لقد تحوّل الصديق القديم إلى مشكلة جديدة

 

لقد تحوّل الصديق القديم إلى مشكلة جديدة

ساركوزي وزين العابدين بن علي

محمود جلبوط

 

إن سقوط الدكتاتور في تونس أوقع الحكومة الفرنسية في مأزق , فمنذ ما يزيد عن العشرين سنة من حكم بن علي بل ومن قبل أن يستولي على السلطة من خلال موقعه كمسؤول أمني عام للجهاز الأمني التونسي أيام حكم بورقيبة وهي تحتفل به على أنه الصديق المقرب , بل لقد احتفت به وحبته على أنه الحليف القريب جدا والمخلص في شراكتهما بنهب الشعب العربي في تونس والمشاركة في تصفية حركات المعارضة فيها تحت شعار محاربة الإرهاب. أما اليوم وبعد سقوط الدكتاتور يشعر الرئيس الفرنسي ساركوزي بالخجل من كل عبارات التقريظ والمديح التي كالها طوال مدة رئاسته في شخص حليفه , وأصبح من المفروض عليه وحكومته إعادة النظر في سياسة فرنسا ليس بالنسبة مع تونس وحدها بل مع كل منطقة شمال أفريقيا جنوب البحر المتوسط.

حاولت وزيرة الخارجية الفرنسية التعبير عن خيبتها وخيبة حكومتها  الاستعمارية بسبب التصريحات التي عبرت من خلالها عن توجهات حكومتها أثناء الانتفاضة التونسية من خلال تفسيرات أو توضيحات لاحقة لوظف من موظفي وزارتها بأنه “قد أسيء فهمها ” أو أن الصحفيين قد ذهبوا بتصريحاتها بعيدا عن مقاصدها ” (كما حدث مؤخرا أثناء زيارتها لفلسطين ولقائها مع عائلة الجندي الصهيوني الأسير الغني عن التعريف شاليط وتصريحاتها العنصرية وما جرى لها من استقبال يليق بها وأمثالها من المسؤولين الأوربيين بصرامي أهالي الأسرى الفلسطينيين) , لتعبر عن أسف خجول ومقتضب أمام البرلمان الفرنسي  لسقوط الضحايا التونسيين الأبرياء برصاص عناصر الأمن أثناء الانتفاضة , هذا الأسف لم يكن منبعه وقفة مع الذات بل كان الدافع لهذا الأسف المتواضع أن ممثلي المعارضة في البرلمان الفرنسي قد استجوبوها حول التطورات الأخيرة.

لم تتوقف فجاجة موقف الإدارة الباريسية بدعم وكلائها في تونس عند هذا الحد , فقد صرحت وزيرة الدفاع الفرنسية أمام الهيئة النيابية الباريسية , وفي خضم الانتفاضة التونسية ضد نظام زين العابدين بن علي وأثناء ما كانت قوات أمنه تريق دم الشباب التونسي الزكي على أرصفة الشوارع , “بأن فرنسا , المعروفة على مستوى العالم بالتزامها بحماية حلفائها , تعرف كيف ومتى ترسل قواتها الأمنية إلى تونس لتدعم حليفها هناك”.

إن العروض المريبة هذه لم تثر غضب المعارضة الفرنسية وحسب بل امتدت إلى بعض أعضاء الحكومة الفرنسية الذين رؤوا أن الوزيرة قد تمادت في تحريضها على العنف وأنها ” مصابة بلوثة من جنون” كما نقلت الصحافة على لسان رئيس الوزراء الفرنسي , وألحق هذا بعد ذلك بتعليق غاضب للرئيس الفرنسي بأن ” تصريحات كهذه تضعف الموقف الفرنسي في العالم وتسيء إلى سمعتها ” فهل حقا أن تشويه سمعة فرنسا تتوقف على تصريحات الوزيرة الفرنسية؟ أم أن القضية تتعلق بسلوكها وممارستها الاستعمارية السيئة , ليس لدى الشعب العربي وحسب ولا بسبب ماضيها الأسود فيه فترة استعمارها العسكري المباشر له وتآمرها في حينه مع حليفتها بريطانيا على تقسيمه إلى كولونياليات عميلة ليتحكموا لاحقا  بمصائر البلاد والعباد , بل لدى شعوب العالم الأخرى , والنقمة على فرنسا ناتجة عن سياستها الاستعمارية الحاضرة والتي يعبر عنها بجلاء انخراطها في حروب الحلف الأطلسي والاضطلاع بالأدوار الموكلة إليها من قبل زعيمة ” العالم الحر” وزعيمة الحلف أمريكا , ومن خلال الجرائم والمؤامرات التي تقترفها قواتها العسكرية والأمنية ضد الشعوب في أفريقيا وآسيا: في أفغانستان ولبنان وفلسطين كأمثلة حاضرة.

خديعة أن تونس “حصن ضد الإرهاب” وأنها أيقونة مقدمة لأفرقيا والوطن العربي ” كأعجوبة اقتصادية” ليحتذو بها , وأي احتذاء هذا الذي يجري تحت عباءة التطبيع مع الاستعمار والصهيونية. 

تخفي الإدارة الفرنسية الاستعمارية إستراتيجيتها في المغرب العربي والبلاد الأفريقية الأخرى للهيمنة على مقدراتها بدعم وكلائها فيها ومن ضمنها نظام بن علي المخلوع بالخديعة المشروخة بالمساعدة على ” الحرب على الإرهاب” والتي هي في الحقيقة دعوة لا يتعدى دورها كما نوهنا في مقالات عديدة سابقة التضليل والتبرير لحروبهم من أجل نهب الوطن وثرواته ولتحطيم أي مقومات محلية وطنية لبناء القوة الذاتية لانجاز الاستقلال وحمايته وإقامة دولة الوحدة على الأقل في المغرب العربي على تخوم حدودهم الجنوبية من البحر المتوسط.

تقول الإدارة الفرنسية أن نظام بن علي هو حصن قد نجح في منع تمدد ” الإرهاب” ويعنون بذلك الإسلام الجهادي , وقد عملوا بشكل مكثف لتصبح تونس أيقونة اقتصادية يحتذى بها في أفريقيا عامة وفي الوطن العربي بشكل خاص كما ادّعى مدير البنك الدولي , وما أدراك ما البنك الدولي , ليتغنى بعد ذلك مسؤول رابطة الدول الفرنكوفونية من طرفه أيضا بهذه الأيقونة التونسية: ” إن الأمم التي تتحصل على اقتصاد متين يسودها استقرار سياسي “.

لقد أخطأت الإدارة الفرنسية بشكل مريع في تقدير الحالة الواقعية لوضع بلد كان تحت سيطرتها الاستعمارية المباشرة حتى عام 1956 , فقد شعرت , وبعد سقوط وكيلها بن علي هناك , بل أدركت , أنه قد بات وضع وكلائها الآخرين في بقية الكولونياليات المغاربية منصة اختبار وانتظار. فبعد انتهاء فترة “التأسف على القتلى الأبرياء” الذين سقطوا فى شوارع تونس أتاها زمن الصحوة ولعبة الأفكار لاختيار خط مغاير عن خط  مسيرة السياسة السابقة التي انتهجتها إلى الآن , وبعبارات أخرى , وكما عبر كرستيان بوكيت الخبير في الشؤون الأفريقية والمحاضر في جامعة بوردو الفرنسية عن موقف سياسة حكومته ما بعد الانتفاضة التونسية بأن فرنسا الآن ” قد وضعت غيار عربتها على وضعية المسير إلى الوراء “.

قد نبا فزع شديد لدى الإدارة الفرنسية من أن تمارس الانتفاضة التونسية في الوطن العربي عامة والمغرب العربي خاصة دور الدينامو إن انتقلت عدواها إلى جيرانها مما سيزعزع “استقرارا” بذلت جلّ جهدها مع حليفائها الغربيين و المحليين إلى جانب الجهود المبذولة من قبل الموساد “الإسرائيلي” طبعا للكشف المسبق عن أي “مؤامرة” داخلية لقلب الأنظمة فيه  (لقد قدمت الأجهزة الأمنية في الكيان الصهيوني أكثر من مرة ولأكثر من نظام عربي خدمات جليلة في هذا المجال وعلى مدار فترة زمنية طويلة مما كشف عن تنسيق أمني مشترك مع العديد من الأنظمة العربية والأمن ” الإسرائيلي” فالأمر ليس جديدا ولا يقتصر على سلطة أوسلو في فلسطين).

لقد أخذت الأصوات المعارضة لسياسة الحكومة الفرنسية في فرنسا تتعالى حتى من قبل أعضاء من حزبها الحاكم فتدعو إلى تغيير السياسة الرسمية اتجاه ما يجري في تونس والنأي عن المراهنة على حصان خاسر , فالدكتاتور ساقط لا محال , وعلى هذا فقد دعت وزيرة العدل الفرنسية السابقة ذي الأصول المغربية أن على حكومتها أن ” تراعي الروابط الحميمية مع شعوب المنطقة هناك وعلاقاتها المتينة مع دولها ” و ” ألاّ تسمح لنفسها أن تتخذ مواقف ستؤثر مستقبلا على مردودية سياسة ” مكافحة الهجرة والإرهاب”.

ليس من السهولة على المرء تصديق ما أظهرته الإدارة الفرنسية من تغيير لمسار توجهاتها الأيديولوجية التي أظهرتها بتعاملها السياسي بعد النهاية المرة التي طالت حليفها ووكيلها في الحكم في تونس , كيف تنكرت له وأدارت له ظهرها وقلبت له ظهر المجن ورفضت حتى السماح لطائرته بالهبوط على أراضيها باعتباره رجلا غير مرغوب فيه , هذا الغير مرغوب فيه الذي كان قبل أيام قليلة رئيسا لمدة طويلة ويخطط أن يكون رئيسا مدى الحياة وصف ساركوزي حكمه في إحدى زياراته لتونس 2008  بأنه ” حكم ديموقراطي ناضج وعظيم ” وبأن تونس في عهده تعتبر ” واحة من الديموقراطية الأعظم في العصر الحديث ” فهل من متعظ.