صومال سابق وسودان لاحق!

الصومال:

صومال سابق وسودان لاحق!

جمال محمد تقي

 

الحكومة الصومالية الهزيلة والمعتمدة بوجودها على الدعم الخارجي فشلت حتى الان في تحقيق اي هدف من اهدافها المعلنة، بتوحيد البلاد واعادة الاستقرار اليه واعادة اعماره، فهي مازالت لا تسيطر الا على بعض احياء العاصمة مقاديشو وعدد من المناطق المجاورة للحدود الاثيوبية كتحصيل حاصل للدعم الاثيوبي الميداني لها.

كانت القوات الاثيوبية التي دخلت مقاديشو لحماية حكومتها المتخادمة معها قدغادرتها الى حيث الحدود بين البلدين نتيجة للرفض الشعبي المسلح لهذا الوجود، كما غادرت قبلها فرق الكوماندوز الامريكية البر الصومالي باتجاه البحر وهي تجر اذيال الخيبة، بعد ان تلقت ضربات قاسية منها.

البلاد قد اصبحت مضرب الامثال بالتشرذم وانعدام الاستقرار، فالصوملة لا تعني سوى المعارك الطاحنة والمتسلسلة بين الجماعات الاهلية المسلحة، وبين الجماعات المدعومة من الخارج، وهي تعني ايضا الانسلاخ باقامة كيانات منعزلة طلبا للنجاة.

عام 1960 وتحت اشراف الامم المتحدة ورعايتها اعلن عن قيام الجمهورية الصومالية، وانتخب احد وجهاء البلاد اول رئيس لها، حتى مجيء عام 1969 حيث حط الجيش رحاله على مقاليد السلطة المباشرة، إثر انقلاب عسكري، اصبح قائده هو الرئيس الحاكم بأمره الى عام 1991، حين تم الاطاحة بنظام سياد بري، ومعه بالدولة الصومالية برمتها.

كان لتشابك مساعي المعارضين للنظام وقتها مع المتربصين الاقليميين وتحديدا اثيوبيا، مع مساعي بعض الاوساط الغربية التي كانت تراهن على جر الصومال لصومعتها، او اهلاكها وانهاكها، سببا قاعديا للانهيار الذي تشهده البلاد منذ عام 1991 وحتى الان.

تراجيديا الوضع الصومالي وعلى كافة المستويات، لن تلغي من ذاكرة التاريخ، حقيقة بانه كانت لهذه البلاد دولة موحدة، وكان لها جيش وطني وحدود واحدة، وكانت لها عملة واقتصاد وجامعات ومدارس ومستشفيات وسفارات، البلاد غنية بثروات بكر وسواحل طويلة، البلاد فقيرة ببناها التحتية ولكنها غنية بافاقها التي تعاني من حرائق التكالب الداخلي والخارجي!

الاغراء باحتياطيات المعادن النفيسة، ومنها الذهب الاسود، المطمورة تحت الارض التي يراد لها الانفراط  والتفكك، واعتماد اسلوب دعم الجهات الموعودة بالاستفادة المباشرة من استخراجها  وريعها، هو نهج غربي ناعم يتسرب الى زوايا القرن الافريقي لانجاز مهمتين متداخلتين، اولهما الدفع باتجاه تفكيك دول المنطقة، وتحديدا العربية والاسلامية، لتسهيل مهمة احتوائها، وثانيا لقطع الطريق امام توسع الاستثمارات الصينية الزاحفة اليها، فالاعلان الامريكي عن وجود احتياطيات نفطية هائلة في منطقة القرن الافريقي عامة وفي جنوب السودان خاصة، واغراء الجنوبيين في السودان والدارفوريين في غربه بعوائد سخية من عوائد ثروات مناطقهم في حالة انفصالهم عن الوطن الام، يصب في تحقيق ما تصبو اليه امريكا وحليفتها اسرائيل من مهمات.

 اوغادين او الصومال الغربي المحتل من قبل اثيوبيا والتي جرت على رماله معارك طاحنة بين اثيوبيا والصومال عامي 1977 و 1978 بسبب نزاع حول عائديتها، تعاني هي الاخرى من التوجسات الاستكشافية والتي لا يبدو ان هناك حماسة غربية لاستثمارها، بسبب من احتمالات اثرها المعاكس على تماسك الكيان الاثيوبي الذي يراد له غربيا واسرائيليا الصمود موحدا بالضد من الجوار الاسلامي المعادي.

الامريكان حلفاء للاثيوبيين كما هي اسرائيل بالضبط، والتي تتصرف وكانها راس حربة لهم، ودليلهم في هذه المنطقة المكتظة بالتناقضات والمفارقات والمجاعات وحملات التبشير، والمصدر الاول لشرايين الحياة ـ منابع النيل ـ  لجيران اسرائيل من عرب افريقيا، عرب وادي النيل.

 بعد سقوط منغستو هيلا مريام حاكم اثيوبيا الاوحد ونظامه الموالي للنفوذ السوفياتي وقتها، بمعاول تحالف واسع اشترك به اعداء اليوم ” الجبهة الحاكمة في ارتيريا واحزاب الحكومة الاثيوبية الحالية وجبهة تحرير اوغادين ” وبتجاوب ودعم امريكي، جرت اصطفافات جديدة وذلك على اثر استقلال ارتيريا، واستشراء حالة التمزق التي سارت كالطوفان المتوالد في دولة جمهورية الصومال، وايضا نتيجة لبروز اتجاه اسلامي اصولي صومالي يهدد المصالح المجتمعة لاثيوبيا وامريكا واسرائيل في المنطقة كلها، خاصة وان هذا الاتجاه هو اكثر الاتجاهات الصومالية المتناحرة قدرة على توحيد الصومال واستعادتها لعافيتها بالاستناد للعمقين العربي والاسلامي شعبيا وربما رسميا، فهو ينشد سد فراغ الدولة المنهارة وتحييد دور الجار الاثيوبي الذي ساهم لحد كبير في دفع  الصومال لهذه الهاوية، وايضا الوقوف بوجه فصفصة الصومال واعادة استعماره غربيا تحت مسميات جديدة.

لقد اسقط سياد بري عام 1991 ليس بتحالفات داخلية فقط وانما بتحالفات معارضيه مع الاثيوبيين، الذين وجدوها فرصة سانحة لتنفيذ فكرة الضم المقبول لاوغادين وملاحقة القبائل المتمردة او تحييدها بقصم ظهر عمقها الاستراتيجي الصومال بمجمله، وهذا ما انساقت اليه كل الاطراف الصومالية التي كانت تعارض نظام الحكم الفردي لسياد بري، طبعا لم تكن جبهة تحرير اوغادين منسجمة مع هذا التوجه المضر بنضالها من اجل الانضمام الى الصومال الام، لذلك فان هناك امكانية كبيرة لتلاقي مساعي جبهة تحرير اوغادين مع مساعي تنظيم الشباب الصومالي المسلم الذي اعلن مؤخرا عن توحده مع الحزب الاسلامي الصومالي وهما يشكلان اقوى قوة ميدانية مقاومة تسيطر على اغلب مناطق مقاديشو ومناطق وسط وجنوب الصومال، لتوحيد الصومال والتصدي للاثيوبيين!

ان شرذمة الدول الوطنية المركزية ومن ثم اغراء المتشرذمين بمكاسب واوهام واحلام، ثروة الخامات النائمة تحت ارضهم، والتي لا تستخرج الا برخص امريكية، نهج امريكي مفضوح يهدف الى جعل المنصاعين من وجهاء القوم ومشايخهم، امراء مناجم، ونواطير في اقطاعيات ومزارع لشفط المعادن ـ نفط او غاز او يورانيوم او المينيوم او حديد ـ  او حراس اجراء ووكلاء تابعين يتشبثون بعزلتهم وانفصالهم عن الوطن الام حفاظا على مواقعهم التي جسمها لهم سيد البر والبحر، ومالك حق القوة، في حلب الارض والسماء ومن دون استأذان من احد.

ربما يوافق مجلس الامن وبقناعة امريكية مفادها، ان ابقاء الوضع على ماهو عليه في الصومال، من خلال انقاذ الحكومة المخنوقة فيها من السقوط، وذلك بارسال قوات دولية من خارج افريقيا اليها، وتأهيل الجمهوريات النابتة على جلد البلاد المتهتك ـ جمهورية ارض الصومال، وجمهورية بونت لاند ـ كأمر واقع، هو انسب لها الف مرة من قيام حكم فصيل اسلامي قوي يوحد البلاد ويعيد لها أمنها المفقود الذي لا يهدد المصالح الامريكية في الصومال فقط، وانما في منطقة القرن الافريقي كلها.

السودان يسير على الدرب الصومالي، فنظام البشير، كُتف واجبر على مطاوعة ما يراد لاطراف البلاد من مصير، وان كره ذلك، والنفط كان عاملا مسرعا للاندفاعة الانفصالية في الجنوب، كما ان التلويح بالخير الذي سيعم دارفور في حالة انفصالها عن السودان، هو بداية لاعادة نفس معزوفة الجنوب فيه.

موقف البشير يشابه من نواحي كثيرة موقف سياد بري قبل انفراط عقد الصومال، وعليه فان ازاحة البشير ونهجه الاقصائي والاستبدادي وقبل فوات الاوان من قبل الجيش والشعب السوداني، ثم اقامة نظام ديمقراطي بديل تجمع عليه كل القوى السودانية الوطنية والديمقراطية الفاعلة جنوبا وشمالا وشرقا وغربا، سيغير قطعا من النتيجة الحتمية التي سيصل اليها السودان بقيادة البشير، والتي لن تكون بافضل من الحالة الصومالية قبل وبعد سياد بري!