الانتفاضة الشعبية التونسية المخطوفة

 

الانتفاضة الشعبية التونسية المخطوفة لصالح معادلة تقاسم النفوذ الغربي

أبو خالد العملة

 

الدم التونسي الذي سال غزيراً على ثرى المدن والقرى التونسية في ما أطلق عليه “ثورة الياسمين”، يحتاج إلى قراءة تتناسب وقيمة هذا الدم. فالدم غالباً ما يهدر من خلال النزوع إلى اتجاهين: إما الغلو في التقدير والتوقعات التي قد لا تحصل وتفقد الدم قيمته الحقيقية في حال عجزه عن تحقيق قيمة متوهمة متوقعة، وإما التبهيت المجاني، المتآمر الذي قد يحول الدم ماءاً وينزع منه كل مكوناته الإيجابية من خلال التزوير المتعمد لدوافع ووقائع الحدث الذي سال الدم في أجوائه.

لا شك وبكل المعايير أن ما جرى في تونس يشكل انتفاضة شعبية بصرف النظر عن المقدمات والنتائج، فهي تعبير عن حالة غليان شعبي، لم تعد قادرة على تحمل منتجات تحالف الاستبداد والفساد الممثل في نظام زين العابدين بن علي. كما هي تعبير عن توق لدى هذا الشعب كما لدى كل الشعوب العربية للحياة الحرة والكريمة وعدم استسلامها لما قد يبدو أقداراً لهذه الشعوب.

إنّ أبرز ما يمكن استنتاجه من انتفاضة الشعب التونسي سواء ما يتعلق بالحالة الشعبية أو ما يتعلق بالنظام يمكن تلخيصه بالتالي:

إن الشعوب العربية قد سئمت وجود تحالف الفساد والاستبداد الذي أفسد راهنها ومستقبلها في آن معاً، ورهن وجودها شكلاً ومضموناً للخارج من خلال كل أشكال التبعية.

 أن الشعوب العربية تستطيع إسقاط حكوماتها إذا توفرت الإرادة الشعبية للتغيير، والاستعداد للتضحية التي غالباً ما تكون موجودة ومتوفرة.

أن نظم تحالف الفساد والاستبداد قد وصلت إلى ذروة فسادها واستبدادها ما يجعلها هشه وضعيفه وتكون قابليتها للسقوط أكثر تحققاً من قابليتها للبقاء.

أن التبعية للغرب الامبريالي ليس وسيلة للنجاة بقدر ما هو أقصر الطرق للسقوط عندما لا يبقى أمام هذه النظم من هوامش مناورة مهما كانت ضئيلة لصالح شعوبها.

وبقدر ما تشكل النقاط أعلاه مسلمات أيديولوجية  لدى الشعوب وفي علم السياسة ولدى النخب السياسية الموضوعية إلا أن النتائج ليست بالضرورة محكومة بذات اليقين في إيجابياتها. بمعنى أنه ليس بالضرورة أن تكون المنتجات تخلصاً إلى غير رجعة من منظومات الفساد والاستبداد، وليست انتصاراً نهائياً لمصلحة الشعوب، بل كثيراً ما يتم اغتيال هذه الثورات وتفريغها من مضمونها وقد تكون رافعة جديدة للمشهد الذي قدمت الدم في مواجهته ومن أجل تغييره.

إن الإرادة والتضحية ليست الحامل الوحيد للثورة، بل هي الشرط اللازم وغير الكافي لكل ثورة. فكيف يمكن الحكم على منتجات ودوافع أي ثورة أو حركة شعبية، هل يمكن الحكم عليها من خلال من قام بها ومدى حقه في الثورة ومدى كونه ولي الدم المسفوك، أم يمكن الحكم عليها من خلال النوايا المفترضة للقائمين عليها؟

إن الحكم على أي حركة شعبية أو ثورة يكون من خلال طبيعة تلك القوى السياسية القائدة لها، و يمكن محاكمة هذه القوى في ضوء موقعها داخل خارطة التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية لبنيتها وفي ضوء تاريخها وايديولوجيتها وبرامجها السياسية. ويمكن محاكمتها في ضوء المنتجات التي استطاعت أن تحققها هذه القوى السياسية  لصالح المطالب والمصالح الشعبية.

في تونس كما في كل الدول العربية هناك فراغ هائل على مستوى القوى السياسية القادرة على قيادة ثورة ذات مضامين اجتماعية اقتصادية سياسية تتجاوز كل أشكال الخراب القائم. فقد استطاع تحالف الفساد والاستبداد أن يفرغ معظم هذه القوى من مضمونها، كما استطاع أن يشتتها إلى الحد الذي بات معظمها ديكورات فاسدة لا تقل فساداً عن النظم الحاكمة حتى لو اختلفت لغة الخطاب ومحتواه. وهي تنهل من ذات الفساد وتشكل الوجه الآخر له(كونها انتهازية ولا ديمقراطية ولا تؤمن بالتعددية أو العدل الاجتماعي وتغلب مصالحها على المصلحة العليا للوطن والأمة). وهي في موقعها الموضوعي هذا تندرج في موقع التواطؤ على حركة الشعوب وثوراته موضوعياً بصرف النظر عن التصور للذات والنوايا والادعاء.

والسؤال الذي يطرح في هذه الحالة هل ما حصل في تونس انتفاضة شعبية تم اختطافها؟ أم انقلاباً تم تغطيته بدماء الشعب التونسي الطاهرة؟ وهل ما جرى هو عملية تجيير للقوة المتفجرة من الغضب الشعبي لصالح أطراف تعيد تشكيل معادلة القوة داخل بنية النظام الحاكم، وتعيد تشكيل معادلة القوة للقوى الخارجية في أحد ميادين صراعها وفي حدائقها الخلفية؟

غالباً وبعد انهيار نظام عالمي لصالح نظام عالمي جديد، يعاد تشكيل معادلة القوة للنظام الجديد في ضوء مكاسب القوة التي تحققها الأطراف نتاج المرحلة السابقة سواء تمت هذه الإعادة بالاستسلام للنتائج أم من خلال القوة.

وهنا لا يمكن فصل ما يجري في العالم وفي شمال إفريقيا بالتحديد بمعزل عن نتائج الحرب الباردة، ولا يمكن تقييم الأحداث معزولة عن بيئتها الدولية. فمنذ انتهاء الحرب الباردة أعلنت أمريكا عن مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وسعت ليكون هذا الشرق الأوسط الجديد مجالها الحيوي الخاص، وبدأت بالسعي لكنس بقايا النفوذ المكرس كنتائج للحرب العالمية الثانية لأية قوى أخرى.

وبما أن فرنسا قد اعتبرت منطقة المغرب العربي منطقة نفوذ صرفة لها منذ الربع الأول للقرن التاسع عشر. فقد ظلت فرنسا منذ ذلك التاريخ اللاعب الأبرز إن لم يكن الوحيد في إفريقيا وبشكل أكثر تحديداً وتركيزاً في الشمال الإفريقي.

ورغم أن هذا النفوذ قد تعرض في مراحل الاستقلال إلى اهتزازات قوية إلا أن فرنسا بقيت تعتبر منطقة شمال إفريقيا ساحة خلفية ومنطقة مجال حيوي خاص بها من خلال استتباع هذه الدول سياسياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً.

إلا أنه وفي سنوات الحرب العالمية الثانية بدأ الاهتمام الأمريكي في المنطقة من خلال بناء بعض القواعد العسكرية، لكنه لم يصل حد الصراع الحاد وإن كان في كثير من المحطات كان الصراع يبرز على السطح إلا أنه بقي بارداً ومحكوماً بضرورات التحالف في مواجهة القطب السوفييتي حتى انهياره وإعلان نهاية الحرب الباردة.

ومع هذا الإعلان، وبروز الولايات المتحدة كقطب وحيد منتصر ورفضها أي منافسة لها للهيمنة على العالم، وبروز نظرية العولمة والأحادية القطبية ونهاية التاريخ التي رفعتها الولايات المتحدة الأمريكية بدأت أمريكا تركز اهتمامها على شمال إفريقيا سواء من خلال شمولها بمنطقة الشرق الأوسط الجديد، ورغبتها في إنتاجه تحت هيمنتها ووفقاً لمقاساتها، فقد دل هذا التوجه عن نية أمريكية للتنافس الجاد على منطقة شمال إفريقيا والإعلان بأنها لم تعد تقبل بشمال إفريقيا منطقة نفوذ فرنسية واستعدادها للدخول في معادلة صراع عليها، كمقدمة للإستراتيجية الأمريكية للقارة الإفريقية  فركزت الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامها السياسي، العسكري والاقتصادي على المغرب العربي،ما وضعها وجها لوجه أمام فرنسا غير المستعدة للتخلي عن بوابتها الخلفية ومجالها الحيوي الأهم بعد أوروبا، إن لم يكن أحد شروط أهميتها الأوروبية الأبرز حتى لو اضطرت إلى نوع من المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

و بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبهدف تقوية النفوذ الأمريكي في المغرب العربي فقد ركزت الولايات المتحدة اهتمامها على الشأن الأمني والعسكري تحت عنوان التعاون ومكافحة الإرهاب، وبالتحديد في منطقة المغرب العربي، حيث سعت إلى بناء شراكات اقتصادية وأشكال تعاون أمني وعسكري تم التعبير عنها بالمناورات المشتركة، في العديد من الدول المحيطة بالمغرب العربي وبعض دول المغرب مثل موريتانيا وفي الصحراء الجزائرية من أجل تدريب وقيادة عمليات خاصة، ونتيجة للتنافس المحموم البارد بين فرنسا وأمريكا، والارتباك الفرنسي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وارتباك النظم المغاربية إزاء هذا التنافس وسعيها الجبان لاسترضاء الطرفين، فقد استجابت النظم المغاربية مع أي مبادرة تقدمها فرنسا أو أمريكا تاركة باب التنافس مفتوح بينهما والنصر لمن ينتصر في الميدان دون قدرة على تحديد توجهات أو استراتيجيات وطنية خاصة.

قاد كل هذا سقوط بعض النظم مثل نظام “بن علي” في عملية تواطؤ أمني وصل حد المستوى العملياتي مع الأجهزة الاستخبارية والعسكرية الأمريكية، الأمر الذي قاد إلى مستوى من التحكم والهيمنة على الأجهزة الأمنية والعسكرية وفتح الباب أمام شهية أمريكية لانقلاب كامل على النظام والسعي لكنس النفوذ الفرنسي بالكامل.

وإن كان الكثير من التدخل الأمريكي في سنوات سابقة قد أخرج الفرنسيين في كثير من الأحيان عن صمتهم، كما حصل إبان زيارة الرئيس التونسي السابق لحبيب بورقيبة للولايات المتحدة في يونيو 1985، وصفقة شراء المغرب لطائرات إف 16 الأمريكية، إلا أنه في هذه المرة وتحديداً ما بعد 11 سبتمبر بدا واضحاً الضعف الفرنسي في مواجهة النفوذ الأمريكي المتمدد نحو المغرب العربي و إفريقيا.

هذا التنافس المحموم قاد فرنسا إلى اعتماد نظم قمعية بوليسية خوفاً من الاختراق الأمريكي أكثر من خوفها من الارهاب وغيره من الشعارات الكاذبة، وباتت فرنسا تؤيد أكثر النظم دكتاتورية في المغرب العربي ممثلاً بنظام زين العابدين بن علي وتغطي على فساده وتبشر بنجاحاته الاقتصادية إلى حد اعتبار تونس معجزة اقتصادية، و مصداً للإرهاب.

إلا أن نظام تحالف الفساد والاستبداد بكل منتجاته من فقر وقهر وقمع لكل أشكال الحرية والديمقراطية للشعب التونسي الشقيق  قد ساعدت الولايات المتحدة على النفاذ من خلالها للإطاحة بالنظام الحاكم الموالي لفرنسا، ليس لإنتاج تلك القيم (لأن ذلك ليس من طبيعتها) بل من اجل تحقيق أهدافها الخاصة.

وفي غياب قوى سياسية جادة وقادرة  بعد أن أفرغها النظام البوليسي التونسي من كل مقوماتها السياسية والتنظيمية بالسجون والملاحقة و بالنفي والإبعاد والإفساد والرشوة والإسقاط، بات الملعب مفتوحاً لقوى شعبية ساخطة من الظلم والفساد والتبعية وبيع البلاد ورهنها للأجنبي، ولكن هذه القوى مفتقرة لتحالف سياسي وطني قادر على تحويل الهبة الشعبية  إلى ثورة شعبية وطنية ضمن استراتيجية وطنية تقودها إلى تغيير نظام الحكم لصالح نظام تقدمي ديمقراطي متحرر من التبعية للرأسمالية الغربية، أمريكية كانت أم فرنسية.

ففي الوقت الذي انطلقت فيه الانتفاضة الشعبية بصوت شعبي صادق حر، بدا واضحاً الفراغ القيادي السياسي للحركة الشعبية، وأنها بقيت يتيمه وعارية حتى استطاعت قوى الاختراق داخل الجيش في التحضير لانقلابها العسكري لنقل النفوذ من يد فرنسا إلى يد أمريكا.

وللتدليل على صحة هذا الاستخلاص فهناك أسئلة برسم التفكير والإجابة من الشعب التونسي بشكل خاص ومن الحركة الشعبية العربية بشكل عام والتي تتلخص في التالي:

من يقوم بخلق الفوضى في الشارع التونسي؟

من أصدر الأوامر بإطلاق النار في المدن التونسية لخلق حالة من عدم الاستقرار، بحجة ملاحقة أجهزة   “بن علي “الأمنية؟

من أخرج بن علي من تونس؟

من أصدر الأوامر بفتح المطارات ويشرف عليها، في ظل الظروف التي تجري في تونس ولأية أهداف؟

من هي الجهة القادرة والتي تقف وراء هذا كله وما هي مصلحتها؟

كل المعلومات والشواهد تشير إلى أن الجيش التونسي هو من يقوم بذلك، ليصبح تدخل الجيش مطلباً شعبياً بحجة الحفاظ على الاستقرار والأمن ووقف الانتفاضة بالضرورة لأنها حققت أهدافها.

إن ما يقوم به الجيش ومؤسسات النظام الاستبدادي يهدف إلى إضفاء شرعية على إعادة إنتاج النظام الديكتاتوري بأسرع وقت ممكن ووأد الانتفاضة الشعبية، من خلال التمسك بالدستور؟

أما فتح المطارات فتأتي كفرضية محتملة لطلب تدخل خارجي من الجيش، إذا تطورت الانتفاضة الشعبية العفوية الى انتفاضة ثورية تفسد عليهم انقلابهم.

لم يصدر عن الجيش أي موقف أو بيان حول موقفه من “بن علي” معه أم ضده؟ وما معنى خروج بن علي من تونس؟ ولماذا أخرجه الجيش؟ وهل الجيش مع الانتفاضة أم ضدها؟ فإذا كان معها كما يحاول الإيحاء فلماذا كل الإجراءات التي تهدف إلى وأد الانتفاضة بحجة أنها أنجزت أهدافها.

قد يكون الجيش قد سّرع في انقلابه لقطع الطريق على تطور الانتفاضة إلى ثورة شعبية.

والاستخلاص صحيح لأن الانتفاضة الشعبية لم تنطلق ضد الطاغية “بن علي” وبعض أقاربه، بل هي انتفاضة ضد النظام الديكتاتوري وعلاقاته الخارجية المرتبطة والتابعة لهذه الدولة أو تلك من الدول الامبريالية، ولأن تجربة الحياة علمتنا بأن أية  انتفاضة تتوقف عن تحقيق أهدافها سيكون مصيرها الفشل.

ومن هنا تأتي أهمية مواصلة الانتفاضة الشعبية حتى تفكيك وكنس النظام الاستبدادي بكل مكوناته السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية.

خلاصة القول ان التنافس الفرنسي- الأمريكي حول منطقة المغرب العربي، دخل في السنوات الأخيرة مرحلة محمومة من الصراع انتهت بانتصار النفوذ الأمريكي على النفوذ الفرنسي، وسيكون الخاسر الأكبر مؤقتاً هو الشعب التونسي إن توقفت انتفاضته ونضاله نتيجة غياب القوى السياسية القادرة على تمثيل نبض الشارع التونسي وتطلعاته عدا عن دماء أبنائه التي سالت من أجل إسقاط تحالف الفساد والاستبداد بكل مكوناته، وبناء الدولة التونسية الوطنية الديمقراطية التقدمية.

 وبين فراغ القوى السياسية وغياب المركز العربي الناظم لقوى الأمة العربية وتهافت الطبقة الوسطى تقف الدول المغاربية عاجزة عن لعب دور فعال في مواجهة هذا التنافس الامبريالي يؤهلها للحفاظ على توازنه أو الاستفادة من البيئة الدولية التي تتشكل في إطار صراعي على المصالح وخاصة في قارتي آسيا وإفريقيا. وربما تفعل ذلك أطراف أخرى بدأت تتوجه صوب المنطقة وأهمها الصين وروسيا والقوى الصاعدة في أسيا.

مرة أخرى فهل ما حصل في تونس انتفاضة أم انقلاب؟أو انتفاضة وانقلاب؟ سؤال قد يجيب عليه المستقبل حتى لا تضيع دماء الشهداء وتضحيات الشعوب هدراً ونبقى نراوح في المكان والأمم الأخرى تتقدم، مما يستدعي بذل الجهود الوطنية والقومية من أجل تحقيق المشروع النهضوي العربي التحرري الديمقراطي، والذي لن يتحقق إلا بمواصلة الاشتباك المفتوح بكل أشكاله ضد معسكر أعداء الأمة، مهما كلف من تضحيات وخسائر، لأن خسائرنا ستكون أقل بكثير من الاستسلام لأهداف واملاءات أعدائنا.