تونس مرة أخرى

 

تونس مرة أخرى

أحمد حسين

 

لم يعد لنا حجة حتى على القدر. لقد سحقتنا أقدام الأخرين سحقا. ما هو نوع التجربة التي لم نخضها مع الأخر. وتترك لنا سببا واحدا كي لا نفهم. هل بقيت لنا أوطان غير محتلة، أو غير ممزقة، أو غير معروضة للبيع؟ هل بقي لنا كرامة لم تنتهك، وحق لم تدسه أقدام الأقوياء والضعفاء على حد سواء. ماهو نوع الإهانة التي لم توجه إلينا، ليس لأي سبب سوى انتهاك إنسانيتنا، لكي نسلم بدونية ذاتية،أصبحت مسلمة عالمية بحق.

        عندما أعلنت ” رايس ” في تل أبيب، وعلى أسماع العالم، أن سلم القيم الإنسانية الأمريكية، يحتوي على بند استراتيجي مفاده أن ترويع طفل يهودي واحد، يفوق شرّيا، حرق الآلاف من أطفال الفلسطينيين واللبنانيين وتسميم مستقبل أجيال كاملة منهم باليورانيوم المخصب، لم يثر ذلك انزعاج أحد في العالم. فهل نريد دليلا اكبر من هذا، على إن حرق أطفال العرب، حتى على السفود، لا يخدش حياء الإنسانية الغربية، بقدر ما يخدشه ترويع طفل غير عربي. هذا هو المنطق الإستراتيجي للإنسانية الغربية، الذي انطلقت منه ” رايس “. وليس من قضية أي سلم آخر للقيم. عرب… وغير عرب تصاعديا، وغير عرب… وعرب تنازليا.

        أما المرجعية لهذا التقسيم فلها جانبان. الجانب الغرضي لمشروع العولمة الأمريكي الصهيوني، والذي يرمي إلى تأبيد الفراغ القومي العربي في المنطقة، والذي لا مكان بدون تحقيقه، لخلق منطقة بهوية جغرافية فقط تحت اسم الشرق الأوسط، وبهوية اجتماعية لجوارات سياسية، يجمع بينها التبعية لأمريكا وإسرائيل. تحقيق هذا الهدف القديم للغرب بدا منذ قرون طويلة، قبل أن ترث أمريكا كل التراث التاريخي الروماني لهذا الصراع.

        والجانب الثاني، هو اكتمال مرحلة استلاب وتخريب الوعي العربي بنيويا، وإعداده لتقبل مثل هذا الإجراء. فالأمر لم يكن سهلا من أساسه بالنسبة إلى أمة هي أعرق أمم الأرض حضاريا. والقضية تستدعي نشاطا مركبا يشمل التدخل في الوعي والتاريخ وتفاصيل الوجدان العقلي والسيكيولوجي للعينة البشرية المستهدفة. والدسائس التحويلية التي بدأت بفصل عرب المنبع عرقيا عن أمتداداتهم الحضارية المؤسسة، في كامل المنطقة العراقية والشامية، وحتى كل البوابات الأفرو آسيوية ( قرطاجنة ومصر كمثال )، تستكمل اليوم بفصل العرب عن ذاتهم بكل الوسائل، تمهيدا لإخراجهم من سجلات العولمة كحضور تاريخي وقومي واجتماعي؟ اليس في سحنة العصر الغربي الصهيوني، وأفعاله ومقولاته وثقافته الإعلامية ما يشير إلى هذا بوضوح؟ أليس هناك مذبحة تصفوية شاملة للعنصر العربي تستخدم فيها كل وسائل الإبادة الجسدية والمعنوية والنفسية بشكل يومي؟ وهل نحن فعلا قد أصبحنا ناضجين بنيويا لكل ما يريده الغير بنا؟ أي هل نجحت المذبحة الشاملة في أيصالنا إلى حالة الهروب السيكيولوجي من الذات إلى ذات أخرى؟ أعتقد أنه من العبث أن ننكر ذلك. إن الإنحناء القسري الذي فرض علينا بالقوة، تحول الأن بمورفولوجيا التسليم إلى جزء من بنية الإنسان العربي. فلولا احتقار الذات، لم تتحول ظاهرة العمالة والتبعية إلى إحدي سمات الوجود العربي. شرائح اجتماعية كاملة، وعلى رأسها النخب الثقافية الهجينة، تتجه تلقائيا نحو الخيانة، بحيث أن هذه الظاهرة أصبح لها وجودها الإصطلاحي الشرعي في الوعي المستلب، تمارس كالبغاء المرخص تحت رعاية قيم سوقية مديثة، ومغالطات إعلامية خبيثة، تستغل إسمية التحرر وحقوق الإنسان، وحريات الفرد، والمرأة، والتعبير، والمجتمع المدني. لقد عاثت قناة الجزيرة، على سبيل المثال، فسادا في الوعي العربي بلغ حد الفجور، تحت شعار “الرأي والرأي الآخر” لتسريب كل عوامل الفوضى، والتمزيق، والعدمية القومية، والطائفية، إلى الساحة العربية. تحت راية هذا الشعار الخالي من المعنى، ارتكبت وترتكب مذبحة الوعي والهوية وكل أشكال التخريب المعنوي والسيكيولوجي، بأصوات النخب الثقافية العربية المديثة والبلهاء. تلك النخب هي التي صمتت صمتا تاما مع الأخرين عن مقولة رايس التي تفوق كل ما أثر عن أدبيات العنصرية في التاريخ البشري، حيث لم يسبقها أحد إلى وضع تسعيرة عينية لشعب من الشعوب. فماذا يريد أي عربي مسحوق من نخب تبحث في الفرق بين الجمهوريين والديموقراطيين في أمريكا من حيث سياساتهم تجاه العرب، ويثيرهم إسم أوباما حسين ولونه كمؤشر خلاص، ولا تثيرهم التسعيرة التي وضعتها رايس لأطفال العرب، سوى الحذر الشديد من نموذجهم.

        أعترف أنني أعيد أشياء قلتها عدة مرات خلال عشرات السنين الماضية. ولكنني قلتها في مراحل خالية من الضوء تماما، وعلى هامش النكبات الدموية والمعنوية المتكررة للشعوب العربية. أما الآن في المرحلة التونسية فالأمر مختلف جدا. هناك دفقة من الضوء، وسبب للتفاؤل، وأسباب للخوف على ذلك. هناك استدارة مسائية عظيمة لضوء أوشك أن يتلاشى، فإذا أضعنا هذه الفرصة دخلنا دهليز الضياع الأبدي كما أخشى. لذلك فإن أي قول يقال الآن مرجعيته الأمل حتى الموت، والخوف والحذر حتى الحياة. والشعب التونسي وحده يظل مهددا بابتلاع ثورته أمريكيا – وليس هذا وقت التفصيل – بحكومة الوحدة النكبوية، أو جره إلى حرب أهلية، يقف فيها الشعب التونسي وحده أمام عملاء أمريكا الحزبيين والنقابيين والنخبويين الممتهنين. والمعركة غير متكافئة. فقد بدأت أمريكا باستدعاء احتياطيها المحلي والخارجي، من اعداء القومية العربية المتخصصين من شيوعيين ليبراليين، وغنوشيين لا قوميين، ومدافعين عن ” الديموقراطية ” بالأجرة، من مؤسسات العمل المدني. واستمرار التردد النسبي بين النخب الشعبية على الساحات العربية، غير مشروع قطعا من الناحية الموضوعية، لأنه سينعكس على صمود الشعب التونسي. إذ يجب أن يشعر هذا الشعب الباسل، بأن الشعوب العربية هي معه في صف الهجوم، وليس ” بالدعم بالطحين “. فالدور العربي في حماية الشعب التونسي وثورته يجب أن ينطلق من الشراكة المصيرية، والجهوزية التعبوية الملزمة، للمشاركة في الثورة التونسية وليس دعمها فقط. لقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن أول ما يجب الحذر منه هو الدعم التفريغي، الذي تديره عادة مؤسسات الليبراليين المدنية، من جمعيات الطحين.

        هل سيسعفنا الوعي والغضب هذه المرة، أن نضع أمريكا وقحبتها المتوسطية القديمة التي بدأت تراود النشوز، والعمل لحسابها الخاص، بعد أن طردت وما تزال تطرد عن البوابات الأفرو آسيوية، الواحدة تلو الأخرى، وبعد أن طردت من ” الشرق الأوسط ” بالحذاء الطنبوري من قبل أمريكا وإسرائيل، أمام خيار التورط أو خيار الإنكماش؟ هل سيسعفنا الوعي والتصميم والغضب والإشمئزاز العادل، هذه المرة على تنظيف الشارع السياسي والإجتماعي العربي، من ظواهره النخبوية المتعفنة والعميلة، وطرح وعي التزام التحرير والتحرر القومي، كثقافة شرف اجتماعي وإنساني بديلة للشارع عن ثقافة فضائيات أمريكا المتبذلات، نكون فيه قادرين على الرد بحرية، على من يسكت على تسعيرة كونداليسا رايس لدم أطفالنا، ونخبره بكل الموضوعية والنزاهة أنه أقل من قحبة؟