اللصوص تحت النافذة

اللصوص تحت النافذة

تلكؤات وقرارات مقلقة في تونس

أحمد حسين

 

لم يطل الوقت حتى بدأوا بالتلعثم. أحسوا بأن وعي الشارع التونسي قادر على قراءة نموذجهم جيدا، وأنه يعرف أنهم لا يمكن أن يكونوا موضوعيا في صفه أو صف الثورة. فكلهم ببساطة، كأحزاب وكتل سياسية، هم من ركاب قطار المرحلة. بعضهم في الدرجة الثالثة ومعظمهم في زرائب الأمتعة. وعادة، فإن الموضوعية السياسة للأحزاب الموجودة خارج الحكم، والتي تسعى إليه، أو للعيش في كنفه، تتطلب مهارات ثابتة أولها الإنتهازية، والتحرك في المناطق الآمنة. لذلك هي تنظيمات مهنية، يحرص اقتصادها السياسي على التعامل التكتيكي، سواء مع الشارع أو مع النظام،لأنها تمثل خطا من المصالح التنظيمية والنخبية التي تصبح حمايتها هي ألهدف الأول لوجودها. أي أن استمرار وجودها السياسي هو الذي يملك الأهمية القصوى، في أية مرحلة.

        وتراكمات التجربة في الحس الشعبي، تكون وراء غضب الوعي الذي يؤدي، إلى إطلاق شرارة الغضب التي تشعل الثورة الشعبية. وهو ليس غضبا أعمى، بأي احتمال موضوعي , ولكنه وعي مباشر لتفاصيل الواقع المختل، تنقصه الخبرة التنظيمية التي تتمتع بها جماعات الإمتهان السياسي. لذلك ما إن تحقق الثورة حضورها على الساحة حتى تهرع تلك الجماعات، بتكتيكاتها المهنية المتقدمة إلى الشارع، ولكن بتريث وحذر، حتى لا تخسر مواقعها المتقدمة والأمنة على ساحة النظام، محاولة الإستيلاء على الثورة. هذا ما فعلته أحزاب النخبة والعراقة السياسية في تونس. وحينما تبين لهم أن وعي التجربة التلقائي لدي الجماهير، ولدى النخب الشعبية ليس في صالحهم، عادوا إلى مواقعهم المتقدمة في اللعبة السياسية، بشعاراتهم المكررة عن الشعب والديموقراطية وحرية التعبير. وهي مطالب يرفع شعاراتها النظام أيضا، ولا ضرر منها، بل على العكس، مجرد ترديدها بجرأة إضافية، يثبت أن النظام ديموقراطي ويسمح بحرية التعبير، ويسهم في تفريغ الإحتقان. وكمثل من تجربة فلسطينيي الداخل فإن هذا ما اضطلعت بتقديمه أحزاب الكنيست ” العربية ” في إسرائيل ” للديموقراطية ” اليهودية، مقابل امتيازات حزبية وشخصية وحصانات مثقوبة، ورواتب تقاعدية ضخمة طيلة العمر. وقد بدا الأضطراب واضحا على أحزاب النخبة في الساحة التونسية، منذ الساعات الأولى للثورة التي لم يكونوا مستعدين لها، وكانت تقديراتهم كما يبدو أن المراهنة على اعتبارها مجرد هبة، يمكن توظيفها كورقة حزبية، تنقلهم من منافقة النظام إلى مفاوضته من موقع قوة، مغامرة غير مأمونة، بسبب الغموض. وفي نفس الوقت فإن قوة النظام لم تختبر بعد في المواجهة، ولا يمكن بنفس المدى المراهنة عليها. وبما أن إجهاض الثورة – أية ثورة شعبية – أو احتوائها، يشكل جوهر اقتصادهم السياسي الحزبي، لأنها تشكل خطرا مصيريا على مستقبل المشروع الحزبي برمته، فإنهم قرروا الإنحياز إلى مشروع الأجهاض السياسي المتمثل في حكومة الوحدة الوطنية. ولكن الصدي الواسع على الساحات الشعبية العربية، وتمكن النخب الشعبية في تونس من تثوير الشارع بأكمله، أعادهم إلى وعيهم الإستراتيجي الحزبي القديم، فخرجوا من حكزمة الوحدة الوطنية، إلى قاعة الإنتظار في أحضان استراتيجياتهم الموروثة من أيام ثورة يوليو في مصر، وحتى الأيام الحزينة في العراق المحتل. في الحالتين قامت أمريكا والصهيونية والغرب، باستدعاء كل احتياطيها العربي من اللاقوميين، وأعداء الثورات الإجتماعية، لتقيم تحالف الإخوة الأعداء من الشيوعيين والإخوان المسلمين والجماعات الليبرالية الملونة من أمثال الوفديين في مصر، إلى أصحاب ” البسطات ” الليبرالية في العراق، والتي لا يعرف عددها حتى الأن. في الحالتين، نجح تحالف الأهداف المشتركة بين المتناقضين، في الوصول إلى أهدافه بقيادة غربية صهيونية معلنة. والآن يقدّر استراتيجيو تلك الجماعات، أن التاريخ سيعيد نفسه في تونس، وربما في كثير من البلاد العربية الأخري. وهذا يفسر ترنحات الشيوعية الليبرالية اللاقومية، والتعجل في استدعاء الغنوشي المُدوّل، والمرزوقي الليبرالي المتصوف والحقوقي الباريسي المعروف. وباعتبار الثاني، عميل مفرد، أعلن مثل علاوي في العراق، أنه قادم لتولى الرئاسة في تونس، لأنه مفكر ليبرالي سينقذ شعب تونس من الليبرالية بالليبرالية، ولأنه شديد الذكاء، كما وصف نفسه، وكما قدمته قناة الجزيرة , التي تمثل غرفة عمليات الثورة المضادة.

        باختصار، هذا هو السيناريو المتوقع، إذا فشلت لعبة الحكومة الوطنية في احتواء الثورة الشعبية في تونس. وهي في اعتقادي قد فشلت منذ اللحظة، ومهمتها الوحيدة الأن كسب الوقت، ريثما تستعد أطرف التحالف المضاد، وترسم سيناريو مشهد التنفيذ بشكل مقنع نسبيا.

        وهذه المرة أريد أن أتـخيل أن تونس لن تبقى وحيدة في المواجهة. أريد أن أتخيل إن الشعب العربي عرف عدوه بعد كل ما مر به من تجارب ونكبات. وأن المرحلة القائمة بكل تفاصيلها الرئيسية الدولية، وأشباحها المحلية، هي ذلك العدو، الذي يمثل حائطا سميكا من الأسمنت والخردة، أمام طموحات الشعوب العربية. أريد أن أتخيل أن هذا الشعب تأكد بعد معاناته غير المسبوقة، أن لا أحد في صفه إلا هو نفسه. وأن كل الأخرين من حوله هم نسيجا واحدا متكاملا للمرحلة النعادية، تتقاطع خيوطه، وتمتد في كل الجهات، حول محورغربي صهيوني استراتيجي واحد، هدفه تبديد مصطلح الشعب العربي وتغييبه في الهوية الدينية،والعدمية الليبرالية، وأكذوبة الديموقراطية الغربية التي تلخص فلسفة الطغيان المعولم، وتشكل توظيفيا، بديلا كاذبا عن سياق التحرر الذات- موضوعي للشعوب.

        الحرية والتحرر سياق إنساني عام يصنعه المستفيدون الوحيدون منه وهم الشعوب، ويقاومه المتضررون الوحيدون منه وهم أصحاب مشاريع الهيمنة. أولئك لا يريدون ذواتا قومية أو أوطانا إلا في بلادهم. أما في بلاد الأخرين فهم يريدون جماعات من البشر بدون هوية اجتماعية محددة، موقوفة الجدل الإجتماعي الذاتي، وعاجزة عن تذويت هويتها أو ثقافتها أو تراثها، وبالتالي عن تذويت نظامها الإجتماعي ومستقبلها السياسي والإقتصادي الخاص، في عالم يقوم على الصراع بين من يحاولون عولمة ذواتهم ومصالحهم وثقافاتهم القومية وأصلانياتهم، وبين المهددين بالنفي والتبعية المؤبدة لهم.

        إن أول شروط قيام الحركة الإجتماعية، هو توفر استقلال الإرادة، والتنمية الوطنية والقدرة على حمايتهما. أي جواز سفر في التاريخ غير هذا، هو بالمنطق وهم وضياع مؤكد في وجودية الأخر وحركته الذاتية. ألقومية بالتجريد العلمي والعملي للتاريخ هي مرحلة النشوء الأولي للحضارات البشرية. انطلقت من فضاء جغرافي سيادي، مارست داخله الجماعة البشرية جدلها المادي والمعنوي مع الحاجة والضرورة، لتتكون من هذا الجدل الخاص عبر اختلاف خواص المكان، خصوصة الجماعة. والهوية القومية في عالمنا، لم تتحول بعد إلى ترف رومانسي محدود الأهمية في علاقات الوجود. إن دينامياتها للأسف الشديد، ما زالت توجه الصراعات في المشهد الإنساني العام. وما زال التحيز للذات القومية، هو جوهر النظام الأمبريالي العالمي، وآليته التي يعتمد عليها في تعبئة شعوبه للعدوان على الشعوب الأخرى، بحجة حماية مصالحه القومية. فإذا كانت هذه المصالح تعني نهب الأخرين، فماذا على الأخرين أن يفعلوا؟

        هل عليهم أن يلجأوا لمنظمات حقوق الأنسان الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن؟ إن كل ما هو دولي هو أمريكي صهيوني بالوقائع الدامغة. وهذه المؤسسات التنفيذية للمشروع الأمريكي الصهيوني، هي التي سيحملها التاريخ ذات يوم، المسؤولية المباشرة، عن موت عشرات بل مئات ملايين البشر في آسيا وإفريقيا وأمريكا، لحساب المشروع المذكور. ومبعوثوها من أمثال بان كيمون وما دون، كانوا دائما الذراع اللوجستية الأهم لجرائم الغرب والصهيونية في عالمنا المعاصر.

        أم يلجأون في الحالة العربية، بوصفها اوضح الحالات على انسجام أركان المرحلة المعادية على ساحتها، إلى الذين يرون في سلاح الوحدة القومية محرما دينيا، لآن مصدره الغرب، ثم يحاربون إخوانهم في الدين والقومية بالغرب؟ حسنا لقد بلغ السيل الزبى،وفرصة النجاة أصبحت محدودة، فليفعّلوا إذن الجهاد الديني، بدل أن يهربوا إلى بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا. ليرصدوا جزءا من تريليوناتهم الإسلامية للتعبئة الجهادية، أو يقصروا استثمارها على التنمية الإسلامية الإنتاجية في بلاد الفقر والجوع العربية. أم أن التنمية الصناعية حرام هنا أيضا لأنها غربية؟ لماذا يمالئون حكام الخليج، ويقود قرضاويهم حملة الترويج للإعتدال، وتخصص له قناة الجزيرة برنامجا أسبوعيا للتثقيف الإخواني؟ الإعتدال في ماذا؟ في الدفاع عن النفس؟ هل يوجد مقولات بشرية من هذا النوع؟ لماذوا كانوا من المبادرين لدعوة أمريكا إلى العراق؟ هل تجوز الإستعانة على صدام ببوش؟ وعلى البعث بالمحافظين الجدد؟ وعلى الشعب العراقي بالمارينز؟

        أم لعلنا نلجأ إلى أيتام يلتسين وغورباتشوف الصهيونين، الذين يرون أن اخطر ما يهدد التحرر العالمي هو النهضة القومية العربية، ويتحالفون علنا مع الليبرالين والدينسياسين، بدون أن يؤذوا التحرر العالمي؟ أليس في التواجد العبثي المشبوه لهؤلاء ما يستوجب موضوعيا اعتبارهم أعداء لشعبهم. لقد خانوا فلسطين ومصر والعراق، ويؤيدون التحرر القومي للأكراد، ولكل من يريد دولة قومية من الوطن العربي، ولا يرفضون عدا التحرر القومي العربي باعتباره حركة فاشية. يتحفظون من تهويد فلسطين، ولكنهم يرفضون تعريبها بدون أي تحفظ؟ لقد أثبتت التجربة الفلسطينية والقومية مع هؤلاء، أنهم جاهزون لكل أنواع الخيانة المبدئية، من خيانة من خيانة الماركسية والتحرر العالمي، وحتى خيانة بعضهم بعضا، ولكن لديهم مبدءا واحدا أثبتت التجربة أنهم غير قادرين على خيانته، هو عداءهم لحركة التحرر القومي العربي. لذلك فإن التوافق معهم هو بمثابة استحالة نوعية لا يمكن تجاوزها. تصورو الشيوعية الصهيونية.

        إن القبول يأية تعديلات غير جذرية على الواقع التونسي والعربي عموما، ستكون تجربة عبثية، وحسما في صالح استمرار التلاشي لمستقبل الشعوب العربية. نحن لا يمكن أن ينقذنا أقل من عصر جديد، يحارب المرحلة بسلاحها. سلاح مقاومة الموضوعي بالموضوعي والجدلي بالجدلى. والموضوعي هو السياسي والجدلي هو الإنساني. ونحن في عصر الصراعات القومية على تراتبات العولمة. فإذا كانت المصالح القومية هي موضوعة العصر الأمريكي الصهيوني السياسية، التي يشكل التعصب القومي لوجستيتها العدوانية، فهنك موضوعيا وجدليا طريق واحد للمقاومة، هو التحرر القومي. ولا يمكن فعليا مقاومة أية مرحلة خارج موضوعيتها وتحدياتها الجدلية. فإذا كنا نريد التحرر الإجتماعي فعلينا أن نكون قوميين أولا بالإلزام الموضوعي. إنه لوجستيتنا الدفاعية الوحيدة المفروضة موضوعيا، إلى حين تحقيق موضوعيتنا الذاتية، لنصبح من أصحاب المرحلة وليس من أتباعها. من هذا الموقع المتحقق اولآ، نستطيع أن نحقق جدلنا الموضوعي في التحرر الإجتماعي. فلم يحدث أبدا أن حقق شعب إنجازا تحرريا واحدا في حضن التبعية للآخر. والحس والإلتزام القومي في حالتنا يشكل قوتنا المعنوية والتعبوية الهائلة. فنحن مؤسسو الحضارة الكونية الأول , وشعوبنا عينة حضارية مميزة في سجل التاريخ، تستطيع أن تستوعب انتماءها القومي الفريد، كدينامية مرحلية مقاتلة وملتزمة تسهم في حركة التحرر الإنساني. ما يميز تاريخنا العربي أنه أكثر التواريخ دماثة وإنسانية وتنورا. ونحن الآن متهمون بأننا همج العالم، ومتخلفوه. نعم! لقد صنعوا بنا ما أرادوا. لجموا عقولنا بفقه المرتزقة من عجول الإجتهاد السياسي، وقساوسة الخلافة، وأنصار العدمية الدنيوية، ومزقونا بالطوائف. ثم حقنونا بعد ذلك بالعمالة، ومدارس التبعية الترديدية للغرب، وكأن تفوق الغرب دليل معرفي على دناءتنا العرقية. حاصروا شرفنا الإنساني وكرامتنا واعتزازنا القومي، بأنظمة الماعز، ودبروا لنا الهزائم المهينة، وداسوا دم أطفالنه بكونداليسا رايس، وأذلونا بإسرائيل، واستغفلوا مسحوقينا بكذابي التحرر، ومثقفينا بقناة الجزيرة ومفاتن الدولار، وحولوا وجداناتنا إلى مسنبتات سيكيولوجية لمشاعر الدونية والإحباط واليأس والتبعية.

        وقناعتي، أنه لا مخرج من كل هذا، إلا الإلتفاف الشعبي العربي حول قومية المصير كفضاء وحيد للخلاص المرحلي، وكأبجدية استرايجية للمستقبل التحرري الشامل. وهي فناعة قائمة على الإنحياز الموضوعي للوعي، او هكذا أدعي، على ضوء تحديات الأستهداف الموجهة نحونا كعرب، لتجريدنا من حق المواطنة الكاملة، في دستور العولمة الغربية الصهيونية. أول حروف هذه الأبجدية بمنطق السياق الميداني الشائع للتجربة، هو تنظيف الساحو الداخلية، لتجريد العدو الغربي الصهيوني من آلياته التخريبية التي زرعها في بنيتنا الإجتماعية، وبناء تعددية فكرية وسياسية وثقافية حرة، قائمة على الولاء أولا للشعب، ومصالح الوطن القومية والتحررية. أما إبقاء نخب المرحلة على حالها، في حاضنة العهد الجديد، فهو شبيه بتبني ديموقراطية العمالة للعدو الإجتماعي والقومي.

        لقد كانت أول خطوات الحكومة التونسية، إطلاق سراح السجناء السياسيين، واستدعاء قياداتهم من الخارج. هذا تزامن مقلق. يبدو وكأنه حلقة تمهيدية لشيء ما! وربما خطوة تعبوية لتحالف أحزاب المرحلة المنتظر، ضد ثورة الشعب التونسي.