تونس: الحماية الشعبية للثورة

تونس: الحماية الشعبية للثورة

شرط الخيار العروبي الاشتراكي

عادل سمارة

الثلاثاء، 18/ 01/ 2011

افتتح الشعب التونسي العام الجديد بثورة شعبية بلا مواربة. والثورة هي ثورة الفقراء والمستغلِّين والمضطهَدين سياسياً وحريّاتياً. وهذا هو الجوهر الطبقي الحقيقي للثورة مما يفترض أسئلة منها:

 

الأول: ما هي المكوِّنات الاجتماعية لهذه الثورة الشعبية؟ مَنْ الذين خرجوا إلى الشوارع؟ أليسوا هم العمال والفلاحون والطلبة وأبناء الطبقة الوسطى؛ إذا لم تكن هذه تشكيلات طبقية فهل هي عوام وغوغاء؟

 

والثاني: من هُم الذين قامت الثورة ضدهم؟ هل هو بن علي بمفرده؟ هل هو حزبه بمفرده؟ أم ضد طبقة أو تحالف شرائح طبقية لها بنيتها المحلية من الطفيليين والكمبرادور والمافيا والتجار والبيروقرط، ولها ارتباطها المصلحي الاقتصادي المجسَّد في شركات نهب صناعية وزراعية وخدماتية مع رأس المال العالمي وخاصة الفرنسي والأميركي.

 

والثالث: حتى لو لم يرفع الذين احتلوا الشوارع شعارات طبقية، فهذا لا ينفي جوهرَ ثورتهم الطبقي؛ بل يؤكد كيف تمكن النظام السابق من تجويف الوعي الطبقي للفقراء(الطبقات الشعبية عموماً)، وذلك عبر تجريف القوى السياسية الجذرية بالقمع المفتوح لكي لا يظل للطبقات الشعبية أيُّ عنوان أو ممثل أو مرشد أو قائد لأن هذا الغياب مصدر أمان للنظام. وليس هناك أخطر من وجود طبقات بدون حركات سياسية تمثلها وهذا ما يفتح الفجوة للسلطة لتزعم تمثيل الجميع، أي قهرهم. قد لا تُرفع شعارات ضد رأس المال، ولكن التدفق إلى الشوارع هو ضد رأس المال، وقد لا تُرفع شعارات تحرر المرأة، ولكنّ تدفق النساء إلى الشوارع هو تحرُّرٌ للمرأة. وفي الأساس لا يتحقق تحرر المرأة إلا في لحظات الثورة حيث لا تتفكك سلطة رأ س المال وحسب، بل تتفكك في لحظة حاسمة حرجة سلطةُ البطريركية. في هذه اللحظة بالتحديد لا يمكن للرجل، ثائراً أو منزوياً، أن يقول لابنته: لا تخرجي، أقعدي في البيت.

        لكل لحظة شعارها، حين تدفقت الجماهير إلى الشوارع، كان يجب التفاعل معها بشعارات تطابق اللحظة، شعارات شد الهمم والعزائم، شعارات البقاء في الشوارع، إسقاط النظام، المطالبة بالخبز، الحريات، احتلال المصانع الإضراب العام العصيان المدني التغلغل في الجيش. فشعارات اللحظة هي تحريضية كي يتواصل التدفق الشعبي وصولاً إلى اختفاء رؤوس النظام والحيلولة دون بقاء جزء منها في السلطة.

        في لحظة احتلال الشوارع لا يتم استخلاص العبر والتحليل الهادئ بل استنباط سريع للتكتيك اليومي، ومنها الانضمام إلى الشارع كي يصمد بشعارات أكثر وضوحاً وأكثر تحريضاً وحماسة.

        حتى كتابة هذه السطور، ما زال الصراع محتدما بين الثورة والثورة المضادة. ولا يقلل من حقيقيتها التعثرات المتمثلة في قدرة الثورة المضادة على المشاركة الأكبر في لحظات الانتقال، بل اختطاف الفترة الانتقالية واغتيال الثورة. كيف لا وقد صيغ الجيش والمؤسسات والإدارات بقيادة عناصرها مما يجعل تفكيك هذه دفعة واحدة انتقالاً إلى نمط من الفوضى؛ هذا هو التجويف لكل رافضي النظام، أي للأكثرية الشعبية. هذا كان هدف النظام أساسا، أي إشعار الناس بأن تغييره سيفتح باب هاوية فوضى لا تُعرف أبعادها. فالأحزاب المعارضة ضعيفة وهذا سر “شرعيتها” والأحزاب المحظورة ضعيفة لما طالها من قمع. والنقابات ليست ببنيتها مرشحة لالتقاط القيادة في مثل هذه اللحظات.

        وهذا ما أضفى على الجيش مدائح هي عرضة للشك والتخوف. فالجيش بُنى ومراتب، ولا يصل القيادة في ظل نظام إرهابي سوى من يعيّنهم النظام بِرِضا ودعم متبادلين. فهل يحفظ الجيش النظام المجتمعي/العام ويترك للشعب حرية ولادة ثورة ونظام ثوري حقيقي؟ أم أن الجيش ما زال الملاذ الأخير للحزب الحاكم، وللشرائح الطبقية التي شكلت نظام الديكتاتور؟ أم ستقوم جماعة من الضباط باقتحام السلطة وبالتالي نُفاجَأ بالبيان رقم واحد كما تعوّدنا في المشرق العربي؟

        لا يوجد ما يطمئن في موقف الجيش بعد. فإذا كانت قيادته قد رفضت الطلب الأميركي بالانقلاب لحماية بن علي، فربما غيرت أميركا التكتيك وطلبت من الجيش التريث طالما رئاسة الحكومة والوزارات السيادية في يد الجلاوزة أنفسهم. لنلاحظ أن أميركا هذه المرة قدمت نصيحة مختلفة عما قدم كيسنجر للجزائر، قبل بضع سنوات، حيث قال للسلطة القمعية هناك اقتلوا 500 في يوم تتوقف الانتفاضة، فقتلوا أكثر. هل شاخ كيسنجر؟ ربما إنما ترك الآلاف مثله.

        لهذا يجب عدم الانسحاب من الشوارع، ولهذا يجب الانتقال لاحتلال المصانع، وخاصة الأجنبية، وتشكيل لجان توزيع الأغذية على الأحياء، وتشكيل لجان الأحياء لحمايتها وإدارة حياتها اليومية سواء في ظروف البقاء في الشوارع أو العصيان المدني إلى أن تتشكل سلطة شعبية من القطاعات الشعبية والطبقية التي قامت بالثورة العمال والطلبة والفلاحين والمحامين والأحزاب المحظورة…الخ. وحينها نعرف أين تقف قيادة الجيش.

        ولماذا لا تُبنى سلطة “الحماية الشعبية” موازية للسلطة الرسمية التي يتم تمكينها من وراثة نفسها في الحقيقة. فلا يُعقل أن يبقى رئيس الوزراء نفسه ووزيرا الخارجية والداخلية نفسيهما. ويكون المطلب الأساس لسلطة الحماية الشعبية في أوساط الطبقات الشعبية رفض توريث الشعب والوطن لأعوان بن علي. والبقاء الحر في الشارع، وفي أقل الأحوال أن تكون هذه السلطة، سلطة الرقابة الشعبية،على كافة الأعمال والقرارات التي تخرج بها السلطة الوارثة. بهذا تكون سلطة الحماية الشعبية موازية وعلى اتصال بالشارع ومراقبة لسلطة البرجوازية الطفيلية لتشعل الشارع ضدها في أيّ لحظة.

        وإذا كان الجيش جيشا وطنيا كما يُقال، فيجب أن يسمح لسلطة الحماية الشعبية بالتقدم إلى القصر الرئاسي وأن يستمر في الحفاظ على النظام والأمن من أعداء البلد وليس من الشعب.

        لا بد من تشكيل سلطة الحماية الشعبية، هيئة إنقاذ وطني من القطاعات الطبقية والقوى السياسية والنقابية الممنوعة بحيث تطالب الشعب بالإضراب والعصيان المدني ليتم اقتلاع من تبقى من رؤوس النظام السابق.

        في هذا المناخ لا بد من تعرية أصحاب نداءات الهدوء والاستقرار لأن هدفهم حصر إنجازات الثورة عند طرد الديكتاتور وبقاء البنية الديكتاتورية.

 

من هم أعداء الشعب؟

 

        مرة أخرى، إذا لم تكن الثورة ضد طبقة/تحالف طبقي فضدّ من هي؟ بل هي ضد طبقات داخلية وخارجية. إلى جانب الطبقة أو التحالف الطبقي الحاكم، هناك الطبقات الحاكمة في الوطن العربي التي هالها ما جرى. على أن أخطرها كان حاكم ليبيا الذي لفرط القلق أخذ يهذي بالتغزُّل بالديكتاتور المخلوع. أما الحكام القُطريون العرب فلا شك يقدّمون للورثة كافة إمكاناتهم للتخريب وتمكين الثورة المضادة.

        ولم يكن حكام الغرب الرأسمالي وإعلامه ومثقفوه أقل قلقاً من العقيد! كان صمتهم واضحاً قبيل اقتلاع الطاغية، وظهر خبثهم وتلاعبهم واضحاً بعد سقوط الطاغية أيضاً. ولا شك أنهم يندسون الآن بالمال والمخابرات لتمكين الورثة، إنهم يرممون بقايا النظام، ويدعمون خطة شبكات تخريب البلاد لتشويه وجه الثورة. وليس أقل ما ظهر من ذلك الطلب الأميركي لقادة الجيش بتدبير انقلاب عسكري.

 

البعد القومي

 

        انتهى القرن الماضي والعالم مشرئب إلى الوطن العربي. احتلال العراق وبروز مقاومة فاجأت العالم بسرعة قيامها وبإرهاقها للقوة الاقتصادية والعسكرية العظمى في العالم رغم قيام هذه القوة بالذبح المفتوح لأكثر من مليون عربي عراقي. واشرأب العالم على صمود مخيم جنين في وجه جيش الكيان الصهيوني، ومن ثم لهزيمته في لبنان ولقدرة حزب الله على كسر تلك الآلة الوحشية ثم صمود غزة أمام وحشية القصف الصهيوني. وها هي ثورة تونس تبدأ العام الجديد بثورة شعبية.

        فالوطن العربي في اشتباك دائم مع الرأسمالية العالمية والكمبرادور العربي والصهيونية. وكأن العالم يقول لنا، هذا دوركم الآن، ليكن مبعث الحضارة هو مبعث الثورة العالمية. تحركات شعبية في الجزائر ومصر والأردن واليمن وموريتانيا. إن الأمة التي كان يقال بأنها تخاف على دمها تجعل اليوم من حرق الأفراد لأنفسهم عملاً عادياً. يكفي أن نذكر عنوان الصحيفة القذرة لوموند: “حتى في العالم العربي يحصل تغيير”!!

        ارتعبت الحكومات. فالقذافي لم يتمكن من ضبط نفسه فهاجم الثورة ومدح الطاغية. وأكثر من نظام حكم هرع إلى تخفيض أسعار الأساسيات، وكأن المشكلة فقط في قروش قليلة في الأسعار، كأن المشكلة ليست مشكلة كرامة أمة بأسرها، وطبقات بأسرها تبحث عن تشغيل شريف، وتراب أمة يتم قضمه كل يوم.

        بيت القصيد أن التفاعل الذي تبع ثورة تونس يؤكد ذلك الامتداد القومي الذي قاتلوه في كل شبر، ها هو ينبعث مجددا. وهذه المرة بالثورة الشعبية بالطبقات الشعبية وليس بالانقلابات العسكرية.

 

تلاعب الصندوق الدولي وعجز “المعجزة”

 

        لن نكرر هنا ما كتب عن الأسباب الاقتصادية للثورة، وسنحصر الحديث في الإشارة إلى عوامل معينة سمحت للثورة المضادة بالزعم ذاتَ وقتٍ أنّ تونس معجزة اقتصادية، كما يكذب دوما المصرف والصندوق الدوليان. ولا حاجة للتذكير بأنه في عقد الثمانينيات كان الكثير من الاقتصاديين الغربيين والمصرف والصندوق الدوليين يفاخرون بساحل العاج كمعجزة اقتصادية، والكل يرى حالها اليوم.

فرغم انفجار الأزمة في المركز وصدور تحذيرات من كثير من دول المركز وحتى في مؤتمرات العشرين باحتمال حصول اضطرابات في بلدان المحيط، إلا أن صندوق النقد الدولي مارس التدليس بشأن تونس ولم يهتمّ “خبراؤه” بالمؤشرات الاقتصادية السالبة فيها ..ففي 28 نيسان 2008 أصدر الصندوق خلال إحدى زياراته لتونس التصريح التالي: ” إن بلدكم لينشغل في حث حقوق الإنسان والحريات الأساسية بمستوى دولي…” وبعد لحظات واصل المدير التنفيذي للصندوق شتراوس خان قوله في تونس نهاية عام 2008 بأن نظام بن علي هو ” النموذج الأمثل للعديد من البلدان الصاعدة“.

        مع ذلك فإن نفس الصندوق هو الذي صرحت مصادره عن الوطن العربي بالقول:

طبقا لمعدلات البطالة الحالية الذي هو عالٍ جداً، فإن المنطقة العربية بحاجة لخلق 100 مليون شاغر عمل جديدة حتى عام 2020. ولكن في أوضاع يتم اعتصار الموازنات لصالح استيراد الأغذية والوقود، فإن خلق هذه الوظائف مستحيلٌ، وخاصة في البلدان التي تفتقر إلى احتياطي الطاقة.[1] والمفارقة أن تونس ليست بلد احتياطٍ نفطيّ بالمعنى المألوف، لكن الخبراء لم يرغبوا في أن يلحظوا ذلك، كما أنهم لم يمنعوا عن القمع في النظام الديكتاتوري!!

        بدأ الحديث عن هذه “المعجزة” منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي حين تدفقت الشركات عابرة القوميات إلى تونس، حيث الأجرة المتدنية هناك، وتبع ذلك تشغيل موسع وأجور أفضل من المحلية. وما لبثت هذه الشركات حتى حملت الفوائض التي جمعتها وغادرت إلى بلدان تعرض قوة عمل أدنى أجرة مثل الصين فزادت البطالة ولم يتوفر ما يمكن استثماره في البلد.

        ومع انقلاب بن علي فتح أبواب الاقتصاد باتساعها للشركات الأميركية والفرنسية، وللاستثمارات الأجنبية عموما، وطبّق الخصخصة إلى جانب هذه اللبرالية ووسّع اقتصاد الخدمات (وخاصة السياحة) الأمر الذي أعطى دفعة جديدة للاقتصاد. لكن هذا انتهى إلى إطباق الشركات الأجنبية على الفائض المتحصل، واستفادة النظام وحده من اقتصاد التساقط المتحصل من الشراكة التابعة للشركات الغربية التي تنهب/تُجرِّف ولا تستثمر داخل البلد. وتراجع الاستثمار المحلي في مناخ الفساد والقمع. وعن هذا كله تجاوزت الأسعار الأجور وتراكمت البطالة مع انكماش سوق التشغيل وتدفق عشرات آلاف الخريجين الجدد سنويا إلى سوق عمل راكد. أثناء السنوات العشرة الأولى للنظام تمكّن من قمع القوى السياسية تحت غطاء التحسين الاقتصادي مما أدى إلى ضبط بارومتر الرفض الشعبي بمعنى فصل الأداء السياسي والحرياتي عن الأداء الاقتصادي. وبعد تلك الفترة مارس النظام النهب والفساد من أوسع أبوابه وزاد الضرائب ولم يتجه لأي سياسات تنموية. وكما أشرنا لجأ حتى رأس المال الخاص إما للهروب أو التراجع. كل هذا ضاعف من نسب البطالة والفقر.

        وإذا كان التجويف والتجريف قد سمحا للنظام بالتمكُّن من أعناق الشعب، فقد لاحقه “شبح التجربة الناصرية” التي أُرسيت في الوطن العربي، والمتمثلة في فتح المجال لأبناء الطبقة الوسطى والأرياف بالدراسة فامتلأت الشوارع بخريجي الجامعات الذين لا يجدون أي عمل والذين لديهم الوعي بحق العمل على الأقل. وإذا كان أبناء هذه الطبقة/ات قد توجهوا إلى الحركات السلفية في مصر ضد نظامٍ كمبرادوري مُعادٍ للأمة، فقد توجهوا في تونس إلى الشارع بأنفسهم ليشكلوا تياراً شعبويا عارما أدى إلى إسقاط النظام.

        وبعد، من المبكر رسم ملامح تونس الغد، سواء الغد بأشهر أو أطول. فالمعركة لإسقاط النظام لم تنته أو تكتمل بعد، وهي محفوفة بمخاطر أكثر من الضمانات. لعل ما يُفترض في القوى القومية والاشتراكية والإسلامية أن تلتقي في تشكيلة سياسية لحماية الثورة، حماية عربية للثورة ضمن تحالف تاريخي. هذه عتبة الضمان الأولى للثورة الشعبوية التي فجرتها الطبقات الشعبية. وهذه الثورة هي المقدمة الموضوعية لقطر عربي إذا ما هُزمت فيه الثورة المضادة فإن خياراته سوف تكون مفتوحة على التحولات الاشتراكية إذا ما تمكنت القوى اليسارية والشيوعية والاشتراكية ذات الانتماء العروبي وليس القُطري من التحالف ولعب دور فاعل في توفير حماية شعبية للثورة.