليس مقصوداً لذاته على الإطلاق, إنما هو مجرد أداة أو وسيلة للتطبيع المباشر والواضح. لا تخفي لي زيف, المؤسسة الاسرائيلية للمشروع ذلك, خصوصاً إذا علمنا أنها تدير مبادرة صُلحة المخصصة ل¯جمع قلوب أبناء إبراهيم في أرض إسرائيل, فهي تقول لقد قررنا منذ البداية أننا لن نعمل مع موسيقيين محترفين أو معروفين. نحن نريد أناساً يحبون الموسيقى ويريدون التواصل من خلال الموسيقى. هكذا تصف الصحفية كارين كلوستيرمان فرقة موزاييك في موقع اسرائيل القرن الواحد والعشرون بأنها أول فرقة متعددة الأديان ومتعددة القوميات في الشرق الأوسط ستضع تركيزاً أكبر على الجزء الصانع للسلام من الموسيقى, بدلاً من حرفية الموسيقى. كما نجد ضمن أهداف موزاييك مواضيع مثل نقل رسالة الوحدة والتصالح والسلام للمجتمعات المحلية في المنطقة, كما أن تجمعاتها تأخذ شكل دوائر الحوار والورش حول النزاع, وقصص التحوّل وما الى ذلك!

 

الأخطر من كل ذلك هو شكل هذه التجمعات, فمن الصور المنشورة على موقع موزاييك الالكتروني وصفحة الفيسبوك الخاصة بها, نرى أن أغلب الاجتماعات تتم على شواطئ البحار, ونشاهد الشباب والصبايا طوال الوقت بملابس البحر وبأوضاع حميمة جداً. الحياة الشخصية للناس هي ملك لهم, لا جدال في ذلك, لكن الاوضاع الحميمة التي شاهدتها لشبابٍ وصبايا عرب مع أفراد من كيانٍ معادٍ أضاءت في ذهني الكيفية التي تقوم من خلالها الأجهزة الاستخبارية ل¯إسرائيل بإسقاط العملاء: فمن خلال عشرات الأدبيات المنشورة عن عملاء الموساد واعترافات العملاء الذين تم تجنيدهم من قبل هذا الجهاز وغيره, فإن أهم وسيلتين استعملتا لإسقاط العملاء هما الجنس والمخدرات, ويبدو أن الكثير من الاثنين يتوفران في مخيمات واجتماعات موزاييك. وإن أضفنا الى ذلك جملة خطيرة ترد ضمن قسم رؤية موزاييك على موقعها الالكتروني تقول: كل المشاركين في موزاييك, سواء من المجموعة الاساسية او من الموسيقيين الضيوف, هم من صانعي التغيير الذين لديهم مكانة وتأثيراً كبيرين في مجتمعاتهم, أو هم من الذين لديهم الامكانات الكامنة لذلك, يصبح من السهل الاستنتاج أن موزاييك هي مصيدة اسرائيلية حقيقية للمؤثرين في مجتمعاتهم أو لمن سيصبحون كذلك يوماً ما. 

 

وفوق كل ذلك, فان نشاط موزاييك يشمل أفراداً من بلدان في حالة عداء مع اسرائيل مثل لبنان وإيران, وبلداناً ليست لها علاقات دبلوماسية واضحة معها مثل الجزائر والامارات, لذلك فهي تشكل اختراقاً سياسياً وأمنياً لهذه البلدان. كما أن التزوير الموسيقي الذي يمارسه المشروع بتقديمه صنفاً من الموسيقى اسمه الموسيقى الشرق أوسطية, وعزف ما يسميه المشروع أغان قديمة تم توارثها من آلاف السنين بالعبرية والعربية..الخ, يجعل من الكيان المغتصب إسرائيل جزءاً أصيلاً من المنطقة لا سياسياً فحسب, بل تاريخياً وتراثياً وثقافياً أيضاً.

 

أما المنظمة الأم التي ينضوي تحتها مشروع موزاييك فهي مبادرة الأديان المتحدة التي تعرّف نفسها على أنها منظمة غير ربحية تهدف الى الترويج لتعاون دائم ويومي بين الأديان, والى انهاء العنف المدفوع دينياً, وخلق ثقافة السلام..الخ ويتخذ فرعها المخصص لإقليم الشرق الأوسط وشمال افريقيا من الأردن مقراً له. ورغم كلام الحق الذي يراد به باطل عن التسامح والحوار والبرامج ذات الطابع المحلي, فإن نظرة متفحصة لهذه المنظمة تكشف هيكلها الذي يشبه التنظيم الحزبي: فهي تملك مجلس أمناء دولي يتبع له مجموعة الأمانات الإقليمية والمنسقون الإقليميون. أما اللبنات الأساسية للتنظيم فهي شيء يشبه الخلايا الحزبية يُطلق عليه اسم دوائر التعاون التي عليها أن تحتوي على الأقل على 7 أعضاء من ثلاث ديانات مختلفة وتعمل بناء على أهداف ومبادئ المنظمة الأم, وهذه الدوائر هي التي تنتخب أعضاء مجالس الأمانات الإقليمية كل بحسب منطقته لمدة ثلاث سنوات لكل فترة.

 

وإذا علمنا أن الفرع الشرق أوسطي من مبادرة الأديان المتحدة هذه لديه 53 دائرة تعاون ينخرط فيها أكثر من 600 عضو في 13 دولة منها الاردن, مصر, اسرائيل, المغرب, سورية, الجزائر, تونس, لبنان, الامارات, العراق, وإيران, صار لزاماً علينا أن نبحث عما هو أعمق من مجرد افتراضات التطبيع الشكلي.

 

يبقى أن نقول أن العبء يقع على الموسيقيين والفنانين والأدباء لفضح مثل هذه المبادرات والمشاركين فيها والقائمين عليها, ومقاطعتهم وعزلهم, كما ولا بد من توجيه نداء إلى جميع المؤسسات والأفراد لمقاطعة مثل هذه المنظمات التي صارت تنتشر كالفطر تحت شعارات التسامح والسلام وحوار الاديان البرّاقة. أما من يريد الاستزادة من أسماء مسؤولي وأعضاء مثل هذه المبادرات وصورهم وشهاداتهم, فما عليه سوى النقر على موقع موزاييك على الانترنت وهو http://www.musaique.org أو زيارة صفحة الفيسبوك الخاصة بها, إضافة الى زيارة موقع مبادرة الأديان المتحدة http://www.urimena.org.0

::::: 

* كاتب وناشط سياسي أردني

hbustani2@yahoo.com

المصدر: “العرب اليوم” 

http://alarabalyawm.net/pages.php?news_id=275359