ثورة تونس كشفت تخريب العقيد للتيار القومي

 

ثورة تونس كشفت

تخريب العقيد للتيار القومي

عادل سمارة

 

        لست مع الذين يزعمون ويُعممون أن اي تغيير في الوطن العربي أو المحيط هو دائما من صنع المخابرات الأميركية، وبأن أي زعيم يعارضهما إنما لوقت ما ولتكتيك ما. فهذا التفكير يعني تأبيد ما هو قائم والكفر بما هو قادم طالما السابق أداةً لا أكثر،. كما يعني هذا الطلب إلى الناس ممارسة النوم الخانع. ثم، من اين للكاتب أن يستخدم جهاز مخابرات كي يعرف كيف دبر القذافي مثلا انقلابه؟ وإنما الأساس ما قام به هذا أو ذاك، لأن هذا أسهل للرؤية.

        ليست هذه المقالة لتحليل السياسات الداخلية لحاكم ليبيا أو قراءة تاريخه وتقريظ أو تعرية ذلك. وإنما هي كلمة في العلاقة بين من يدفع ومن يقبض واثر هذا الجانب من سياسات القذافي على فريق من التيار القومي العربي.

قد لا يبدو هذا الحديث مستساغاً، ولكنه ابن لحظته مما يؤكد أن الواقع الموضوعي هو المقرر وهو مصدر الشرعية وليست ظروف الأفراد وحساسياتهم ومصالحهم.

        حينما قام القذافي وفريقه بانقلابهم كنا في معتقلات الكيان الصهيوني وبالطبع ابتهجنا، وذلك لأن الحلم بالتغيير كان بلا ضوابط من جهة ولأن النظام الملكي لم يكن ابن المرحلة. وبالطبع امتطى القذافي المسألة القومية وخاصة جناحها الناصري، فور نجاح انقلابه، وهي كانت آنذاك في بعض عزِّها أو بداية نهايته. ولنقل أن القذافي نصَّب نفسه وريثاً للمسألة القومية العربية بعد عبد الناصر.

        ولكن، ما هي العوامل التي ساعدته على ذلك، بغض النظر إن كانت الناس قد استوعبت منه ذلك أو بايعته؟ فلم يكن الرجل وليس حتى الآن ذلك المثقف الذي يمكنه تقديم تحليل جديد متجدد وجذري لأية مسألة فكرية. ومن يقرأ “الكتاب الأخضر” لا يمكنه تجنب الغثيان العقلي. ولم يكن القذافي وليس اليوم خطيباً مفوهاً مِصقعاً حتى يؤثر ببلاغته على الجمهور حتى لو كانت البلاغة شكلية. ولم تكن ليبيا سوى قطر عربي صغير لا يتميز عن متوسط القطريات العربية في التطور الاقتصادي الاجتماعي ناهيك عن حجمها العددي الضئيل.

        بقيت ثروة النفط هي التي سمحت للقذافي بتتويج نفسه على التيار القومي البرجوازي سواء المنحدر من البرجوازية الكبيرة أو الطبقة الوسطى. فقد وضع الرجل يده على كنز شعب وأخضعه لرغباته ومشيئته.

        ولكن هذا لا يكفي لولا وجود تشكيلات شكلانية الانتماء لشخصيات لا فاعلية ميدانية لها أو أخذ منها العمر والزمن كل مأخذ. وضعت نفسها او اسمت نفسها “ممثلة للقومية العربية” وألحقت نفسها بالقذافي طالما هي تبحث عن عنوان حتى لو كان وهمياً لأنها كانت حريصة على أن تظل تحت الأضواء.

 

متى استنتجت هذا؟

 

        في عام 2000 تلقيت دعوة من مؤسسة اسمها ملتقى الحوار الديمقراطي الثوري العربي (إن لم أكن قد أخطأت قليلاً في الإسم) لحضور مؤتمر في بيروت. وشاركت هناك بورقة عن التطبيع : “”التطبيع أو استدخال الهزيمة”. وخلال المؤتمر عرفت أن النظام الليبي هو الذي دفع تكاليف المؤتمر. ومما لفت نظري أن مجموعة من الشباب الليبيين كانوا متواجدين في قاعة المؤتمر وحين قارب إنجاز البيان الختامي أصر هؤلاء الشباب على صيغة معينة يبدو أنهم أعدوها. ولم اشهد في المؤتمر رفضا قوياً لتدخلاتهم. وهو ما اثار استغرابي فاضطررت للقول إذا كان المؤتمر ممولا من النظام الليبي فلا يحق له تسيير المؤتمر كما يريد، وهل الناس تُشترى بتكلفة حضور مؤتمر! كان المؤتمر علنياً، وفيه شخصيات سياسية لبنانية وعربية ممن كانوا وزراء ورؤساء وزارات وحزبيين سابقين وقيادات ومفكرين/ات…الخ

وبعدها، وفي أحاديث جانبية مع كثير من الشخصيات المعروفة في الاتجاهات القومية واليسارية العربية قيل لي ما يلي:

هذه عادة القذافي يحاول السيطرة على كل شيىء. حينما كنا نذهب إلى ليبيا بعد تحديد مواعيد للقائه، مثلا في طرابلس، كنا ننتظر ساعات طويلة وبعدها يقولون: العقيد القائد ذهب إلى بنغازي، وحينما نذهب إلى بنغازي يقولون ذهب إلى….وهكذا ننتظر عدة ايام قبل لقائه.

        كان السؤال الذي شاغلني عندها: ولكن لماذا تذهبون أصلاً.

إلا أنني عرفت أن كثيرا من هذه الشخصيات تستمد وضعها من علاقتها بالنظام الليبي بمعنى أنهم ليسوا قادة حقيقيين في قطرياتهم، وبالتالي اصبحوا مثابة شبكة على طول الوطن العربي معومة من حيث علاقتها بالشارع، لا تقوم باي دور كفاحي، تتحدث عن الأمة العربية والقومية العربية وتظهر كما لو كانت قيادة على صعيد قومي دون أن تتبلورفي تيار أو حزب عروبي. وهذا نموذج على الفراغ القيادي في الساحة العربية أو مساهمة القذافي في خصي قيادات وتفريغ الساحة من القيادات.

        وفي المحصلة، كان القذافي بالطبع هو المستفيد على مستويين:

الأول: أن يبدو كما لو أنه زعيم الحركة القومية

والثاني: وهو الدور الخطر، فهو قيام القذافي بتحويل هؤلاء إلى هياكل قيادية بدون جماهير، شخصيات تطير من صنعاء إلى بيروت إلى طرابلس الغرب إلى الدار البيضاء…الخ وتُنزل في فنادق وتتحدث وتعود إلى قطرياتها بانتظار مؤتمر آخر. وهذا ما ألحق الضرر بالحركة القومية العربية أكثر مما فعل القمع المباشر.

        كيف تأكدت من استنتاجي هذا في المؤتمر الوحيد الذي حضرته، لا قبله ولا بعده، ولم أكن أعرف أساساً أن هذه المؤمرات تُعقد على هذا النحو؟

        تأكدت من تحليلي بعد أن تفوه القذافي بما تفوه ضد الثورة المستمرة في تونس. لقد ابدى اسفه على خلع ديكتاتور تونس، وأكد للشعب التونسي أن لا يوجد أفضل من “الزين” اي زين العابدين بن علي. وبالطبع راجت أقوال بأن القذافي ساعد بن علي على الفرار.

        لو كانت هذه الشخصيات “القومية” قومية حقا ومستقلة حقاً، لأصدرت بيانات الاستنكار والنقد وحتى الإهانة ولحركت مظاهرات ضد حاكم ليبيا. لكن لاشيء حصل! فما الذي اسكت هذه الناس كلها؟؟؟